لكل شيء معلم يعلمه ويميزه عن غيره، ولكل ظاهرة حدود ومظاهر تحدد جوانبها وأبعادها. والانحراف الفكري كغيره من الظواهر له مفهوم وأشكال وأنماط متعددة كما أن له أسباباً تسهم في ظهوره. وفي هذا البحث سوف يتم استعراض مفهوم العنف وبيان مظاهره وأنماطه، إضافة إلى الكشف عن أهم الأسباب التي تكمن خلف ظهوره.
وقد تراوحت المقاربات لظاهرة العنف وطرق مواجهتها بين المقاربة الأمنية والسياسية والمقاربة الاقتصادية والاجتماعية، والمقاربة الثقافية والإعلامية واتضح ان المقاربة الأمنية والعسكرية لهذه الظاهرة قد فشلت في القضاء عليها، أو حتى في محاصرتها، فبعد أكثر من ثلاثة أعوام من الملاحقة العسكرية والأمنية الدولية التي استهدفت تجفيف المنابع المالية للمجموعات المتّهمة بالإرهاب، ازدادت مجموعات العنف في العالم، وتعدّدت ساحاتها، وبدت تنظيماتها أكثر شراسة في تأكيد حضورها في ساحات الصراع الدولي.
* تاريخ العنف:
ظاهرة العنف ليست ظاهرة حديثة وليدة العولمة وإنما يعود تاريخها إلى المجتمع الإنساني الأول.. من حكاية قابيل مع أخيه هابيل. ومنذ ذلك اليوم وحتى يومنا هذا شهدت البشرية أصنافاً لا تحصى كمَّاً وكيفاً من مظاهر القسوة والبربرية.. و العنف.. التي سببت سلسلة من الكوارث المأساوية المتعاقبة، لأن العنف لا يولِّد إلا العنف. وهذه الظاهرة الخطيرة تتنافى والفطرة السليمة وطبيعة التكوين البشري كما تتنافى وروح التعاليم الإلهية والشرائع السماوية، ومواثيق حقوق الإنسان باعتبارها مجتمعة تؤكد بوضوح أن الأصل في الحياة وفي معاملة الإنسان مع أخيه الإنسان، هو مبدأ السلم والعفو والتسامح، أما القسوة والعنف فهو الاستثناء والذي لا يلجأ إليه إلا العاجزون عن التعبير بالوسائل الطبيعية السلمية أو المتجردين من الإنسانية.
* النزعة العدوانية:
يِعرّف بارون ورتشاردسون (Baron & Richardson، 1994) السلوك العدائي (Anti-social Behavior) على أنه ’السلوك الذي يفتقر إلى مشاعر الرحمة بالآخرين والاهتمام بسلامتهم’. والعدوان هو واحد من أنواع هذا السلوك. ويشير العدوان على وجه التحديد إلى السلوك الذي يهدف إلى إلحاق الأذى بشخص آخر بالقوة ورغما عن إرادته.
ويرى موير (Moyer، 1976) و بيركوتز (Berkowitz، 1993) أن ’العدوان لا بد وأن يتضمن القصد أو النية في إلحاق الأذى بشخص معين سواء كان ذلك الأذى مباشرا أم غير مباشر. لكنهما يخصصان كلمة ’العنف’ (Violence) للإشارة إلى السلوك العدواني المبالغ فيه والهادف إلى إلحاق أذى جسمي خطير بشخص آخر أو تدمير ممتلكاته.
إن البحوث التي تتولى دراسة جانب ’المسالمة والعدوان’، تنطلق من تصورات مختلفة فيما يتصل بـ ’فطرية’ هذا الدافع أو ’اكتسابيته’، وبإمكان ’تعديله’. مثلما تتفاوت في تحديد أسبابه وعلاجه.. وقد عُني علماء النفس الاجتماعي منذ أمد بعيد بقضية الأسباب الكامنة وراء ’العدوان’ بين الناس (أو العدوان البين شخصي Interpersonal Aggression). ويدور الجدل منذ سنين حول دور الوراثة مقارنة بدور البيئة في ’العدوان’، وفيما إذا كان السلوك العدواني لدى البشر يتحدد بيولوجيا أم أنه ينشأ عن التعلم ويتأثر بمؤثرات بيئية.1 فثمة اتجاه يرى الكائن الآدمي ’مسالم’ في طبيعة تركيبه. كل ما في الأمر أن ’البيئة’ بما فيها من ’ثقافة’ منحرفة هي التي تنمّي لديه نزعة ’العدوان’2
وثمة اتجاه ثانٍ يرى الكائن الآدمي (صفحة بيضاء) من الممكن أن تحوّلها ’التنشئة’ إلى ’مسالم أو عدواني’.
واتجاه ثالث، يرى أن ’الإحباط’ هو السبب في إنماء النزعة ’العدوانية’. فما دامت حاجات الإنسان لم ’تشبع’ بشكل يحقق توازنه الداخلي، فإنه مضطر إلى أن يستجيب للظواهر استجابة ’عدوانية’ ما دامت تقف حائلا دون الإشباع.
ويواكب هذا الاتجاه، اتجاه لا يقصر الأمر على الإحباط أو عدمه أو درجته وصلة ذلك بالعدوان، بل يجد – أساسا – أن عجز الإنسان عن إشباع حاجاته، وإلى مفروغية ’الإحباط’، يضطره إلى العدوان، بصفته استجابة حتمية للإحباط. على أن أشد الاتجاهات ’مفارقة’ هو الاتجاه الذاهب إلى أن ’العدوان’ يمثّل حاجة أو دافعا ’فطريا’ يرثه الكائن الآدمي بـ ’الفعل’.3 وهذا يعني أن الإنسان يعيش في عالم متغير ويسيطر على سلوكياته من خلال أفعاله ومن خلال تعرفه بمحيطه، وهو قابل بصورة إيجابية للتغيرات المذهلة. بحيث يكتسب الإنسان قوة خارقة تؤهله لممارسة عنف يفوق عنف كل حيوانات الطبيعة والبحار. وتتجلى هذه القدرة بصورة فردية وجماعية عبر التاريخ البشري الذي هو في جانب منه سلسلة جرائم ومحاولات لتفجير الكرة الأرضية وإفناء الإنسان نهائياً، كما يكتسب قوة خارقة لإعادة بناء ما دمرته الحرب في الطبيعة والإنسان نفسه.. وهكذا يلبث يدور بين ثنائية الخير والشر، الدمار والعمار: الشر المتمثل بالجانب الأبرز منه في الحروب الفردية والجماعية، العالمية والإقليمية، السيكولوجية والميتافيزيقية، والخير المتمثل في صناعة كل وسائل البناء
أما التصور الإسلامي للظاهرة، فإنه من الوضوح بمكان كبير، أن الكائن يرث بـ ’القوة’ مبادئ ’الشهوة والعقل’ أو ’الذات والموضوع’ أو ’الخير والشر’، وإلى أن عملية ’التأجيل’ التي يمارسها في بحثه عن اللذة هي التي تترجم ’القوة’ إلى ’فعل’ ايجابي هو ’المسالمة’، وعدمه (أي عدم التأجيل) هو الذي يترجم ’القوة’ إلى ’فعل’ سلبي هو ’العدوان’.
وبإمكاننا أن نتعرف على هذه الحقيقة، إذا أدركنا أن ’إيذاء الآخرين’ هو المظهر الأشد بروزا لكل سلوك ’شهوي’. فالممارسات ’الشهوية’ الفردية مثل الشراهة في الطعام، أو المال، أو الجنس، أو اللهو... الخ، إنما تعكس آثارها على ’الذات’ الشخصية، دون أن تمتد إلى إيذاء الآخرين. أما الممارسات الشهوية المرتبطة بالآخرين، فإن انعكاسها عليهم، يظل أمرا من الوضوح بمكان كبير. فالقتل أو التجريح، أو السب، أو الإهانة، بل والحقد على الآخرين بعامة، والحسد منهم، تظل أنماطا ’عدوانية’ أشد بروزا من الأنماط الأخرى المتصلة بالبحث عن ’التفوق’ أو ’الاستطلاع’... الخ.4
* جذور العنف:
يرى الدارسون أن العنف ظاهرة لها جذور سياسية واقتصادية واجتماعية ونفسية، وهي ترتبط مثلها مثل أي ظاهرة أخرى بالعديد من العوامل المتداخلة والمتشابكة مع بعضها البعض، وبدون قراءة صحيحة لهذه العوامل ستبقى كل المعالجات قاصرة ولا تمثل حلول ناجعة لها مهما تم من تغطية أمنية مكثفة – على أهميتها- فأنها ستبقى دون تحقيق النتائج المطلوبة للمعالجة ذلك أن الإجراءات الأمنية تحاول منع العنف المدفوع بالكثير من العوامل، ولما كان العنف سلوك فانه يحتاج لضمان تواصله واستمراريته طاقة تكمن في دوافعه -. ومن ثم فان أي تعامل مع ظاهرة العنف لا يأخذ بعين الاعتبار عوامله الأساسية سيكون تعاملا مجتزأ لا يؤدي العلاج المطلوب وربما أطال عمر الفيروس الحامل لممانعة المودة وجذره.
فلم يكن الإنسان عنيفاً يوم ولدته أمه بل أن عنف الطبيعة وعسر الحياة والتربية وعنف الآباء هو الذي يغرز العنف في خلايا الدماغ حتى حملته صبغياته الو راثية فكاد أن يكون موروثاً.
و هنا تظهر أهمية دروس التربية لتعريف النشء بالمبادئ الإنسانية النبيلة التي تحث على الود و التواصل، و العدالة و الأخوة، و التفتح على الرأي الآخر، و عدم نصب العداء للمعتقدات الأخرى، و بذلك نصون المراهقين و الشباب و نحصنهــم ضد المفاهيم المتطرفة التي تزرع الكراهية لكل من يخالفنا الرأي و المعتقد، و بذور الفتنة و القسوة والعنف و يرى الباحثون في هذا المجال أن أسباب هذه الظاهرة عديدة، نلخصها في الأنواع الآتية:
* الأسباب التربوية:
قد تحدث بعض المشكلات التي تسبب ضررا نفسيا، أو ماديا علي أفراد المجتمع، أو جماعة محددة منه، فيتولد من خلال ذلك شعور بالإحباط ورغبة في الانتقام عن طريق استخدام العنف، ويعد التفكك الأسري من ابرز تلك المشكلات الاجتماعية، لان التفكك الأسري يعني انهيار الدور الأساسي للأسرة. الذي من ابرز معالمه التنشئة الاجتماعية السليمة، وتقوية أواصر العلاقات الاجتماعية المهمة، فالأسرة تشكل تلقيح ممانعة ضد أمراض نفسية فتاكة تتحول بفعل الزمن إلى ممارسات عدوانية إذ تعد الأسرة النواة الأساسية للمجتمع والتي في أحضانها ينعم الطفل بالعناية والرعاية والحب والأمان، فهي الوعاء الطبيعي الذي يحتضن الفرد في طفولته وحتى شبابه بحيث يتم تزويده إما بالعطف والاحترام فينمو نموا سليما صحيحا يتميز بالقدرة على التكيف مع محيطه،أو بالقسوة والإحباط أوالتدليل الزائد مما يعرقل نموه الطبيعي ويخلق لديه مشاعر القلق وعدم الطمأنينة.
فالأسرة كالجسر الذي تعبر عليه خصائص الثقافة لأية أمة إلى أفرادها في حين أن أساليب المعاملة والتنشئة الأسرية هي تلك العربة التي تسير على هذا الجسر وتنتقل القيم والاتجاهات والمعتقدات للأفراد وإضافة إلى سوء المعاملة الأسرية اتجاه الأبناء فان المشكلات الأسرية كالطلاق والغياب الطويل للأب عن البيت المعاناة الاقتصادية للأسرة لها علاقة في انحرافات الأبناء الفكرية والسلوكية العدوانية.
* الأسباب الاقتصادية:
تنتشر في بعض دول العالم اليوم حالة من انعدام العدالة في توزيع الثروات الاقتصادية، فتظهر فئة أو فئات من المجتمع تنهج سياسة الاحتكار، الأمر الذي يولد العديد من المشكلات الاقتصادية، المسببة للأعمال العدوانية بقصد تحقيق غايات اقتصادية، وإشباع حاجات مادية ونفسية، فتفشي البطالة
و تدهور القدرة الشرائية لسوء الأوضاع الاقتصادية و انخفاض مداخيل الدولة، تجعل نفوس الشباب مرتعا خصبا لكل الأفكار المغرية، و عرضة لكل إغراء مادي يستعمل مصيدة لهؤلاء لتوريطهم في أعمال العنف بطعم إخراجهم من وضعيتهم الصعبة، التي تتطلب منهم أحيانا بيع أعضائهم بأثمنة بخسة أو القبول بدخول سوق الاتجار بهم في مزاد النخاسة العالمي
* الأسباب الاجتماعية والإحباط النفسي:
يترتب عن الأسباب الاقتصادية السالفة الذكر أسباب اجتماعية، إذ بتدهور الاقتصاد تتدهور الأوضاع الاجتماعية، و تفكك الأواصر الأسرية نتيجة استفحال مشكل الأمية والبطالة والفقر والفاقة والتهميش الاجتماعي والمحسوبية والرشوة والفساد الإداري، فيجد الشباب نفسه في عمر العطاء يفقد إنسانيته وكرامته ويحرم من قرص تقديم كفاءاته ويخنق ابداعه فيجد الشباب نفسه في الثلاثين من العمر يعيش مرحلة التقاعد المبكر لكن من دون شروطه لا عمل ولا أسرة وأطفال ولا استقرار مادي ونفسي.
و من هنا يتكون الشعور بالتهميش و فقدان الثقة، و يزداد قوة بعد طول انتظار فتصبح النفوس مهيأة لتقبل أي فكرة تنادي لتغيير الأوضاع - مهما كانت وسائل هذا التغيير - لأنّ الهدف هو تحطيم الأوضاع التي فرضت عليه العيش في هذه الظروف القاسية و جعلتهم طبقة منبوذة مهمّشة، فتكون الاستجابة تلقائية لدعوة التغيير بالعنف. ومن أهم نظريات علم النفس الاجتماعي نظرية تفسر السلوك العدواني وتربطه بالإحباط.
ففي حالة اليأس والإحباط من تغيير الواقع يتعرض الفرد إلى تغيرات سلبية في التفكير والشعور. ففي مجال التفكير تقل أمام العقل الخيارات والمحاولات والحلول للتغلب على العوائق. أما في جانب الشعور والإحساس فإن الفرد في حالة اليأس والإحباط يغلب عليه التشاؤم والشعور نقص الكفاءة، والانهزامية فينخفض مستوى الروح المعنوية، وينعدم الأمل في المستقبل وقد يتجه الفرد بناء على ذلك إلى التفكير العدواني المنحرف لعلاج المشكلات
* الأسباب الفكرية:
تعود الأسباب الفكرية للإرهاب والعنف والتطرف في أغلبها إلى معاناة العالم الإسلامي اليوم من انقسامات فكرية حادة، بين تيارات مختلفة. فمن تيار علماني يدعو إلى بناء الحياة على أساس مفاهيم حداثية دنيوي وغير مرتبط بالأصول الشرعية ولا بالتقاليد والعادات والموروثات الاجتماعية الأصيلة، إلى تيار متعصب منغلق يعارض المدنية الحديثة وكل ما يتصل بالتقدم الحضاري، ومن الأسباب الفكرية الأخرى تشويه صورة الإسلام والمسلمين وضآلة الاهتمام بالتفكير الناقد والحوار البناء من قبل المربين والمؤسسات التربوية والإعلامية وسوء الفهم والتفسير الخاطئ لأمور الشرع والدين. والمشكلة أن الجيل الحالي يفتقد العمق الثقافي بعد أن فشلت المؤسسة الأسرية والتربوية والتعليمية في دورها التوجيهي والترشيدي وأصبح التليفزيون والأنترنت هو الموجه والمربي، فأصبح عند المتلقي استعداد فطري لتقبل كل ما تمليه عليه هذه الوسائل من ألوان الفكر العبثي السطحي التمييعي لمدركاته ومعارفه أو الفكر الايديولوجي الموجه لتعبئة وشحن العقول بأفكار متطرفة.
* الأسباب السياسية:
تقف البواعث السياسية خلف الكثير من العمليات الإرهابية وأعمال العنف التي ترتكب في أنحاء عديدة من بلدان العالم من بينهما الحصول على حق تقرير المصير لشعب، أو مقاومة الاحتلال أو تنبيه الرأي العام العالمي إلي مشكلة سياسية أو اجتماعية أو الاحتجاج علي سياسة يتبعها بلد ما، أو الرغبة في إنزال الضرر بمصالح دولة معينة وارباك وسائل نقله الخارجة أو الرغبة في إنقاذ حياة بعض المناضلين من الرفاق المعتقلين (مخيمر، الإرهاب الدولي،1986) مثل قيام بعض أفراد المقاومة الشعبية اللبنانية بتاريخ 14 يونيو 1985 باختطاف احدي الطائرات الأمريكية بعد إقلاعها من مطار أثينا بهدف الإفراج عن المعتقلتين الشيعة في سجون إسرائيل.
* وسائل الإعـــلام:
تلعب وسائل الإعلام دورا لا يستهان به في تكوين الاتجاهات والأفكار والتطرف فهي تؤثر بما تقدمه من برامج وأفلام وأخبار عن الأشخاص والأحداث. وتنبع أهمية المؤسسات الإعلامية من أنها أصبحت الصوت المسموع لدى جميع أفراد المجتمع، والأثر الذي تتركه المؤسسات الإعلامية لا يقتصر فقط على ما تبثه خلال ساعات البث، بل يتعدى ذلك إلى ممارسة دور الموجه حيث تحاول كل جهة غرس قيمها ومفاهيمها وأفكارها ونظرياتها في عقول المتلقين وصولاً إلى أهداف مبرمجة سلفاً وليس غريباً أن يكون من بين تلك الأهداف الإضرار ببعض الأنظمة والدول عبر برامج سافرة أو مستترة تسعى إلى تقويض الأمن والأمان والاستقرار الاجتماعي بها.
وتبرز مساهمة وسائل الإعلام في تكوين الانحرافات الفكرية عند الأفراد والجماعات في ما يظهر في التغطيات الإعلامية لبعض الحوادث الإرهابية التي تقوم بها بعض الجماعات المــتطرفة، حيث تقارن وسائل الإعلام بمبالغة مفرطة بين أفراد تلك الجماعات وبين بقية أفراد المجتمع، وتصوير الدولة والمجتمع في "صورة ملائكية" وإنكار أخطاء أفراد المجتمع وتعظيم أخطاء أفراد الجماعات المعتدية، مما يحدث فكرا منحرفا مضادا وفجوة هائلة بين الواقع والمثال يستغله أصحاب الفكر المنحرف من متطرفين وغيرهم في برنامجهم القائم في الأساس على المقارنة بين مثال خيالي وبين الواقع الموجود وهي مقارنة تثير الإحباط واليأس والاستفزاز عند بعض الأفراد.
وتنمي بعض وسائل الإعلام مشاعر الكراهية والعدوانية التي تولد بدورها أفكاراً تبرر العنف وتكفر الآخر وتحرض على الانتقام، وذلك عندما تستفز بعض تلك الوسائل المشاعر الدينية للأمة بتجاوز الثوابت العقدية والاستهانة بالأحكام الفقهية الراسخة أو تزييف وتحريف النصوص الشرعية لغايات معينة وكذلك استهداف الأشخاص باتهام النوايا والتهكم والسخرية.
ومن جانب آخر، ساعدت شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت) كوسيلة إعلامية عالمية في نشر الأفكار الأيديولوجيات المتطرفة والمنحرفة من خلال بروز فقه جديد عبر هذه الشبكة وهو ما يسمى فقه الإنترنت بما يحتويه من فتاوى فردية مشحونة بالانفعال والكراهية والتحريض على العنف.
* الإعلام ودوره في تصعيد لغة العنف:
كلنا يعرف أن الإعلام سلاح ماض، تستخدمه الدول، والجماعات للإخضاع، والهيمنة، والترويض. ففي الغرب، مثلاً، تـُعتبر وسائل الإعلام، والدعاية عتاد هائل لتطويع المجتمعات، وبرمجتها والفضائيات العربية تعتبر المصدر الرئيس للأخبار لدى المشاهد العربي، حيث أظهرت إحصائية في هذا الجانب أن نسبة 73% من المشاهدين العرب يعتمدون على الفضائيات كمصدر للأخبار، وهذه النسبة كبيرة إذا ما قُورنت بمصادر الأخبار الأخرى كالصحف والمجلات والإذاعة المسموعة.
لقد أدت وسائل الإعلام وظيفتها الإرهابية الخطيرة بجعل متلقيها أسرى لرسالتها، وتعليماتها، ورهن إشارتها، وتحت تأثيرها وذلك عن طريق برمجة العقل الباطن للمشاهد أو المستمع أوالقارئ باستخدام التكرار الممل لوجهة نظر معينة إما دعما أو تحريضا من خلال تزويده بكم من البرامج والتعليقات والمقالات والتحليلات إلى أن تصل إلى استقطاب المتلقي بشكل أوتوماتيكي في قضايا مختلفة.
وفي هذا الإطار تخصصت مجموعة من المواقع الالكترونية والصحف، والمجلات، والإذاعات، والتلفزيونات العربية، غير الرسمية، في ترويع الإنسان العربي العادي منه، والمثقف منذ مدة. بأساليب لا تعتمد على منهج الإقناع الحضاري، بل على التخويف، وإرهاب المتلقي، بطريقة ماكرة، بحيث يخضع في النهاية، للرسالة الإعلامية، التي تريد تلك الوسائل الإعلامية فرضها وتمريرها وتكريسها بالقوة
وهذا ما قامت به بعض وسائل الإعلام في السنوات الأخيرة لقلب الحقائق بحجة الديموقراطية الإعلامية الغربية لإجبار المتلقي العربي عن التنازل عن الكثير من قيمه ومفاهيمه النبيلة عن حركات المقاومة و تجريده من القيم الأخلاقية الإسلامية لدرجة أصبح فيها العديد من المثقفين وخوفا من سياط الإرهابيين الإعلاميين الجدد أكثر حذراً، حتى في انتقاد المجازر الإسرائيلية في فلسطين والصهيونية، و سياسة أمريكا، واحتلالها للعراق، واستباحتها للمنطقة، أو الإشادة بالمقاومة، أو الدفاع عن القيم العربية، والإسلامية، كي لا يُعتبر "إرهابياً" أو "متخلفاً"، خاصة، بعد أن نجحوا في ربط الإسلام بالإرهاب، لأن الحملة الإعلامية الإرهابية، كانت عنيفة، وشرسة، في ترويض المتلقي إلى أبعد الحدود.
نعم، لقد فتك الإرهاب الإعلامي، وإلى حد ما، بالساحة الفكرية، وبعقول الناس، وحاول تدمير، وتقويض كل الأسس، والقيم والمعارف التي توارثتها الأجيال، عن البطولة، والتضحية، والعزة والشرف، والفداء، ونصرة الضعفاء، والدفاع عن العرض والأرض والمقدسات واختلطت المفاهيم بحيث اختلطت المعايير وأصبح الإرهاب بحمل السلاح في وجه الأخوة والأهل من أبناء الفلسطينيين والعراقيين أنفسهم مقاومة !،ومقاومة الاحتلال الأجنبي إرهابا !5
وفي مقابل هذا الخلط المفاهيمي نجد الفضائيات الإعلامية العربية تنقل صور معاناة الشعوب في كل الأصقاع ومنها معاناة الشعب العربي في العديد من الأقطار العربية كفلسطين والعراق والسودان و ضرب أفغانستان ومشاهد احتلال العراق والتنكيل بالعراقيين في سجون أبو غريب وتفجيرات 11 سبتمبر و شرم الشيخ والرياض والدار البيضاء ومدريد ولندن.
لقد أصبحت وسائل الإعلام مشحونة بمحتوى عنفي حقيقي فنشرات الأخبار تكرس لأحداث القتل والانفجارات والدمار والصراعات وطقوس المآسي البشرية، ويتفنن الإعلاميون من اجل إحراز السبق في الإثارة عبر التركيز على المشاهد الأكثر هولاً وقدرة على أحداث الصدمة الإدراكية كما تتسابق الوكالات الإعلامية على التقاط اشد المشاهد فظاعة لان لها اكبر سوق من حيث الإقبال على بثها. ورغم أننا أمام واقع إنساني حقيقي، إنما المشكلة تكمن في أن هذه المشاهد تعرض مسلوخة عن سياقها التاريخي والسياسي، وتقدم مكثفة وكأنها حقيقة قائمة بذاتها فلا اهتمام إعلاميا بتاريخ هذه الأحداث ومسبباتها وأبعادها السياسية الإنسانية، مثلما يندر الوقوف عند نتائج بث هذا الغيض من العنف الحي على نفسية المشاهدين خاصة الأطفال والشباب حيث لا يمكن تجاهل الآثار السلبية على نفسياتهم والإحساس بالعيش في عالم مليء بالأخطار والتهديدات.
وفي العراق الجريح فان المضاعفات السلبية لظاهرة العنف المعروض عبر وسائل الإعلام هي الأخطر في إفرازاتها السلبية من الناحية النفسية والتربوية والاجتماعية، فالعنف أصبح جزءا عاديا من المشهد الحياتي اليومي يراه الطفل والشاب بعينه ويتابعه عبر وسائل الإعلام بشكل يومي وتفصيلي، وكل هذا يخلق عقدا ويولد أزمات نفسية وظواهر غير مقبولة قد تظهر نتائجها الآن او في المستقبل ما يهدد الأوضاع النفسية لهذا الجيل والأجيال القادمة
هذه الصور تنقل معاناة ممثلة في صور العنف المُمَارس على المواطن المتلقي بما يشاهده من واقع التحديات الكبرى والتي جعلته ينقسم في مواقفه إلى فئتين:
الفئة الأولى تأثرت بالعنف الترفيهي: تتبنى موقف تطبيع العلاقات مع هذه المشاهد لكثرت عرضها فلم تعد تثير فيها الأحاسيس القومية ولا تحفز فيها مشاعر مناصرة القضايا المصيرية المشتركة. فتكرار عرض صور العنف يولد لديها شعوراً باللامبالاة تجاه قضاياه العربية نتاجاً لتعود عقل (عينها على مشاهدة صور العنف، وقد لا تحرك بداخلها مشاعر الغضب تجاه ما يحدث من ظلم وقهر ولا تدفعها إلى التآزر والتعاضد مع إخوانها العرب، أو تحفز وتقوي الشعور والانتماء القومي وتدفع لِلمِّ الشمل وتوحيد الجهود والتآخي والتعاضد وتكون النتيجة تبنيها لتيار الإعلام السطحي الذي أصبح يشكل ظاهرة عنف خطيرة من نوع آخر بدأت تظهر نتائجه على عدة مستويات منها عدم الاستقرار في العلاقات الاجتماعية على مستوى الأفراد و الجماعات ومؤسسات المجتمع واستهتار بالقيم والأخلاق والمبادئ، وإشاعة الفساد الأخلاقي والترويج للمخدرات والفساد عبر الخطوط الساخنة مما يؤدي إلى الاضطراب الاجتماعي وغرس مفاهيم الانهزامية والاتكالية والهوان،
الفئة الثانية تأثرت بالعنف الإخباري: وتتبني موقف رفع راية المقاومة والنضال من اجل إعادة الكرامة والعزة والشرف والحق لأبناء أمته لأن من أهم الآثار التي تتركها مشاهدة العنف على هذه الفئة ما يلي:
1. رفع حدة الآثار النفسية والعاطفية عند الفرد مما قد يقود إلى ارتكاب سلوك عنيف تجاه الآخرين. ويتوقف سلوك الفرد العنيف (أي استجابته للمشاهدة) على مدى إحساسه وشعوره بالإحباط والضيق والتوتر.
2. تعزيز السلوك القائم بالفعل داخل الفرد. حيث تعمل المشاهدة للعنف (مشاهد الاحتلال- العدوان- القتل والتدمير- الإساءة للرموز الدينية- آليات التعذيب في سجون أبوغريب...) أو قراءتها على تعزيز وتدعيم السلوك الموجود أصلا عند المشاهد وذلك لأن الشخص العنيف يسبب دوافع العنف داخله – يرى السلوك العنيف المتلفز على أنه تجربة حقيقية.
3. التعلم والتقاليد: من المعروف أن إحدى طرق تعلم الإنسان هي التقليد والمحاكاة، من هنا تأتي خطورة عرض أفلام الكائن الأسطوري رمز العنف لأن البعض قد يقلدها على غرارها.
على أن ما هو أخطر من هذا وذاك هو ما يقوم به الإعلام بطريق مباشرة وغير مباشرة، من إيقاظ النزعات والرواسب الدينية والمذهبية والقومية والإثنية.. ولا سيما أنه يخاطب كتلاً هائلة من البشر أسهم هو نفسه في تنميطها وتسطيح ثقافتها وتحويلها إلى قوة استهلاك للسلع المادية والسلع الثقافية سواء بسواء. والإعلام الغربي الكثيف لا يترك للمستمع أو المشاهد على وجه الخصوص فرصة للتأمل والتفكير والتحليل، بل يشده في كل لحظة من لحظات الاستماع أو المشاهدة إلى تبني الموقف الذي تضمره الرسالة الإعلامية،. ويتسلح لأداء هذه الرسالة بسلاح النقل المباشر والحي للوقائع والأحداث، على نحو يوحي بالحياد والبراءة والتزام الحقيقة ولا شيء سوى الحقيقة
ومن هذا المنطلق ينبغي على كل المؤسسات التربوية والتعليمية والإعلامية والحكومية الدعوة إلى تأسيس ميثاق إعلامي أخضر مقابل الإعلام الأصفر، ينبذ العنف ويمنع بث كل المواد الإعلامية التي تحض وتحث على العنف بكل أشكاله (العنف الترفيهي أو الإخباري)، وتدعو إلى التسامح واحترام حقوق الإنسان والاعتدال والوسطية. وإننا اليوم نعتقد وبشكل عميق أهمية أن يسعى الإعلام الحر لإنتاج صيغ احتضان ورعاية لكل المبادرات والتوجهات التي تعتبر معتدلة وسطية، حفظ وصيانة وتفعيل المكتسبات الحضارية وتوفير البيئة الملائمة لمواجهة التحديات والصعوبات التي تستهدف عمق مقوماتنا وحاضر ومستقبل حضارتنا
ويحدونا الأمل باتجاه أن تتبنى المؤسسات الثقافية والإعلامية الوطنية هذه المسألة، وتقود الحملة الإعلامية والتثقيفية لتأكيد خيار الاعتدال والوسطية في الوطن والأمة.
** بحث مقدم لأعمال المؤتمر الدولي السادس للحوار بين الأديان، بعنوان: القيم الدينية بين المسالمة واحترام الحياة، تحت إشراف المركز الدولي للحوار بين الأديان، الدوحة (13- 14 مايو 2008)
* د. مريم آيت أحمد: رئيسة قسم العقائد والأديان، ورئيسة وحدة الحوار بين الأديان والثقافات بجامعة ابن طفيل كلية الآداب والعلوم الإنسانية – القنيطرة، المغرب
المراجع:
1. مدخل إلى علم النفس الاجتماعي، روبرت مكلفين و رتشارد غروس، ص 335
2. دراسات في علم النفس الإسلامي، د. محمود البستاني، ج 1، ص 285
3. دراسات في علم النفس الإسلامي، ج 1، ص 286
4. دراسات في علم النفس الإسلامي، ج 1، ص 287-288
5. مجلة الكويت، الإرهاب حقائق وأباطيل، 1427هـ
6. الإعلام الإرهابي، فيصل القاسم
7. الإعلام والإرهاب البنية الثقافية البديلة، خيرة الشيباني
8. وسائل العنف، راضي الحسنيين، ص 34
9الإعلام في الحرب ثقافة العنف والخوف جاد الكريم الجباعي ص23
10. رياض عزيز هادي، حقوق الإنسان والعنف والإرهاب، بغداد، مجلة العلوم السياسية، العدد (26)، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد،2002، ص143.
11 عبد الغني عماد، المقاومة والإرهاب في الإطار الدولي لحق تقرير المصير، مجلة المستقبل العربي، ع 275، كانون الثاني
12 نديم عيسى خلف، جدلية الإرهاب بين الطروحات الغربية والإسلامية، مجلة العلوم السياسية، ع26، جامعة بغداد
| < السابق | التالي > |
|---|