في كتابه الجهاد، يتناول فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي قضية من بالغة الأهمية، وهي قضية الاقتتال بين المسلمين، وهي بلا شك أخطر بكثير من الاقتتال الخارجي الذي يوحد كلمة المسلمين، ويقوي رابطتهم، ويؤلف بين قلوبهم. الاقتتال الداخلي ينتج أثره في اتجاه معاكس؛ حيث يدمر الأمة من داخلها، ويجعل بأسها شديدا بينها، ضعيفا على أعدائها، حتى يصل بهم الأمر -كما نرى في أماكن كثيرة من بلادنا العربية والإسلامية- أن بعض المسلمين أذلة على الكافرين أعزة على المسلمين، رحماء إن تعاملوا مع أعدائهم أشداء في بينهم، وكأنهم عكسوا ما أراد الله لهذه الأمة: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ..} [محمد: 29].. {... أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ...} [المائدة: 54].
ويقسم الشيخ هذا الباب إلى تمهيد وثلاثة فصول، يتحدث في التمهيد عن القتال داخل الدائرة الإسلامية، وفي الفصل الأول عن الاقتتال بين الدولة الإسلامية، وفي الفصل الثاني عن قتال الفئة الباغية أو (الخارجين على الدولة)، وفي الفصل الثالث عن القتال ضد الأنظمة الحاكمة.
* القتال داخل الدائرة الإسلامية:
والأصل الثابت بيقين لا شك فيه، ولا خلاف عليه: أن دم المسلم على المسلم حرام، كما جاء في الحديث: "كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه". وأن قتال المسلم لأخيه المسلم من كبائر الإثم، التي قد تؤدي إلى الكفر، وأن هذا مما شدد فيه القرآن الكريم، والسنة النبوية. وحين يقع قتال داخل الدائرة الإسلامية يمكن أن تكون له عدة صور:
أولاها: صور القتال بين الدول أو الأقطار أو الأقاليم الإسلامية بعضها وبعض.
ثانيها: صور قتال أهل البغي، أي اشتباك الدولة مع الخارجين عليها بالسلاح.
ثالثها: الصورة المعاكسة للصورة السابقة، وهي صورة الثورة المسلحة على الدولة أو الحاكم، وهي ملازمة للحالة السابقة.
أولا: الاقتتال بين الدول الإسلامية:
يحذر القرضاوي من القتال الداخلي الممنوع شرعا: وهو الاقتتال بين الدول الإسلامية بعضها مع بعض، كما نرى في زمننا هذا، بعد أن سقطت الخلافة الإسلامية، وانفرط عقد الوحدة الإسلامية، ولم يعد للمسلمين مؤسسة تعبر عن وحدتهم الإسلامية، المتمثلة في ثلاثة أمور:
1 - وحدة المرجعية، وهي الشريعة الإسلامية.
2 - وحدة الدار، أي دار الإسلام، فهي دار واحدة وإن اختلفت الأوطان.
3 - وحدة القيادة، الممثلة في الخليفة والإمام الأعظم، الذي يمثل الوحدة السياسية للأمة.
ويشير الشيخ إلى أن هذا الاقتتال بين الدول أو البلاد الإسلامية بعضها وبعض له صور متعددة، كلها مرفوضة في نظر عقيدة الإسلام، وشريعة الإسلام، وأخلاق الإسلام. ويذكر منها:
1- قتال العصبية: صورة قتال العصبية، كقتال قبيلة مع قبيلة، أو قوم مع قوم، أو إقليم مع إقليم، كل جماعة تتعصب لقبيلتها أو قومها أو إقليمها، ضد من يخالفها في ذلك، وليس هذا القتال من أجل مبدأ أو فكرة، أو حق مضيع.
2- قتال التنازع على الحدود الإقليمية: ومن القتال المحرم، الذي عرفناه في عصرنا على نطاق واسع: قتال الدول الإسلامية بعضها مع بعض من أجل الحدود السياسية بين الأقطار، وهو من آثار الاستعمار ومكايده، فهو لم يكد يترك بلدا إلا وترك فيها مشاكل حدودية بينها وبين جيرانها.
3- القتال على الملك: ومن القتال الذي يقع – للأسف- بين المسلمين في عصرنا: القتال على الملك، أعني: أن دولة تريد أن توسع ملكها على حساب دولة مجاورة لها، وكلتاهما مسلمة. كما رأينا في غزو العراق للكويت، فهي حرب لا هدف لها إلا الملك، بالعدوان على دولة أخرى، أضعف عدة، وأقل عددًا، ابتغاء ابتلاعها، والسيطرة عليها.
* ماذا بعد وقوع الاقتتال؟
إذا وقع الاقتتال بالفعل، فقد وقع المنكر المحظور،.. ويجب أن يعالج هذا الاقتتال –برأي الشيخ- في ضوء الآيتين الكريمتين: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 9-10].
فالآيتان –كما يقول القرضاوي- تخاطبان الأمة وتطالبانها: أن تتدخل للإصلاح ووقف نزيف الدماء، ولكن من الذي يمثل الأمة هنا إذا لم يكن لها إمام مبايع واجب الطاعة؟
ويقترح الشيخ في هذه الحالة أن تكون هناك محكمة عدل إسلامية تقوم على حل النزاع القائم بين الدول المتناحرة.
* محكمة العدل الإسلامية:
وألمح القرضاوي إلى أنه في حالة غياب الإمام، فلا بد لأولي الأمر في البلاد الإسلامية بمعونة أهل الحل والعقد، أن يعملوا على إيجاد مؤسسات يلجأ المسلمون إليها لحل نزاعاتهم بالسلم بدل الدم.
وذلك مثل إنشاء (محكمة عدل إسلامية عالمية)، مهمتها حل النزاعات بين المسلمين عن طريق القضاء الملزم للطرفين، على غرار (محكمة العدل الدولية)، التي احتكم إليها بعض الدول الإسلامية في النزاع بين بعضهم وبعض، مثل: قطر والبحرين!!
ويرى الشيخ ضرورة تعزيز هذه المحكمة بقوة عسكرية إسلامية، مكونة من جميع البلاد الإسلامية، أو من عدد كبير منها. لوضع أحكام هذه المحكمة موضع التنفيذ، وإلزام الدولة المحكوم عليها بوجوب تنفيذها، وإلا تعرضت لعقوبات مختلفة، فهي أشبه بمجلس الأمن في الأمم المتحدة.
ويضيف: على منظمة المؤتمر الإسلامي أن تطور نفسها واختصاصاتها وإمكاناتها، وعلى قادة الأمة أن يساعدوها، بحيث يكون من أجهزتها مثل هذه المحكمة الإسلامية، وأن يكون قضاتها من كبار العلماء بالشريعة ومقاصدها، وبالعصر وتطوراته، وبالقوانين الدولية وغيرها، وأن يكونوا من الثقات المشهود لهم بالاستقامة ونصرة الحق، وألا تأخذهم في الحق لومة لائم.
4- القتال المذهبي أو الطائفي:
ومن القتال الذي يقع بين المسلمين بعضهم وبعض: القتال على أساس طائفي أو مذهبي –كما يحدث في العراق اليوم– للأسف الشديد بين السنة والشيعة.
ومع تغول سلطان الاحتلال الأمريكي في العراق تفاقمت الفتنة الطائفية، ومدت أعناقها، وتطاير شررها، وارتفع دخانها، والاحتلال الغاشم يباركها ويغذيها، ويوسع نطاقها من وراء ستار.
* الفئة الباغية أو الخارجون على الدولة:
المراد من قتال البغاة: قتال الإمام العادل للفئة الباغية عليه، أو الباغية على فئة أخرى من المسلمين، أو الفئتين الباغيتين كل منهما على الأخرى.
فإن مما شرعه القرآن من القتال الداخلي: قتال الفئة الباغية، أي المعتدية على غيرها بغير حق، ولا سيما البغي على الإمام العادل المطاع.
* الخروج المسلح على الإمام المطاع:
والبغي من طائفة مسلمة على أخرى يتصور في عدة حالات، نخص منها بالحديث حالتين:
الأولى: حالة الخروج على الإمام الذي ثبتت إمامته، وتمت بيعته، ووجبت طاعته: والخروج المسلح عليه يكون بغيا محرما، يجب إنهاؤه، ما لم يرتكب الإمام كفرا بواحا عندنا فيه من الله برهان.
* أصناف الخارجين على الإمام:
قال ابن قدامة: والخارجون عن قبضة الإمام، أصناف أربعة:
أحدها: قطاع الطريق: وهم قوم امتنعوا من طاعته، وخرجوا عن قبضته بغير تأويل، فهؤلاء قطاع طريق، ساعون في الأرض بالفساد، وهم المذكورون في قوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا} [المائدة:3].
الثاني: أصحاب شبه لا منعة لهم: وهم قوم لهم تأويل، إلا أنهم نفر يسير، لا منعة لهم، كالواحد والاثنين والعشرة ونحوهم، فهؤلاء قطاع طريق، في قول أكثر أصحابنا، وهو مذهب الشافعي.
الثالث: الخوارج: وهم الذين يكفرون بالذنب، ويكفرون عثمان وعليا وطلحة والزبير، وكثيرا من الصحابة، ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم، إلا من خرج معهم.
الصنف الرابع: قوم من أهل الحق، يخرجون عن قبضة الإمام، ويرومون خلعه لتأويل سائغ، وفيهم منعة يحتاج في كفهم إلى جمع الجيش، فهؤلاء البغاة، الذين نذكر في هذا الباب حكمهم ، وواجب على الناس معونة إمامهم، في قتال البغاة لما ذكرنا في أول الباب؛ ولأنهم لو تركوا معونته، لقهره أهل البغي، وظهر الفساد في الأرض.
* ماذا نصنع مع الخارجين على الإمام؟
قال أبو القاسم الخرقي رحمه الله: "وإذا اتفق المسلمون على إمام، فمن خرج عليه من المسلمين يطلب موضعه، حوربوا، ودفعوا بأسهل ما يندفعون به". ويذكر الشيخ شروطا، وضوابط لا بد أن تراعى قبل قتال أهل البغي منها:
1. إزالة المظالم وإزاحة الشبهات قبل القتال.
2. وجوب دفعهم بالأسهل من الوسائل.
3. لا يقتل من لا يقاتل.
4. لا يقاتل البغاة بما يعم إتلافه.
5. لا يستعان بالكفار على البغاة.
6. لا يقاتل قوم على مجرد رأيهم ما لم يشهروا السلاح.
7. لا اتباع لمدبر ولا إجهاز على جريح ولا قتل لأسير.
8. لا يجوز غنيمة أموالهم ولا سبي ذريتهم.
9. الصلاة على المقتول من البغاة ودفنه في مقابر المسلمين.
وفي هذا السياق يطرح السؤال نفسه: هل البغاة فاسقون أم مخطئون؟
يقول ابن قدامة في (المغني): (والبغاة – إذا لم يكونوا من أهل البدع – ليسوا بفاسقين، إنما هم مخطئون في تأويلهم. والإمام وأهل العدل مصيبون في قتالهم. فهم جميعا كالمجتهدين من الفقهاء في الأحكام من شهد منهم قبلت شهادته إذا كان عدلا. وهذا قول الشافعي. ولا أعلم في قبول شهادتهم خلافا. وأما الخوارج وأهل البدع إذا خرجوا على الإمام، فلا تقبل شهادتهم، لأنهم فساق. (يعني: فسق الاعتقاد والتأويل لا فسق العمل والسلوك).
* البغي جريمة سياسية:
وجريمة (البغي) أي الخروج على سلطة الدولة أو على ولي الأمر الشرعي -ولو كان وصوله إلى الحكم بالتغلب، ولكن دان الناس له- يصنفها القانونيون ضمن (الجرائم السياسية)، فهم يقسمون الجرائم إلى جرائم عادية، وجرائم سياسية، وينظرون عادة إلى مرتكب الجريمة السياسية، أو (المجرم السياسي) نظرة فيها كثير من الإشفاق والتخفيف، نظرا لأن باعثه على الجريمة، أو غرضه من الجريمة، ليس غرضا ماديا أو شخصيا أو عائليا أو قبليا، بل غرضه يتعلق بمجموع الشعب أو الأمة، وما يراه من فساد في الحكم، وانحراف عن الجادة، يجب تغييره، وعزل القائمين عليه، وتبديلهم بغيرهم ممن يفترض أن يكونوا خيرا منهم.
* القتال ضد الأنظمة الحاكمة:
ومن أنواع الجهاد المختلف فيها: ما اشتهر في العقود الأخيرة من (قتال الأنظمة الحاكمة) التي تحكم كثيرا من بلاد المسلمين، وذلك بالخروج المسلح عليها، أو استخدام العنف ضدها، أو ضد رجالها، أو مؤسساتها وبعض مصالحها.
ولقد اشتهر في العقود الأخيرة في عدد من البلاد العربية والإسلامية: تكوين جماعات تنتسب إلى الإسلام، أطلقت على نفسها (جماعة الجهاد). ويعنون بالجهاد –أول ما يعنون– جهاد السلطات والحكومات، التي تحكم بلاد المسلمين، ولا تقيم شرع الله، الذي فرض الله على الأمة أن تحتكم إليه في شئونها كلها؛ الدينية كالعبادات، والدنيوية كالمعاملات. فكما قال تعالى: {يا أيها الذي آمنوا كتب عليكم الصيام} [البقرة: 183]، قال في نفس السورة: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة: 187]. فتنفيذ القصاص كتنفيذ الصيام، كلاهما فرض فرضه الله على المؤمنين.
* مبررات العنف الداخلي:
بدأت هذه الجماعات: العنف في داخل أوطانها أنفسها، أي العنف ضد الأنظمة الحاكمة.
وبررت هذا العنف بعدة تبريرات منها:
1. تكفير الحكومات القائمة.
2. فتوى ابن تيمية في قتال كل فئة تمتنع عن أداء شريعة ظاهرة متواترة من شرائع الإسلام.
3. حكومات مفروضة على الأمة قسرا.
4. حكومات تقر المنكر وتحل ما حرم الله.
التوسع في التكفير: وبعض هذه الجماعات تنظر إلى المجتمع كله: أنه يأخذ حكم هذه الأنظمة التي والاها ورضي بها، وسكت عنها، ولم يحكم بكفرها، والقاعدة التي يزعمونها: أن من لم يكفر الكافر فهو كافر! وبهذا توسعوا وغلوا في (التكفير) وكفروا الناس بالجملة.
استباحة حرمات أهل الذمة: كما يرون بالنظر إلى الأقليات غير المسلمة: أنهم نقضوا العهد، بعدم أدائهم الجزية، وبتأييدهم لأولئك الحكام المرتدين، وأنظمتهم الوضعية، ولرفضهم الشريعة الإسلامية.
استحلال دم المستأمنين من السياح وغيرهم: وهم يرون أن السياح وأمثالهم، الذين يدخلون بلاد المسلمين بتأشيرات رسمية، وترخيصات قانونية، والذين يعدهم الفقهاء (مستأمنين) ولو كانت دولهم محاربة للمسلمين، يرون هؤلاء مستباحي الدم، لأنهم لم يأخذوا الإذن من دولة شرعية، ولأن بلادهم نفسها: محاربة للإسلام، فلا عهد بينهم وبين المسلمين، والواجب: أن يقاتل هؤلاء ويقتلوا، فلا عصمة لدمائهم وأموالهم.
خلل في فقه جماعات العنف: هذا هو فقه جماعات العنف –كما عرضه الشيخ باختصار- الذي على أساسه ارتكبوا ما ارتكبوا من مجازر تشيب لهولها الولدان، وتقشعر من بشاعتها الأبدان، ضد مواطنيهم من مسلمين وغير مسلمين، وضد السياح وغيرهم من الأجانب المسالمين المستأمنين.
وهو بلا ريب فقه أعوج، وفهم أعرج، يعتوره الخلل والخطل من كل جانب. ويحتاج من فقهاء الأمة إلى وقفة علمية متأنية، لمناقشتهم في أفكارهم هذه، والرد عليهم فيما أخطئوا فيه، في ضوء الأدلة الشرعية من القرآن والسنة وإجماع الأمة.
* حسن النية ليس مبررا:
يشير الشيخ إلى أن آفة هؤلاء في عقولهم، وليست في ضمائرهم، فأكثرهم –برأي الشيخ- مخلصون، ونياتهم صالحة، وهم متعبدون لربهم، شأنهم شأن أسلافهم من الخوارج الذين كفروا عامة المسلمين، وكفروا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، واستحلوا دمه، ودماء المسلمين معه، وصحت الأحاديث في ذمهم من عشرة أوجه، كما قال الإمام أحمد.
ولقد حذر رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم من الأعمال الطائشة، والتصرفات الرعناء، التي قد يقوم بها بعض الناس الطيبين، بنوايا حسنة، وبواعث نبيلة، دون أن ينظروا في مآلاتها، ويفكروا في وخيم عواقبها، وذلك لقصر نظرهم، وضيق أفقهم، فما لم يتنبه المجتمع لهم، ويأخذ على أيديهم، ويمنعهم من الاستمرار في تفكيرهم الأخرق، فإنهم سيودون بالمجتمع كله، وينتهي بهم طيشهم –مع حسن نيتهم– إلى هلاكهم وهلاك الجماعة كلها معهم. ومن أراد ذلك، فعليه أن يملك القوة التي تستطيع التغيير، وهي في عصرنا إحدى ثلاث:
1. - القوات المسلحة.
2. - المجلس النيابي (السلطة التشريعية).
3. - قوة الجماهير الشعبية العارمة.
وأخيرا: هل الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله، أو بكل ما أنزل الله كفرة خارجون من الملة أم فسقة عصاة، ولكنهم باقون في الملة؟
رأى الخوارج ومن وافقهم قديما وحديثا: أنهم كفرة كفرا مخرجا من الملة، كما تدل عليه ظواهر النصوص، مثل قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [النساء: 65].
رأي أهل السنة: أن الكفر هنا هو: الكفر الأصغر، كفر المعصية، لا كفر العقيدة، فهم يؤمنون بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا ورسولا، ولكنهم غلبتهم شهواتهم، وضعف أنفسهم، وحبهم للدنيا، فتركوا كثيرا مما أنزل الله، اتباعا للهوى، أو إرضاء لسادتهم من الغربيين وأمثالهم، أو لغير ذلك من الدوافع، شأنهم شأن من يزني من الأفراد، أو يشرب الخمر، أو يأكل الربا، أو يأكل مال اليتيم، ونحو ذلك، اتباعا لشهواته، وإيثارًا لدنياه على آخرته.
* وقفة مع الحكام المعاصرين:
ونبه الشيخ في هذا السياق الملتبس إلى أن جماعات العنف ترى أن الحكام الحاليين قد ارتكبوا (كفرا بواحا عندهم فيه من الله برهان) حينما عطلوا بعض أحكام الشرع عمدا، مثل إقامة الحدود، ومثل تحريم الربا، وأحلوا ما حرم الله جهارا، مثل إباحة الخمر، ومثل نشر الخلاعة في أجهزة الإعلام المختلفة، بل إن بعضهم ليحارب المرأة المحتشمة، ويعتبر لبسها الخمار جريمة، في حين يطلق العنان للكاسيات العاريات، أو العاريات غير الكاسيات، ومنهم من يعتبر الدعوة إلى تحكيم الشريعة جريمة مخالفة للدستور، ويسوق دعاتها إلى المعتقلات أو المحاكم العسكرية، إلى غير ذلك مما يعلمه الخاص والعام.
وفرق الشيخ بين نوعين من الحكام في ديار الإسلام:
النوع الأول: هو الذي يعترف بالإسلام دينا للدولة، وبالشريعة مصدرا للقوانين، ولكنه مفرط في تطبيق الشريعة في بعض الجوانب، فهذا أشبه بالمسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويلتزم بأحكام الإسلام عامة، ولكنه يرتكب بعض الكبائر: من فعل محظور، أو ترك مأمور.
فالخوارج، ومن وافقهم يكفرونه، وأهل السنة وجمهور المسلمين يعتبرونه مسلما عاصيا، غير خارج من الملة، ما لم يستحل ذلك، أو ينكر معلوما من الدين بالضرورة، وجل الحكام من هذا النوع.
والنوع الثاني: هو العلماني المتطرف، الذي يجاهر بالعداوة لشريعة الإسلام، ويسخر منها، ويعتبرها مناقضة للحضارة والتقدم، فهو يرفض الشريعة رفضا، فهو أشبه بإبليس الذي رفض أمر الله بالسجود لآدم، ووصفه القرآن بأنه: {أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ} [البقرة: 34].
وقليل من الحكام: هم الذين يمثلون هذا النوع، الذي يباهي بعداوته لشريعة الله، ويستحل ما حرم الله، ويحرم ما أحل الله، ويسقط ما فرضه الله، ويتبع غير سبيل المؤمنين، بل يتبع سبيل المجرمين، ويعمل جاهدا في تجفيف ينابيع التدين في أنفس جماهير المسلمين وفي حياتهم، ويجاهر بذلك ويتبجح.
وهؤلاء هم الذين يجب مقاومتهم والخروج عليهم، ولكن هذا كله مقيد بحدود القدرة والإمكان، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وكثير ما يؤدي استعمال القوة في غير موضعها إلى كوارث كبيرة، ربما عاقت العودة إلى الشريعة، زمنا قد يقصر أو يطول.
وشدد القرضاوي على أن الأولى بالمسلمين هنا: أن يتفقوا على آليات سلمية للتغيير، ويستفيدوا مما وصل إليه العالم عن طريق الوسائل الديمقراطية في التغيير، أو أي طرق أخرى لا تترتب عليها فتنة في الأرض وفساد كبير.
والمؤمن –كما يقر الشيخ- يلتمس الحكمة من أي وعاء خرجت، ولا حرج على المسلمين أن يقتبسوا من الوسائل عند غيرهم ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، ما دامت هذه الوسائل غير مخالفة لنصوص الشرع ولا قواعده، بل هي من (المصالح المرسلة) التي تتحقق بها مقاصد الشريعة ومنافع الناس.
* المصدر: شبكة أون إسلام
| < السابق | التالي > |
|---|