التنوع الإسلامي

قضايا التنوع التعامل مع القرآن

التعامل مع القرآن

استخدام علم الدلالة في فهم القرآن: قراءة في تجربة الباحث الياباني توشيهيكو إيزوتسو Toshihiko Izutsu

* تمهيد:

لقد أنزل الله القرآن ليكون هداية للناس، فقال تعالى: "إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ" (الإسراء:9)، ويحمل رسالة الله الخاتمة إلى العالمين، "وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ" (الأنعام:19)، فجعله الله كتاباً مصدقاً ومهيمناً "وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ" (المائدة:48)، وجعله الله كتاباً مبيناً وعربياً، "الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ - إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" (يوسف:1-2)، لكنه رغم وضوحه وجلاء الرسالة التي يحملها يكتنف من المعاني ما لا ينقضي ومن الدلائل ما لا ينفد مهما طال البحث عنها، فهو كتاب إلهي يخاطب العالمين، وهو كما وصف كتاب لا يخلق على كثرة الرد، ولا يحيط بكلماته زمان أو مكان، "قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا"(الكهف:109)، هذه الخصائص لكتاب الله عز وجل تجعل المسؤولية نحوه أكبر وأعمق من أن يتم اختزال العلاقة معه على أنه نص للتعبد فقط، ففيه نظام وإحكام لم يكتشف منه المفسرون والدارسون له إلا القليل، وسيبقى الزمن أهم مفسر للقرآن بما يستجد فيه من علوم ومعارف يمكن أن تسهم في اكتناه معانيه، وقد أدرك المتقدمون ما للعلوم على اختلافها من أثر في فهم القرآن سواء بالفهم المباشر له كعلوم القرآن أو غير المباشر كالعلوم التي تنمي ثقافة المفسر التي تؤثر بدورها في تفسيره، حتى وصل الأمر بالإمام ابن عطية الأندلسي إلى القول: "كتاب الله لا يتفسر إلا بتصريف جميع العلوم فيه"[1]، ولعل أهم العلوم ذات الأثر في فهم كتاب الله هي علوم اللغة، والتي شهدت تطوراً في التقعيد والتصنيف والتحليل، وقد اعتنى المسلمون مبكراً باللغة العربية، وكان الدافع الرئيس لذلك يرتبط بفهم كتاب الله عز وجل.

إلا أن هناك من علوم اللغة ما هو مرتبط باللغة بالعموم وليس خاصاً بلغة بعينها، لاسيما ما له صلة بالجانب التحليلي منها، كما أن تطورات العلوم اللغوية الحديثة آلت إلى نتائج كان علماء اللغة سبقوا إليها ونصوا على مثلها[2]، لكن ذلك لا يعني أن هذه العلوم لم تأت بإضافة يمكن الإفادة منها، فالعلوم منحة إلهية واستثمارها في الخير ينبغي أن يكون مطلباً مشروعاً بل واجباً، لاسيما إن كانت تصلح لأن يفهم بها كتاب الله، لكن مقاربة كتاب الله بها ليست من الأمور السهلة أو القابلة للارتجال والتجربة السطحية، كما أن توسل هذه العلوم من خلال التجارب التي تمت لم يكن في الغالب منتجاً للعلم أو يقدم إضافة نوعية نظراً لتوسل تلك العلوم لأهداف غير علمية كما هو شأن عموم أعمال المستشرقين وتلاميذهم، على أنهم في كثير من الأحيان وجهوا العلوم التي استخدموها لاستنباط ما حرصوا على الوصول إليه، كما هو شأن أدعياء القراءة المعاصرة للقرآن الذين توسلوا مناهج مختلفة وأحياناً تجمع متناقضات منها، ليخرجوا بخليط من الأفكار غير المنسجمة والمتناقضة أحياناً ادعيت دراسة للقرآن الكريم[3]، هذه التجارب أدت إلى زيادة الوثاقة بالمنهج المعهود لدراسة القرآن ومرجعيته، والشك والحذر من أي مقاربة جديدة أو غير مألوفة في درس القرآن الكريم.

لكن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن هذا الغالب الشائع ينبغي ألا يخفي النادر المهم والمجهول والذي لم ينل حظه من العناية والتعريف به، بل تم التعتيم عليه أو التقليل من أهميته أو التشكيك في علميته كونه لم يلتق مع الرؤى الاستشراقية السائدة، أو أكد عكس ما هدفت إليه.

وتهدف هذا المقاربة إلى التعريف بنموذج للدراسات القرآنية الحديثة يمثل – فيما أرى- نقلة نوعية في الدرس القرآني المتوسل لعلم الدلالة منهجاً، وأقصد به أعمال الباحث الياباني الراحل توشيهيكو إيزوتسو، وسيكون تناول أعماله من زاوية محددة هي استثماره علم الدلالة الحديث في دراسة القرآن الكريم، وستتضمن الورقة المحاور التالية:

أولاً- علم الدلالة بين القديم والحديث

ثانياً- تعريف بالباحث ايزوتسو Toshihiko Izutsu:

ثالثاً- علم الدلالة ودراسة القرآن من منظور ايزوتسو:(مقاربة المنهج)

رابعاً- الخاتمة: (خلاصة وتقييم)

أولاً: علم الدلالة بين القديم والحديث

موضوع علم الدلالة هو دراسة المعنى، وقد بدأ البحث عنه منذ أن حصل للإنسان وعي لغوي، وقد وجد هذا مع علماء الهنود واليونان[4]، وقد اهتم اللغويون العرب وعلماء الأصول بدراسة المعنى ووضعوا قواعد وأصولاً لاستنباطه، ولم يكن ثمة فصل في هذا المجال بين البحث في طرق استنباط النص وبين البحث اللغوي، بل إن مباحث الدلالة عند اللغويين تأثرت بمباحث ومناهج الأصوليين في تقعيد فهم النص[5]، وتواتر استعمال مصطلح الدلالة في التعبير عن المعنى المستنبط من النصوص والألفاظ، وكان ذلك بالخصوص في كتب الأصوليين[6]، وقد خصت كتب الأصوليين قسماً خاصاً بمباحث الدلالات، إذ بدأ البحث في دلالة الألفاظ مبكراً عند العرب، وذلك منذ أن بدأ البحث في مشكل الآيات القرآنية وإعجازها وتفسير غريبها واستخراج الأحكام الشرعية منها، فكان علماء الفقه والأصوليون من أوائل من احتضنوا الدراسات التي تدور حول الألفاظ ومعانيها[7]، أما اهتمام اللغويين بدراسة الدلالة فكان مقتصراً على الناحية التاريخية الاشتقاقية للألفاظ، كأن تقارن الكلمة بنظائرها في الصورة والمعنى حتى يتسنى إرجاعها إلى أصل معين[8].

كل هذا الحضور للدلالة في العلوم العربية والشرعية لم ينته إلى ظهور علم مستقل باسم "علم الدلالة"، إذ ظهر هذا الإفراد في أواخر القرن التاسع عشر (1883م) مع اللغوي الفرنسي برييل Breal Michelليعبر عن فرع من علم اللغة العام هو "علم الدلالات" ليقابل "علم الصوتيات"، وقد تم تداول اصطلاح "علم الدلالة" بإجماع لا لبس فيه والتعبير الانكليزي عنه (Semantics)[9]، والأصل في هذه لكلمة أنها تعني الدراسة التاريخية لتغيرات معاني الكلمات[10]، وواضح من تاريخ هذا العلم أنه تطور ليوسع مجاله إلى علوم أخرى كعلم النفس وعلم الإنسان والفلسفة والمنطق والبلاغة وعلم الاجتماع، إذ أصبحت كلمة Semantics توظف كمصطلح عام لدراسة العلاقات بين الدوال والأشياء التي تدل عليها[11].

هذا التطور في علم الدلالة في سياقه الغربي استفاد من تراكمات معرفية سابقة، لكن الباحثين في هذا المجال يلاحظون أن الدراسات الدلالية أغفلت جهود الدلاليين العرب القدامى فلم تأت على ذكرهم في سلسلة تطور الاهتمام الدلالي القديم[12]، وقد أسهمت الدراسات اللغوية العربية الحديثة في إبراز جهود اللغويين والأصوليين في مجال الدلالة، ورغم هذه الجهود فإنهم لم ينكروا الإضافة العلمية في علم الدلالة الحديث وآفاق الاستفادة منه، بل أبرزوا التكامل الذي يضيفه إلى الدراسات العربية.

فقضية المعنى كموضوع لعلم الدلالة لم تعالج في المعاجم والقواميس، والتي قدمت معاني ألفاظ اللغة التي ترصدها دون أن تقدم نظرية حول طبيعة المعنى في اللغة، فما تقدمه المعاجم حكم وصفي لا يعالج سؤال (ما هو المعنى؟) الذي يهتم به علم الدلالة[13].

ومن ناحية أخرى فإن علم الدلالة اتجه إلى العوامل الخارجية ذات الأثر في الألفاظ من إنسانية واجتماعية، بل ونفسية وعاطفية، وما لهذه العوامل من أثر في انكماش بعض الألفاظ في دلالتها أو انحدار في سموها[14]. وبالتالي فنحن أمام علم حديث إن لم يصل إلى نظرية نهائية متسقة في دراسة المعنى فإنه رغم ذلك يشكل إضافة مهمة في دراسة المعنى[15].

هذا الجانب الحديث في علم الدلالة هو ما سنبحث إمكانية استخدامه في فهم القرآن، لكن الحديث إلى حد الآن ما يزال في العموم وفي سياق إثبات أن هناك ما هو جديد في علم الدلالة يختلف عن النظريات الدلالية عند اللغويين والأصوليين التي لا تقل أهمية وعمقاً وثراء واتساقاً، والتحديد الدقيق سيكون لاحقاً عند الحديث عن منهج إيزوتسو ومقدماته النظرية التي ضبط من خلالها ما سيستثمره من علم الدلالة في فهم القرآن.

ثانياً: تعريف بالباحث ايزوتسو Toshihiko Izutsu

من المهم البدء بالتعريف بالباحث إيزوتسو إذ هو مجهول في الأوساط العربية ولا يعرفه إلا القلة من المتخصصين، لذا سأعرف به كمقدمة للتعرف على منهجه.

ولد الباحث الياباني[16] Toshihiko Izutsu في طوكيو في اليابان، عام/1914، وكَانَ باحثاً ولغوياً وأستاذاً جامعياً، درَّس في معهدِ الدِراساتِ الثقافيةِ واللغويةِ من جامعةِ كيو Keio في طوكيو(1954-1968)، وفي المعهد الملكي لدراسة الفلسفةِ في طهران، وفي معهد الدراسات الإسلامية من جامعة مكجل McGill في مونتريال بكندا، وكان أستاذاً فخرياً وعضواًَ في الأكاديمية اليابانية.

ألف عدداً مِنْ الكُتُبِ عن الإسلامِ والأديانِ الأخرى، وعن اللغة والتصوف، وكان موهوباً جداً في تَعلّّم اللغاتِ الأجنبيةِ، وكان على معرفة دقيقة بالعربية، والفرنسية والألمانية، فضلاً عن الإنكليزية، وهو من أوائل من ترجم القرآن الكريم إلى اللغة اليابانية، وترجمته معروفة بدقتِها اللغويةِ وما زالَتْ مشهورة وكثيرة الاستعمال في الأعمال العلمية.

توفي في:1يوليو/تموز 1993، ونقل تلامذته إسلامه وأنه سمى نفسه (مختار)[17].

ألف بالإنكليزية:

1. المفهومات الأخلاقية - الدينية في القرآن (Ethico-Religious Concepts in the Quran ) طبع منقحاً عام 1966 وأعيد نشره عام 2002، وترجمه إلى العربية الأستاذ الدكتور عيسى علي العاكوب، وصدرت الترجمة عن دار الملتقى بحلب 2008.

2. بين الله والإنسان في القرآن:دراسة دلالية لنظرة القرآن إلى العالم،

GOD AND MAN IN THE KORAN: Semantics of the koranic weltanschauung

وقد صدر للمرة الأولى بالإنكليزية عام 1964 عن معهد جامعة كيو للدراسات الثقافية واللغوية بطوكيو. وبعد تسع سنوات على وفاته عام 1993، صدرت طبعته الثانية بالإنكليزية أيضاً في ماليزيا عام 2002، وترجمه إلى العربية الأستاذ الدكتور عيسى علي العاكوب، وصدرت الترجمة عن دار الملتقى بحلب 2007، وقد صدرت ترجمة أخرى للكتاب بعنوان: "الله والإنسان في القرآن، علم دلالة الرؤية القرآنية للعالم"، أعدها الدكتور هلال محمد الجهاد، وذلك عن المنظمة العربية للترجمة عام 2007.[18].

3. مفهوم الإيمان في علم الكلام الإسلامي Concept of Belief in Islamic Theology صدر عام 1980، وهو قيد الترجمة من قبل الدكتور العاكوب.

4. دراسة مقارنة للمفهومات الفلسفية الرئيسة في التصوف والطاويه (1984)

Sufism and Taoism: A Comparative Study of Key Philosophical Concepts

5. اللغة والسحر Language and Magic (1956)

وله باليابانية المؤلفات التالية:

1. تاريخ الفكر الإسلامي

2. الفلسفة الصوفية

3. الثقافة الإسلامية

4. الوعي والذات

5. الكون وأضداد الكون

ومما تجدر الإشارة إليه في سياق التعريف بإيزوتسو أن أعماله لا تصنف في سياق الدراسات الاستشراقية للقرآن والإسلام، وذلك للأسباب التالية:

أولاً- طبيعة منطلق هذه الدراسات في السياق الياباني، فكما يؤكد الكاتب اللبناني الدكتور مسعود ضاهر فإن "الدراسات اليابانية عن الإسلام والعالم العربي أرادها واضعوها رداً موضوعياً على "الدراسات الاستشراقية" الغربية، بجناحيها الأوروبي والأميركي. ويرفض المستعربون اليابانيون بشدة تصنيفهم كمستشرقين، ويفضلون مصطلح الدراسات العربية في اليابانية بعد أن حمل مصطلح "الاستشراق" وزر المواقف السلبية التي عرّضت أصحابها للنقد الصارم حتى من جانب الباحثين المنصفين أو الموضوعيين في الغرب نفسه"[19].

ثانياً- ما صرح به إيزوتسو نفسه حول قصده من عمله بقوله:"وكان حاديّ في هذا الصّنيع الأملَ في أن أظلّ قادراً على الإسهام بشيء جديد في سبيل فَهْم أفضل لرسالة القرآن لدى أهل عصره الأوّل ولدينا نحن كذلك"[20]، وفي دراسته للمفهومات الأخلاقية يؤكد تحريه منهجاً علمياً يعتمد التجريب والاستقراء، لتحليل البنية الأساسية للحقل الدلالي للتعابير الأخلاقية، ويؤكد أهمية العلمية بحيث تتفادى قدر المستطاع التأثر بالأحكام القبلية لأي موقف نظري للفلسفة الأخلاقية[21].

ثالثاً- ما يؤكد بعد فكر إيزوتسو وتضاده مع الاستشراق ما تميزت به أعماله من الموضوعية والحياد العلمي والإنصاف إن لم يكن الانحياز والاحترام للقرآن والإسلام، وقد تجلى ذلك فيما قام به من جهد ودراسات عن الإسلام والقرآن، فأثبت من خلالها أنه على قدر كبير من التثبت وتقليب وجهات النظر وسعة الاطلاع مما هيأ له قدرة ملحوظة على التمحيص والاختيار والبناء على أسس لها قدر كبير من القيمة[22]، بل يمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك، واعتبار أعماله الوجه النقيض للدراسات الاستشراقية المتعلقة بالقرآن، فأثبت في غير موضع احترامه وإجلاله للقرآن وإعجابه بلغته وإحكام آياته، وأثبت قدراً فائقاً من العلمية والتواضع عندما يبدي رأياً في فهم آية على نحو يخالف ما يتجه إليه المفسرون[23] .

هذا ويتميز كتاباه بلغتهما السهلة وأسلوبهما المبسط الذي يبتعد عن التعقيد[24]، بشكل عام، لكن غير المختص قد يجد صعوبة في المقدمات المنهجية لجدتها عليه، مع حرص واضح فيها على الضبط المنهجي المفصل للقارئ. هذا ومما يحسب له في الدقة والعلمية اعتماده المباشر على اللغة العربية وإتقانه الدقيق لتفاصيلها، بل رفضه دراسة المفاهيم القرآنية من خلال لغة أخرى، إذ يؤكد هذا المبدأ بشكل عام بقوله: "وهناك في كل لغة عدد من الكلمات التي تكون عصية على الترجمة على نحو باد للعيان"[25].

كما يسجل احترامه للغة العربية وتقديره لها ولمصادر التراث الإسلامي، فيصف العربية الفصحى بأنها واحدة من اللغات المعروفة جيداً في العالم، ومزودة بأدق تفاصيل النحو والمعجم اللغوي، وفيها معجمات ممتازة، وقد أنجز كثير من الدرس المتصل بفقه اللغة، وفي حقل التفسير القرآني خاصة توجد كثير من التفاسير المعتمدة، ويؤكد اعتماده هذه المصادر كمساعدات قيمة في درسه الدلالي[26].

وهو كباحث لغوي لم ير خصوصية وتميزاً للغة العربية، إذ اعتبر مجيء القرآن بها يرجع إلى كونه أنزل على العرب، وأنها واحدة فقط من لغات كثيرة، وقد انتقده على ذلك الأستاذ الدكتور عيسى العاكوب، مؤكداً "أنّ العربيّة قادرةٌ على الإبانة عن مراد الله سبحانه أكثر من غيرها من اللغات بما توافر لها من وفرة في المفردات المعبرّة عن الشيء الواحد في أوضاعه وأشكاله وخاصّياته المختلفة، وبما انطوت عليه من صِيَغ حرفيّة معبّرة، وبمّا تدلّ عليه أوضاعُها التركيبيّة من دلالات، وبما يوفّره جرْسُ ألفاظها من تماثلات صوتيّة تساعد في إبهاج السّامع وإيقاظ ملكاته الإدراكية لتحصيل أكبر قدر من الطاّقة الدّلاليّة. وما لا ينبغي إغفالُه البتّة في السّياق الذي نحن فيه أنّ مادّة ع ر ب فيما يبدو تفيد البيانَ والوضوح"[27].

ثالثاً: علم الدلالة ودراسة القرآن من منظور ايزوتسو:(مقاربة المنهج)

يفتتح إيزوتسو كتابه "الله والإنسان في القرآن" بفصل خاص بعنوان (الدرس الدلالي والقرآن) يحدد من خلاله معالم دراسته فيذكر أن دلالات الألفاظ وتطوّرها، أو ما يسمّى عِلْم الدّلالة Semantics تمثِّل الجانبَ المنهجيّ لعمله، بينما يمثِّلُ القرآنُ جانبَه المادّي[28]، ويحدد الشريحة التي يتوجه إليها الكتاب بأنهم القرّاء الذين كان لديهم من قبْلُ معرفة عامّةً جيّدةً بالإسلام وهم، تبعاً لذلك، مستّعدون لأن يكونوا منذ البدء مهتمّين بقوّة بالمسائل المفهوميّة التي أثارها هذا الضَّرْبُ من الدَّرْس فيما يتصل بالقرآن نفسه.

ولا يتغاضى إيزوتسو عن حقيقة أنّ ما يسمّى عِلْم الدّلالة Semantics معقَّدٌ على نحو مُذْهِل للغاية. ومن الصّعب جدّاً، هذا إن لم يكن مستحيلاً، على شخصٍ غير متخصّص أن يظفر حتّى بفكرةٍ عامّةٍ عن ماهيّة هذا العِلّم، فـ "عِلْم الدّلالة"، كما يرى إيزوتسو، من حيث هو دراسةٌ للمعنى، لا يمكن أن يكون إلاّ نمطاً جديداً من الفلسفة مبنيّاً على تصوّر جديد تماماً للكون والوجود وشاملاً لأفرع كثيرة مختلفة ومتنوّعة جدّاً من أفرع العِلْم التقليديّ، التي ما تزال حتّى الآن في أيّة حال بعيدةً عن أن تكون قد أنجزت المثَلَ الأعلى لتكاملٍ تامّ. كما يلحظ أنه علم يفتقر إلى التناغم والانسجام، وأن ما نمتلكه في أيدينا عددٌ من النظريات المختلفة للمعنى[29].

تأسيساً على هذه الملاحظات يسجل إيزوتسو تصوره الخاص لعلم الدلالة الذي سيعتمده في دراسته فيقول:"عِلْم الدّلالة كما فهمتهُ هو دراسةٌ تحليلية للتعابير المفتاحية Key- terms في لغةٍ من اللغات ابتغاءَ الوصولِ أخيراً إلى إدراكٍ مفهوميٍّ للنّظرة إلى العالم Weltanschauung لدى النّاس الذين يستخدمون تلك اللّغة أداةً ليس فقط للتحدّث والتفكُّر، بل أيضاً، وهذا أكثرُ أهمّيةً، لتقديم مفهوماتٍ وتفاسير للعالَم الذي يحيط بهم."[30]

فهدف الدراسة الدلالية للقرآن البحث عن رؤية القرآن لكيفية بناء عالَم الوجود، وما المكوِّناتُ الرّئيسةُ للعالم، وكيف يُرْبَط بعضُها ببعض، فيكون عِلْمُ دلالات الألفاظ وتطوّرها، في هذا المعنى، نوعاً من عِلْم الوجود ontology- علم وجود محّدد وحيّ ومتحرّك[31].

ولانجاز عمله يوضح المرتكزات الأساسية التي ستضبط تحليله الدلالي، وذلك من خلال مداخل أساسية، أو مصطلحات اعتمدها أو ابتكرها ليوضح فكرته، وهي:

1-شبكة المفهومات في القرآن:

إن جوهر عمل إيزوتسو كما حدده هو دراسةٌ تحليلية للتعابير المفتاحية في القرآن والتي تعبر عن المنظور القرآني للعالم، لكن ذلك ليس مجرد اختيار مفهومات من المعجم اللغوي للقرآن، بل هي – كما يقول - مهمة صعبة، ذلك لأنّ هذه الكلمات أو المفهومات – كما يصفها إيزوتسو- ليست موجودةً هكذا في القرآن مستقلاً كلٌّ منها عن الأخريات، بل إنّ كلاًّ منها تعتمد على صاحبتها اعتماداً قويّاً، وتستمدّ معانيها المحدّدة على نحو دقيق من جملة نظام العلاقات. وبكلماتٍ أُخَر، تؤلِّف فيما بينها مجموعاتٍ متنوّعة، كبيرة وصغيرةٍ، مرتبطاً كلٌّ منها بالأخرى أيضاً بطرائق مختلفة، وهكذا تؤلّف في النهاية كُلاً منظّماً شبكةً غايةً في التعقيد والتركيب من الترابطات المفهوميّة[32]. فإيزوتسو يبحث عن النظام المفهومي الذي يعمل في القرآن، لا المفهومات الفردية منظوراً إليها بعيداً عن البناء العام، أو ما يسميه "البنية المتكاملة" التي اندمج فيها المفهوم.

2-التحول الدلالي من خلال السياق القرآني:

يسجل إيزوتسو ملاحظة يعتبرها جوهرية في عمله وهي ملاحظة التحول الدلالي للمفردة اللغوية التي كانت متداولة قبل الإسلام عبر إدخالها في سياق قرآني جديد ودمجها ضمن نظام مفهومي مختلف، فألفاظ القرآن كانت متداولة، بل إنه - كما يرى - ليس من التعابير المفتاحية التي تؤدّي وظيفةً حاسمة في صياغة نظرة القرآن إلى العالَم بما فيها اسْمُ "الله" نفسُه، ما كان بأيّ معنى من المعاني تعبيراً جديداً مبتكَراً. فقد كانت كلُّها تقريباً مستخدمةً بصورةٍ أو بأخرى في الأزمنة التي سبقت الإسلام. وعندما بدأ الوَحْيُ الإسلاميّ باستخدام هذه الكلمات، كان النظامُ كلُّه، أي السّياقُ العامُّ الذي استُخدِمت فيه، هو الذي صدَم مشركي مكّة بوصفه شيئاً غريباً تماماً وغيرَ مألوف، ولذلك، غيرَ مقبول، وليس الكلماتِ الفرديّة والمفهومات نفسَها.

فـ "الكلماتُ نفسُها كانت متدوالةً في القرن السّابع (الميلادي)، إن لم يكن ضمن الحدود الضّيّقة لمجتمع مكّة التجاريّ، فعلى الأقلّ في واحدةٍ من الدّوائر الدينيّة في جزيرة العرب، ما جدّ هو فقط أنّه دخلت أنظمةٌ مفهومية مختلفة. والإسلامُ جَمَعها، دَمَجَها جميعاً في شبكةٍ مفهوميّة جديدة تماماً ومجهولة حتّى الآن."[33]

ويذكر نموذجاً لذلك التحول كلمةَ "تقوى"، فالمعنى الصّميمي الأساسيّ لكلمة "تقوى" في الجاهلية "دفاعَ كائن حيّ، حيوان أو إنسان، عن نفسه في مواجهة قوّة مدمِّرة آتية من الخارج". وتدخلُ هذه الكلمةُ في نظام المفهومات الإسلاميّ حاملةً معها هذا المعنى الأساسيّ نفّسه. ولكن ههنا، وتحت التأثير السّاحق لجُمْلة النظام، وخاصّة بفضل كونها الآن موضوعةً في حَقْلٍ دلالّي محدَّدٍ مؤلَّفٍ من مجموعةٍ من المفهومات عليها أن ترتبط بـ "الإيمان" أو الاعتقاد المميَّز للتوحيد الإسلاميّ، اكتسبت معنَّى دينيَّاً في غاية الأهمّية: بعد أن تجتاز التقوى المرحلة المتوسّطة لـ "الخوف من العقاب الإلهيّ في يوم الحساب"، يُقصَد بها في النهاية "الورَع" الشّخصي، الصّافي والبسيط[34].

هذا ويعول إيزوتسو في الكشف عن التحول الدلالي على الشعر الجاهلي"لأنّ المعجم اللغويّ للشّعر الجاهليّ سابقٌ زمانيّاً القرآن، فتكونُ المقارنةُ بينهما يقيناً مثمرةً. ويمكن أن أنّ تلقي ضوءاً كاشفاً على المعنى " الوضْعيّ " لبعض التعابير المفتاحيّة الموجودة في القرآن. بل تسمح بأن نرى على نحو دقيق كيف ظهرت فِكَرٌ وكيف عُدّلت فِكَرٌ قديمة في جزيرة العرب في المرحلة الحاسمة الممتدّة من أواخر العصر الجاهليّ إلى أوائل العصر الإسلاميّ، وكيف أثّر التاريخ تأثيرهَ وصاغ فِكْرَ النّاس وحياتهم"[35]. ويبدو إيزوتسو مقتدراً جداً على فهم الشعر الجاهلي ومعرفة تفاصيل الحياة العربية قبل الإسلام من خلاله، وهذا يؤكد درجة تمكنه من العربية[36].

ووفي دراسته للمفهومات الأخلاقية يعدد إيزوتسو أنماطاً للتحول الدلالي في المفهومات الأخلاقية التي كانت في الجاهلية كالكرم والشجاعة والصبر...، فقد أخضعها القرآن لتحول دلالي خاص، فمنها ما وسع ومنها ما ضيق ومنها ما طور في اتجاهات جديدة تماماً[37].

3-المعنى الوضعي والمعنى السياقي:

من المفهومات المنهجيّة في علم الدّلالة ما أسماه معنىً "وَضْعيّاً basic" ومعنىً "سياقياً relational"، فكلّ كلمةٍ مفردةٍ حين تؤخذ معزولةً يكون لها معناها الوضعيُّ الخاصّ أو محتواها المفهوميّ الذي تُبنى عليه حتّى إذا أخرجنا الكلمة من سياقها القرآنيّ. فكلمة "كتاب" مثلاً تعني أساساً الشيءَ نفسَه سواءٌ أوُجِدت في القرآن أم خارجه. فالعنصرُ الدّلالي الثابت الذي يظلّ ملازماً للكلمة حيثما يمّمت وكيفما استُخدمت، يسمّيه المعنى "الوَضْعيّ"، أمّا في السّياق القرآني فإنّ كلمة "كتاب" تتّخذ أهمّيةً غير عادية بوصفها العلامةَ لمفهوم دينيًّ خاصّ جداً محاطٍ بهالة من التّقديس. وينشأ هذا عن أنّه في هذا السّياق ترتبط الكلمةُ ارتباطاً قوياً بمفهوم الوَحْي الإلهيّ، أو على الأصحّ بمفهومات مختلفة ذات صلة مباشرة بالوَحْي. فكلمة "كتاب" البسيطة بمعناها الوضعيّ الواضح "كتاب"، بمجرّد أن تدخل في نظامٍ خاصّ وتُعطى مكاناً محدَّداً معيَّناً فيه تكتسب عدداً وافراً من العناصر الدّلاليّة الجديدة المنبثقة من هذا الوضع الخاصّ، وكذلك من العلاقات المختلفة بالمفهومات الرّئيسة الأخّر في ذلك النّظام التي تُعدّ هذه الكلمة لتضمُّنها. وينتهي إلى أن الكلمة في السياق القرآني المثقل بالدلالة ينبغي أن تفهم بلغة هذه التعابير المترابطة، وهذا ما يقصده بالمعنى السياقي[38]. ويعتبر إيزوتسو في كتابه المفهومات الأخلاقية منهج التحليل الذي يعتمده نوعاً من التفسير السياقي، الذي يجمع ويقارن ويربط بين كل التعابير التي تتشابه وتتضاد وتتطابق فيما بينها[39].

ويسجل إيزوتسو في إطار حديثه عن السياق احتواء القرآن على منظومة مفهومية كبيرة مؤلفة من عدد من منظومات مفهومية متداخلة أصغر تسمى في علم الدلالة "حقول الدلالة"، كحقل الكلمات المتصلة بالنشور والحساب، والذي يسهم في اكتشاف النظرة إلى العالم في القرآن، ويسميه "حقل الأخرويات"[40].

"وكثيراً ما يحدث أنّ القوّة المعدِّلة لجُملة المنظومة تفعلُ فِعْلَها في الكلمة إلى حدّ أنها تفقد تقريباً معناها المفهوميّ الأصليّ. وعندما يحدث هذا يكون لدينا كلمةٌ مختلفة، وبتعبير آخر، نشهد ولادةَ كلمة جديدة."[41]

4- " التعابيرَ المفتاحيّة" : المعجم اللغوي والنظرة إلى العالم:

يؤكد إيزوتسو أن التحليل الدّلاليّ ليس تحليلاً بسيطاً للبنية الشكليّة للكلمة وليس دراسةً للمعنى الأصليّ المرتبط بصورة الكلمة، أي دراسةً تُعنى بأصل الكلمات وتاريخها. ذلك لأنّ دراسة أصل الكلمات، -كما يرى- حتىّ حين نكون محظوظين تماماً بمعرفتها، تزوّدنا فقط بمفتاح فيما يتّصل بالمعنى "الوضعي" للكلمة، ويذكّر بأن "دراسة أصل الكلمات" في أحوالٍ كثيرة تظلُّ عملاً معتمداً على التخمين، وفي معظم الأحيان لُغْزاً لا حلّ له[42]، لذلك فهو يعول على المعنى السياقي لأن الكلمات في الّلغة تؤلَّف نظاماً شديد التّماسك. والنّمط الرّئيسُ لذلك النظام يحدّده عددٌ معيّنٌ من الكلمات الشديدة الأهمّية.

ويلاحظ أن الكلماتُ في المعجم اللغويّ ليست على قدْرٍ واحدٍ من القيمة في تشكيل البنية الأساسيّة للتصوّر الوجوديُّ الذي يشكّل أساس المعجم، أيّاً كانت أهمّيتُها من وجهات نظر أخرى[43]، فكل معجم لغوي يمثل ويجسد نظرة خاصة إلى العالم[44]. ويسمي تلك الكلماتُ التي تلعبُ دوراً حاسماً ً في تشييد البنْية المفهوميّة الأساسيّة لنظرة القرآن إلى العالم، " التعابيرَ المفتاحيّة" للقرآن. وتمثَّل كلماتُ: الله، الإسلام، الإيمان، الكافر، النّبيّ، الرّسول، بعضَ الأمثلة البارزة.

ويذكر أن ثمة صعوبة في عَمَلِ الدّارس الدّلاليّ في اختيار بعض التعابير المفتاحيّة لحُمْلة المعجم اللغويّ في القرآن دون غيرها، ولهذه الخطوة أهمية كبرى لأنّها ستحدّد جُملةَ العمل التحليليّ اللاّحق الذي سيقوم به، ويقر بوجود قدر من الاعتباطية في هذه المرحلة لكن ذلك ليس بمشكلةً حقيقيّة، لأنّه فيما يتعلّق، على الأقلّ، بالهيكل الرّئيس للتعابير المفتاحيّة ربّما لا يوجد هناك تعارضٌ جوهريٌ، ولا أحد سيشكّّ في اختيار كلماتٍ مثل إسلام، إيمان، كُفْر، نبيّ، الخ، ناهيك عن كلمة "الله" نفسها[45].

5-الحقول الدلالية:

يقصد بالحقل الدلالي "مجموعة من الصلات الدلالية ذات طابع نمطي بين كلمات محددة في لغة من اللغات"[46]، فـ"حقول الدّلالة" هي المناطقُ أو المقاطعُ التي شكّلتها العلاقاتُ المختلفة للكلمات فيما بينها، ويمثل كل حقلٍ دلاليّ مجالاً مفهوميّاً مستقِلاًّ نسبياً مشابهاً تماماً في الطبيعة للمعجم اللغويّ. والاختلافُ بين "المعجم" و"الحقل الدّلاليّ" اختلافٌ نسبيٌّ، ومن الناحية الجوهريّة، لا يمكن أن يكون هناك اختلافٌ البتّة فيما بينها. لأنّه في الأحوال كلّها، ليس "الحقْلُ الدّلاليُّ " كُلاًّ أقلَّ تنظيماً من "المعجم اللغويّ ". لأنهّ كتلةٌ كاملة من كلماتٍ مرتّبةٍ في نمط دالً ممثّلٍ لمنظومة مفهوماتٍ مرتَّبةٍ ومبنيّةٍ وفقاً لمبدأ تنظيم المفهوميّ[47].

فالمعجم اللغويّ بوصفه حقلاً مفهوميّاً واسعاً مقسّمٌ على حقول محدّدة مختلفة. ولكن كلاًّ من الحقول المحدّدة، من حيث هو قطاعٌ منظّمٌ من المعجم اللغويّ، هو نفسهُ مؤهَّلٌ تماماً لأن يسمى "معجماً لغويّاً" إذا ما كان كبيراً إلى الحدّ الذي يُعَدّ فيه وحْدةً مستقلّة. ومن الوجهة النظريّة سيكون ممكناً والحالُ كذلك اعتبارُ المعجم اللغويّ القرآنيّ نفسه "حقلاً محّدداً " ضمن كلًّ أكبر كثيراً، هو المعجم اللغويّ للسان العرب في ذلك العصر. ويشترك شعراء الجاهليّة – وجزئيّاً أيضاً الشعراءُ المخضرمون – مع القرآن في مقدارٍ مهمّ من التعابير المفتاحيّة، لكنّ معجمهم اللغويّ ونظرتهم إلى العالَم مبنيّان على خطوط مختلفة جوهريًاً عن تلك التي للقرآن[48]. ويشير إيزوتسو لاحقاً إلى استخدامه مصطلحي "منظومة مفهوميّة Conceptual System" و"معجم لغويّ Vocabulary" من دون تمييز بينهما، كونهما مظهرين مختلفين لشيءٍ واحدٍ، يعني أنّ اللغويّ. هو ببساطة الجانبُ الآخر للمفهوميّ[49].

6-الكلمة الصميمة:

يقصد بـ"الكلمة الصميميّة focus – word" تعبيراً مفتاحيّاً مهمّاً جدّاً يشير ويحدّد مجالاً مفهوميّاً مستقِلاً ومتميّزاً نسبيّاً، أي "حقلاً دلاليّاً"، ضمن الكلّ الواسع للمعجم اللغويّ. فالكلمةُ الصميمية إذاً هي المركزُ المفهوميُّ لقطاع دلاليّ مهمًّ من المعجم اللغوي متضمّناً عدداً محدّداً من الكلمات المفتاحيّة.

ومفهوم " الكلمة الصميميّة " مفهوم مرن، وإذا ما هُيّئت كلمةٌ لأنّ تعمل "كلمةً صميميّة" في حقل دلاليّ محدّد، فإنّ ذلك لا يمنع الكلمةَ نفسَها من أن تتصرّف بوضعها كلمةً مفتاحيّة عاديّة في حقل آخر أو حقول أخرى. ويضرب مثلاً لذلك بكلمة "إيمان" ومشتقاتها إذ تلعب في القرآن دوراً في غاية الأهميّة. ولن يعترض أحدّ على عدها كلمةً صميميّةً تحكم حقلاً خاصّاً بها. وبالتالي يمكن أن نرى عدداً معيّناً من الكلمات الأُخَر المهمّة، أي الكلمات المفتاحيّة، تتجمّع حولها بوضعها النّواة المفهوميّة the conceptual nucleus أو نقطة البؤرة، مشكلةً معاً مجالاً مفهوميّاً دالاً ضمن المعجم اللغويّ الشامل للقرآن[50]. ويسجل في هذا السياق أهم فكرة في كتابه "الله والإنسان في القرآن" بقوله:"ولنقل الحقيقة، إنّ كلمة "الله" هي أسمى كلمة صميميّة في المعجم اللغويّ للقرآن، مهيمنةً على الميدان كلّه. وما هذا سوى المظهر الدّلاليّ لما نعنيه عموماً بالقول إنّ عالَم القرآن مرتكزٌ أساساً على الله"[51].

هذه هي أهم المداخل المنهجية التي أوضحها إيزوتسو في الفصول الأولى من كتابيه، وهي بالتأكيد ليست مبادئ جديدة بمفردها، إذ إنه قد استعمل بعضها في العلوم اللغوية وأصول الفقه، فمبدأ التحول الدلالي قد طبقه الأصوليون عند الحديث عن الحقيقة اللغوية والحقيقة الشرعية، كما بحث اللغويون تحول دلالات الألفاظ في اللغة مقارنة بالشعر الجاهلي[52]، وإن كانت دراسات قليلة وجزئية ولم تتطور إلى معجم تاريخي للغة العربية، إذ من الصعوبات التي لا تخفى عند المعنيين بالقضايا اللغوية غياب معجم تاريخي للألفاظ العربية، وعدم مراعاة التطور الدلالي في المعاجم المتوفرة[53].

وكذلك الشأن بالنسبة لأهمية السياق النصي فقد اعتنى به المفسرون في إطار ما عرف بتفسير القرآن بالقرآن، لكن هذا الاهتمام بهذه الجوانب ظل في إطار فهم النص والمعنى، لا في إطار تحليل المفهومات القرآنية ضمن نسق محدد.

رابعاً: الخاتمة:(خلاصة وتقييم)

إذا أردنا أن نلخص منهج إيزوتسو في تطبيق علم الدلالة في فهم القرآن، يمكن أن نسجل النقاط التالية:

• تطبيق عِلْم الدّلالة في دراسة القرآن عند إيزوتسو هو دراسةٌ تحليلية للتعابير المفتاحية في لغةٍ القرآن ابتغاءَ الوصولِ إلى إدراكٍ مفهوميٍّ للنّظرة القرآنية إلى العالم. فهو بعبارة أخرى محاولة للكشف عن تصور الإنسان والكون والحياة كما يتجلى في القرآن.

• يؤكد إيزوتسو أن الكلمات القرآنية منثورة بشكل منظم وفائق الضبط، وثمة علاقات فيما بينها ولا يمكن فهم كلمة دون الربط بينها وبين شبكة المنظومات المفهومية التي تنتمي إليها.

• يستحضر إيزوتسو حقيقة أن لكل كلمة معنى وضعياً أساسياً لا يتغير بتغير الاستعمال، ومعنى سياقياً يضفي على الكلمة معان جديدة قد تقطع مع معناها الأصلي وتصبح كلمة جديدة كلياً في معناها، وهذا شأن المفردات القرآنية.

• يرى إيزوتسو أن الكشف عن الرؤية القرآنية للعالم يعتمد على دراسة ما يسميه التعابير المفتاحية في القرآن وهي الكلمات الرئيسة التي تمثل مركزاً في فهم موضوع معين أو حقل دلالي تنتمي إليه مجموعة أخرى من الكلمات. فثمة حقل دلالي (منظومة من المفهومات تدور حول موضوع مترابط، مثلاً حقل الأخرويات) وتعابير مفتاحية (كلمات أساسية تعتبر مفتاحاً لفهم المعاني في هذا الحقل الدلالي، مثلاً البعث والحساب والجزاء..).

• وثمة ما يسميه الكلمة الصميمة، وهي المركزُ المفهوميُّ لقطاع دلاليّ مهمًّ من المعجم اللغوي متضمّناً عدداً محدّداً من الكلمات المفتاحيّة، ويعتبر لفظ الجلالة هي الكلمة الصميمة للمعجم اللغوي القرآني، فكل شيء في القرآن مرتبط بها.

إدراك هذه المعطيات يجعل تصور عمل إيزوتسو واضحاً، وسيجد القارئ للكتاب نفسه بعد معرفته هذه الأمور أنه يسير بسلاسة في فهم المعنى الذي يبحث عنه إيزوتسو وهو نظرة القرآن إلى العالم، وسيجد من خلال الكتابين تطبيقات دقيقة وعميقة لما سبق من وضوح منهجي.

ولا يسع المتأمل والناقد لهذه المقدمات ولما تم من تطبيقات إلا أن يعتبرها معطيات تقدم إضافة علمية ومنهجية في درس القرآن وتدبره، واكتشاف إحكامه وتفصيل آياته، فالمقدمات المذكورة هي مقدمات لها سوابق في علوم اللغة والأصول لكنها لم تطبق مترابطة مع بعضها[54]، وكان الهدف منها درس المعنى الجزئي لا درس البنية المتكاملة للموضوع في كامل القرآن، فالبحث الأصولي والفقهي في المصطلحات الشرعية، والفرق بين الحقيقة اللغوية والحقيقة الشرعية إنما اتجه إلى نماذج محدودة من المفردات، وهي مفردات ظاهرة التباين والاختلاف بين المعنى اللغوي والمعنى في السياق القرآني، والهدف منها البحث في الأحكام الشرعية المستنبطة من القرآن، أما إعمال علم الدلالة في منهج إيزوتسو فهو أشمل من المفهومات الشرعية المألوفة، ويهدف أساساً إلى إدراك طبيعة التحول في المفهوم وكيف تم توظيفه في التحول الفكري الذي جاء به القرآن، ومن ثم اصاغ من خلاله منظراً جديداً للعالم.

فإدراك هذه المنهجية القرآنية في توظيف المفهومات وتحويلها ضمن السياق القرآني يسهم بقدر كبير في اكتشاف منهج القرآن في التغيير والدعوة، ومنهجية التغيير الاجتماعي والثقافي وصولاً إلى غرس المفهوم الإسلامي في المجتمع، باستثمار مجموعة المفهومات التي يستخدمها الأفراد بمعان مشترك جزئياً أو مباينة كلياً للمعنى الجديد، لكن في توظيفها توطين للفكرة الجديدة في عقول المدعوين.

فهذا اللون الجديد في الدرس القرآني يمكن اعتباره تطويراً عميقاً في أكثر من مجال في العلوم الإسلامية، فهو يسهم في تطوير مناهج التفسير الموضوعي، كما يمكن اعتباره لوناً من الدرس البلاغي للقرآن، وفي إطاره الأسمى هو درس للفلسفة الإسلامية التي يقدمها القرآن للعالم، ومنهجية التغيير التي احتواها القرآن وتجسدت في عصر نزوله.

من جهة أخرى فإن هذه المنهجية يمكن توظيفها في نقد مفهومات العلوم الإسلامية في ضوء صلتها بالمفهوم القرآني، لاسيما المفهومات المشكلة كالتي تنتمي إلى حقل علم الكلام، وقد أشار إيزوتسو إلى ذلك، وربما طبقه في دراسة خاصة عن الإيمان في علم الكلام، إذ يفتح إيزوتسو نافذة في هذا المنهج لدراسة المفهومات الأساسية في حقول دلالية خاصة بعد النص القرآني كحقل التصوف وعلم الكلام والفلسفة، وغيرها، ومقارنة صلة المفهومات في هذه الحقول بالمفهوم القرآني، وهذه الزاوية تسهم في تقديم نظرة نقدية لمختلف الأنساق في العلوم الإسلامية تسهم في التقريب بينها أو ترجيح ما اختلفت فيه من خلال دقة صلتها بالمفهوم القرآني، ذلك أن هذه الدراسة للمعنى من خلال القرآن نفسه، تسهم إلى حد كبير في الحياد العلمي في دراسة القرآن، إذ طبيعة هذه المنهجية تستبعد ابتداء الأسبقية لدى القارئ وتجعله يستسلم لما يقوده إليه النظام المفهومي والعلاقات بين الكلمات القرآنية في حقلها الدلالي.

لكن هذا الفأل بإمكان الاستفادة من هذه المقدمات المنهجية لا يعني التسليم بتطبيقاتها إذ قد تختلف من باحث لآخر، فهي خاضعة للتجريب والنقد، بالقدر الذي هي واعدة بإضافة علمية، وكذلك الأمر بالنسبة لتطبيقات إيزوتسو نفسها فهي تحتاج إلى دراسات أخرى تسبر دقتها، إذ هي من العمق والدقة ما يحتاج إلى التتبع والتحليل بما لا يتسع له مقام هذه الورقة حتى بمستوى العرض، والأمل أن تفتح هذه المقاربة نافذة جديدة للدرس القرآني من خلال هذا النموذج الذي عرضته، فأعمال إيزوتسو – فيما أحسب-، يمكن أن تقدم إطاراً منهجياً قابلاً للتطوير والتطبيق في الدراسات القرآنية، ويمكن لهذا الإطار أن يقدم إضافة نوعية في تدبر المعنى القرآني، واكتشاف إحكامه وتفصيله، لاسيما من زاوية دراسة المفهومات القرآنية.

 

(*) بحث مشارك في المؤتمر العلمي الدولي:"التعامل مع النصوص الشرعية (القرآن والحديث) عند المعاصرين" الذي تنظمه كلية الشريعة بالجامعة الأردنية، وذلك خلال الفترة من 6-8 ذو القعدة 1429هـ -الموافق 4 – 6/11/2008م

الهوامش:

[1] ابن عطية الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق:عبد السلام عبد الشافي محمد، ط:1- دار الكتب العلمية - لبنان - 1413هـ 1993م، ج1 ص35

[2] ينظر في هذا المجال أعمال المرحوم الدكتور عبد العزيز حمودة في سلسلة عالم المعرفة، المرايا المحدبة: من البنيوية إلى التفكيك، ط:1 عدد:232– أبريل 1998، والمرايا المقعرة:نحو نظرية نقدية عربية، ط:1 عدد:272 –أغسطس 2001، الخروج من التيه:دراسة في سلطة النص، ط:1 عدد:298– نوفمبر 2003.

[3] انظر:عبد الرحمن حللي، استخدام المناهج الحديثة في دراسة الإسلام / قراءة في كتاب الإسلام بين الرسالة والتاريخ لعبد المجيد الشرفي، مجلة إسلامية المعرفة، العدد: 27 /2002.

[4] انظر:منقور عبد الجليل، علم الدلالة:أصوله ومباحثه في التراث العربي، ط:اتحاد الكتاب العرب- دمشق 2001، ص15

[5] انظر:منقور عبد الجليل، علم الدلالة:أصوله ومباحثه في التراث العربي، م.س، ص 16

[6] انظر: فايز الداية، علم الدلالة العربي:النظرية والتطبيق، ط:2 دار الفكر – دمشق 1996، ص8

[7] انظر: عبد الكريم مجاهد، الدلالة اللغوية عند العرب، ط:دار الضياء- عمان1985، ص9

[8] انظر: إبراهيم أنيس، دلالة الألفاظ، ط:3 مكتبة الأنكلو المصرية 1976، ص7

[9] انظر: فايز الداية، علم الدلالة العربي:النظرية والتطبيق، م.س، ص6

[10] انظر: عبد الكريم مجاهد، الدلالة اللغوية عند العرب، م.س، ص12

[11] انظر: عبد الكريم مجاهد، الدلالة اللغوية عند العرب، م.س، ص12-13

[12] انظر: فايز الداية، علم الدلالة العربي:النظرية والتطبيق، م.س، ص8

[13] انظر: عبد المجيد جحفة، مدخل إلى الدلالة الحديثة، ط:1 دار تبقال-الدار البيضاء 2000، ص14

[14] انظر: إبراهيم أنيس، دلالة الألفاظ، م.س، ص7

[15] انظر: جون لاينز، علم الدلالة، ترجمة مجيد عبد الحليم الماشطة وآخرون، ط:كلية الآداب- جامعة البصرة 1980، ص14

[16] تنظر ترجمته في ترجمات كتبه، وفي موقع موسوعة ويكبيديا على الانترنت من مدخل اسمه بالإنكليزية، (http://ar.wikipedia.org )، وقد عقد مؤخراً مؤتمر خاص عن أعمال إيزوتسو في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، أيام 4-6/8/2008، ولم يتيسر الاطلاع على أعماله، كما نشر كتاب عنه بالانكليزية بعنوان:

Consciousness and Reality: Studies in Memory of Toshihiko Izutsu By Jalāl al-Dīn Āshtiyānī, Toshihiko Izutsu By Jalāl al-Dīn Āshtiyānī, Toshihiko Izutsu. Published 2000 – Brill .

[17] لم تذكر مصادر ترجمته إسلامه، إنما علم ذلك من قبل تلامذته، وقد نقل إلي ذلك الصديق الدكتور محمد الطاهر الميساوي، الأستاذ في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، نقلاً عمن التقى بتلامذته في اليابان، فمصدر المعلومات في ذلك هم بعض تلاميذه اليابانيين الذين يعيشون الآن في اليابان وهم مسلمون، وكذلك بعض الإيرانيين وخاصة الأستاذ الدكتور مهدي محقق، ويقال أنه مال في آخر حياته إلى رؤية أقرب إلى التصوف الذي يوحد بين الأديان.

[18] سأعتمد في هذا البحث على كتابيه الأولين المتعلقين بالقرآن الكريم، وترجمة الدكتور العاكوب لهما وسأختصر الإحالة إلى الكتاب الأول بـ: الله والإنسان، ص ، والإحالة على الكتاب الثاني بـ: المفهومات، ص ، وسأحاول في عرض منهجه الاعتماد ما أمكن على عبارته حرصاً على الدقة.

[19] مسعود ضاهر، الياباني إيزوتسو والرؤية القرآنية للعالم، صحيفة المستقبل اللبنانية -العدد 2639- الأحد 10 حزيران 2007، وقد انتقد في المقال تصنيف المترجم هلال محمد الجهاد لإيزوتسو في سياق المستشرقين، انظر مقدمة ترجمته، ص 10، ط:1 المنظمة العربية للترجمة – بيروت 2007.

[20] الله والإنسان، ص25

[21] انظر: المفهومات، ص 60

[22] انظر: عيسى علي العاكوب، مقدمة ترجمة "المفهومات الأخلاقية الدينية في القرآن"، ط:1دار المتقى- 2008، ص31

[23] من ذلك قوله:" والآية الآتية من سورة البقرة تفهم جيداً، فيما أحسب، على أنها تشير إلى هذه النقطة، برغم أنها وفقاً للتفاسير القديمة قابلة لأن تفسر بطرق أخرى كثيرة..."، المفهومات الأخلاقية- الدينية في القرآن، م.س، ص159

[24] يؤكد الدكتور العاكوب ذلك في مقدمتي الترجمة لكتابيه، وكذلك الدكتور هلال الجهاد في مقدمة ترجمة كتابه "الله والإنسان".

[25] المفهومات، ص81

[26] انظر: المفهومات، ص63

[27] عيسى علي العاكوب، مقدمة ترجمة كتاب "بين الله والإنسان"، ص22

[28] الله والإنسان، ص28

[29] الله والإنسان، ص29

[30] الله والإنسان، ص30

[31] الله والإنسان، ص30

[32] الله والإنسان، ص31

[33] الله والإنسان، ص32

[34] انظر:الله والإنسان، ص38

[35] انظر:الله والإنسان، ص52

[36] يلاحظ عليه المترجم الدكتور هلال الجهاد اعتماده على نشرة لديوان عنترة بن شداد تأكد فيما بعد أنها أغلب ما فيها شعر إسلامي منحول أو مزيف، ويلتمس له عذراً كون النشرة المحققة لم تصدر حتى عام 1970 بعد تأليف الكتاب بسنوات، انظر: مقدمة المترجم، ص15-16.

[37] انظر: المفهومات، ص152-153

[38] انظر: الله والإنسان، ص39-40

[39] انظر:المفهومات، ص95-96

[40] الله والإنسان، ص41-42

[41] الله والإنسان، ص43

[42] انظر:الله والإنسان، ص46، يقلل إيزوتسو هنا من أهمية معرفة جذر الكلمة ويعول على السياق، ولعله في هذا يعمم المبدأ العام في اللغات فيما يخص أصول الكلمات، لكن محاولات عدة في اللغة العربية أثبت إمكان العثور أو الاقتراب من المعنى الوضعي للكلمة ومعرفة الجذر، ولهذا الجذر أهميته في فهم المفردة القرآنية، حتى مع مراعاة المعنى السياقي الذي يعول عليه، وكان الحكيم الترمذي قد حاول ذلك في دراسة نظائر القرآن، انظر:سلوى محمد العوا، الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، ط:1 دار الشروق- القاهرة 1998، ص23 .

[43] انظر:الله والإنسان، ص47

[44] انظر:المفهومات، ص57

[45] انظر:الله والإنسان، ص49

[46] المفهومات،ص102

[47] انظر:الله والإنسان، ص50

[48] انظر: الله والإنسان، ص51

[49] انظر:الله والإنسان، ص60

[50] انظر:الله والإنسان، ص53-54

[51] الله والإنسان، ص56 يؤكد هذا المعنى في أماكن كثيرة من كتابيه، من ذلك قوله:" وفي المنظومة القرآنية لا يوجد حتى حقل دلالي واحد غير مرتبط بـ"الله" وغير محكوم بمفهومه الأساسي" (الله والإنسان، ص70)، وقوله:"لا يوجد مفهوم رئيس في القرآن يكون مستقلاً تماماً عن مفهوم الله" (المفهومات،ص68).

[52] تجدر الإشارة هنا إلى ما قام به أبو حاتم الرازي في كتابه "الزينة" حيث تناول مجموعة من الألفاظ الإسلامية المتطورة دلالياً، يقول:"فمن الأسماء ما هي قديمة في كلام العرب، اشتقاقاتها معروفة، ومنها أسام دل عليها النبي (صلى الله عليه وسلم) في هذه الشريعة ونزل بها القرآن، فصارت أصولاً في الدين وفروعاً في الشريعة لم تكن تعرف قبل ذلك، وهي مشتقة من ألفاظ العرب. وأسام جاءت في القرآن لم تكن تعرفها العرب ولا غيرهم من الأمم"، وحول الآفاق التطورية التي قدمها الدلاليون العرب انظر: فايز الداية، علم الدلالة العربي:النظرية والتطبيق، م.س، ص274 .

[53] انظر: صالح غرم الله زياد، "المصطلح الأدبي: بين غناه بالمعرفة وغناه في التاريخ"، مجلة عالم الفكر- الكويت ، مجلد:28 ، عدد:3 (يناير- مارس 2000م)، ص:107، والغريب أن أول إنتاج من هذا النوع قام به مستشرقون كالمعجم اللغوي التاريخي: للمستشرق الألماني أوغست فيشر، وقد أصدر مجمع اللغة العربيّة بالقاهرة منه أوله من أول حرف الهمزة إلى (أبد)، (القاهرة 1387هـ 1967م)، ومن المعاجم التاريخية التي قام بها المستشرقون: (تكملة المعاجم العربية – للهولندي رينهارت دوزي) وقد تُرجم منه ثمانية أجزاء كبيرة، (معجم اللغة العربية الفصحى – لعدّة مستشرقين ألمان بالاشتراك:كريمر ، شبيتالر ، جيتيه) ولم يترجم من الألمانية، انظر: بن حميد الحميد، عبد العزيز،" أعمال المستشرقين العربية في المعجم العربي – دراسة وتقويم"، (رسالة دكتوراه، كلية اللغة العربية- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض 1416 هـ)، المقدمة.

[54] يشير إيزوتسو إلى اعتماد الإمام الغزالي هذا التحليل المفهومي في دحض المفاهيم التي أسس عليها الفلاسفة فكرهم، ويصف كتابه "تهافت التهافت" بقوله:"وكثير من مقاطعه يمكن أن يقدم، كما هو، مثالاً إيضاحياً للتقانة التحليلية في الدرس الدلالي الحديث"، (بين الله والإنسان في القرآن، ص84- الحاشية).

* المصدر: الملتقى الفكري للإبداع


Add a comment

النص والتأويل: استراتيجيات القراءة المحدثة

محمد زاهد جول

لعلّ أكثر المشتغلين بقراءة وتأويل النُّصوص القرآنيَّة والتُّراثيَّة في العالم العربيّ الإسلاميّ، يرومون النُّهوض بالواقع العربيّ الإسلاميّ من أجل تحقيق حداثةٍ إسلاميَّة جديدةٍ، بهدف الخروج من واقع التَّأخّر التَّاريخيّ، الذي يُهيمن على مجمل الوقائع الاجتماعيّة والسِّياسيَّة والثَّقافيّة.

ولذلك فقد سيطرت جملةٌ من القراءات التي تبحث في العلاقة بين التُّراث والحداثة، وتعتبر إشكاليَّة القراءة والتَّأويل أحد أهمِّ القضايا التي شغلت الفكر العربيّ الإسلاميّ المعاصر.

ويبدو أن الفشل الذَّريع لسياساتِ التَّنمية والتَّحديث جعلت من سؤال "النَّهضة" حاكمًا على انشغالات النُّخب الثَّقافيّة، وذلك بسبب حالة «الإخفاق والانسداد التي ولجتها البلاد العربيَّة منذ مطلع العقد السَّابع من القرن العشرين، بعد أن تعرَّض مشروع النَّهضة والتَّقدم فيها إلى انتكاسةٍ فادحة»[1].

ويعود هذا الاهتمام بمسألة قراءةِ التُّراث وتأويله إلى «حالة التَّأجيل التي ما زالت توجد عليها اليوم أسئلة الماضي.. إخفاق الحاضر: حاضر العرب، في إنجاز مطالب النَّهضة والتَّقدم والحداثة وسواها، أنتج كلّ الأسباب لتجديد سلطة التُّراث بوصفها سلسلة ماضٍ لم ينته في حاضرٍ ولم يبدأ»[2].

ويتَّفق معظم المشتغلين بالنَّص قراءةً وتأويلاً على أن هزيمة حزيران 1967 شكَّلتْ منعطفًا جديدًا وتحديًّا خطيرًا ضاعف من حجم الضُغُوطات على الفكر العربيّ والإسلاميّ باتّجاه إعادة النّظر في إشكاليَّة النَّهضة والتَّقدم.

وبحسب محمد جابر الأنصاري أصبح الفكر العربيّ والإسلاميّ «تحت الحصار» ، فهذه النَّكسة كشفت «عن أقسى هزائم العرب، ليس بالمعنى العسكري فحسب، وإنما من مختلف الأبعاد الكيانيّة الأخرى»[3].

ويبدو أن سؤال الهزيمة تسرَّب إلى إعادة النَّظر في سؤال العقل والنَّقل التي يحيل إلى سؤال الحداثة والتَّحديث؛ فبحسب عبد العزيز حمودة؛ فإنه يمكن فهم واقع الهزيمة وطلب الحداثة، فهو يقول: «بالمنطق نفسه يمكن فهم ما حدث في السَّنوات التي أعقبت الهزيمة العسكريَّة عام 1967 حينما اعتبرها قطاعٌ كبيرٌ من الشَّعب العربيّ هزيمةً لعقلٍ عربيٍّ متخلّف، ومن ثَمَّ بدأ البحث المحموم، وسط إحباطات مؤلمة، عن تفسير انتهينا فيه إلى الرَّغبة المحمومة بتحديث الأداء العسكرية، وفنون القتال، وإدارة المعارك، وقد استغلت قلَّةٌ منَّا رغبة الجماهير العربيّة في تحقيق تحديثٍ كاملٍ لتحقيق "حداثةٍ"، انتهت بنا إلى الارتماء الكامل في أحضان الثَّقافة الغربيَّة، ومنجزات العقل الغربيّ، دون تمحيصٍ أو تَرِوٍّ، لكنّ المهم أن الرَّغبة في التَّحديث ترتبط عادةً بشعور الدُّونيَّة في مواجهة "الآخر" الثَّقافي»[4].

أوَّلاً: التَّأويل في إطار أسئلة النَّهضة والإصلاح والهويّة:

لقد عاد سؤال النَّهضة والإصلاح والهويَّة ليطرح نفسه بقوة، عقب أحداث 11/ سبتمبر 2001، حيث هيمنت مطالب التَّجديد الدِّيني من خلال المراجعات في المجال الثقافيّ للإسلام ومنظوماته القِيَمِيَّة، فقد كشفت هذه الأحداث مرةً أخرى عن حجم القطيعة بين المسلمين والغرب، وبات السُّؤال المركزيّ بحسب السَّيد ولد أباه هو: «لماذا ينفرد الدِّين الإسلاميّ عن غيره من الدِّيانات بظاهرة العنف والتَّطرف، ويأبى الاندماج في القِيَم الكونيَّة للحضارة الحديثة»[5].

ولا يخفى على أحدٍ أن هذه الأحداث استدعت جملةً من الكتابات العدوانيّة التي ذهبت إلى الرَّبط بين جوهر الإسلام والعنف والإقصاء، واعتبرت أن الدِّين الإسلاميّ غير مؤهَّلٍ ولا قادرٍ على التَّأقلم مع رُوح وقِيَم العصر، ولا سبيل للتَّواصل معه، ومع ذلك فقد ظهرت أطروحاتٌ إصلاحيّة عديدةٌ تطالب بضرورةِ إحداث إصلاح عميقٍ للمنظومة الإسلاميّة.

ويمكن تصنيف المقاربة الإصلاحيّة المتعلِّقة بالنَّص قراءةً وتأويلاً إلى ثلاثةِ منطلقاتٍ منهجيَّة:

1-  الإصلاح من داخل المرجعيَّة الإسلاميّة، باستثمار مقاصد النَّص ومساحة الاجتهاد الواسعة فيه، من خلال تجديد أدوات وآليات قراءته وتأويله.

2-  ضرورة معالجة النصِّ الإسلاميّ، داخل التَّقليد الكتابيّ الذي ينتمي إليه، أي التَّقليد اليهوديّ - المسيحيّ، مما يعني عمليًّا إخضاع هذا النَّص لمناهج النَّقد والتَّأويل التي طُبِّقت على العهدين القديم والجديد، لغرضين مترابطين اثنين هما:

أ‌- من جهةٍ تبيان تاريخيته، والكشف عن حدود مجاله المرجعيّ.

ب‌-    ومن جهةٍ أخرى كسرُ قداسته، وتقويض بنيته الوُثُوقيّة، لفسح المجال أمام القيم الإنسانيّة التَّحديثيَّة التي هي شرط الانتماء للعصر، والاندماج في المنظومة الكونيَّة.

3-  تطبيق مناهج العُلُوم الإنسانيّة المعاصرة، وفلسفات التَّأويل الجديدة على هذا النَّص، من حيث هو خطابٌ لغويٌّ يستجيب فيما وراء طابعه المقدَّس الذي يقرُّ به المؤمنون لآليات التَّفكيك والقراءة التي طُبِّقت على مختلف النُّصوص، بما فيها النُّصوص ذات الميثيَّة - (ميثولوجيّة: " أسطوريّة " ) - ، حسب العبارة الأثيرة لدى محمد أركون[6].

ونحن بدورنا نؤمن بضرورة الإصلاح والتَّجديد، ونتَّفق مع دُعاة المنهج الأوَّل، وذلك لأنَّ هذه المطالبة تستند إلى منهجٍ في القراءةِ والتَّأويل، يستند إلى نظامٍ من القِيَم، يخضع للدِّين داخل النَّموذج المعرفيّ الإسلاميّ.

وهذه الاستجابة تقومُ على منهجٍ تجديديٍّ يستند إلى مقاربةٍ راسخةٍ في التَّجربة التَّاريخيَّة الإسلاميّة؛ فقد واجه المجتمع الإسلاميّ الحديث تحدِّياتٍ جمَّة خلال القرنين الأخيرين تجسَّدت بالمفارقة الصَّارخة بين واقع المسلمين، وما لحق ذلك من تخلُّف وتدهور، وبين الواقع الغربيّ الذي عرف نهضةً علميَّة في جميع المجالات، بلغت أوجها في القرن العشرين، ولقد كانت رُدُود الفعل من قِبَل العالم الإسلاميّ إزاء التَّحديات، في بدايتها تتَّسم بتجاوبٍ يطبعُهُ الجُمُود والانعزاليَّة، وذلك للحدِّ من زحف الآخر.

ولكن هذا الرَّد نظرًا لسلبيَّته لم يَقْوَ على المواجهة، إذ سرعان ما تمَّ تجاوزه بأن تيَّار الغزو كان عارمًا ورياحه كانت عاتية[7] .

وفي هذا السِّياق ظهرت قراءاتٌ تجديديَّة في قراءة النَّص وفي تأويله إبَّان عصر النَّهضة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين على يد علماء وشيوخ أمثال: محمد إقبال، وجمال الدّين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، وغيرهم.

وامتد هذا التَّوجه الإصلاحي إلى يومنا هذا، وعلى الرّغم من بعض التَّحفظات على القراءة الإصلاحيَّة التَّأويلية التَّوفيقيَّة إلاَّ أنَّنا نختلف مع التُّوجهات المطالبة بالإصلاح والتَّجديد بحسب المقاربة الثانية والثّالثة؛ وذلك بسبب قصور استراتيجيَّاتها الإصلاحيَّة، وأدواتها وآلياتها المنتجة للخطاب التي جعلت من الغرب نموذجًا إرشاديًّا لأيِّ عمليّة إصلاحٍ عربيٍّ إسلاميٍّ وفق مفهوم القطيعة مع التُّراث والالتحاق بواقع الحداثة الغربيّ.

ثانيًا: التَّأويل ومفهوم القطيعة:

إن القراءة المحدثة التي يتبنَّاها أنصار القطيعة مع التُّراث والتَّجديد من خارج المنظومة الدِّينيَّة الإسلاميّة، لا يختلف كثيرًا عن جملة القراءات الاستشراقيّة التي تصف المسلم الشَّرقيَّ بأنَّه لا عقلانيَّ وطُفُوليّ وشهوانيّ؛ فبحسب إدوارد سعيد فإن الاستشراق يقومُ على الافتراض «بأن الشَّرق وكلَّ ما فيه بحاجةٍ إلى دراسةٍ تصحيحيَّة من قبل الغرب، هذا إذا لم يكن بوضوحٍ مطلق أدنى منزلةً منه»[8] .

ويعتبر خطاب القطيعة وتشريح العقل المفتاح الأساسيّ للقراءات التَّأويلية للتُّراث الإسلاميّ بحسب إدريس هاني «لا وجود لقراءةٍ جديدةٍ حول التُّراث لا تقترب أكثر أو أقل من هذا المفهوم، أو تستوظفه في سياق، وسواء أكانت المشاريع المهتمة بالتُّراث تنتمي للمقاربة الأيديولوجيّة أو المقاربة المعرفيَّة الخالصة، فإن مفهوم القطيعة يحضر بشكلٍ لافتٍ للنَّظر»[9].

ولا يخفى أن فكر القطيعة إنَّما هو تقليدٌ للغرب ينافي روح الحداثة فبحسب طه عبد الرحمن فـ«إننا نجد بين أيدينا قراءاتٍ للقرآن ينسبها أصحابها إلى الحداثة، لكنَّها ليست تطبيقًا مباشرًا لروح الحداثة، وإنما تقليدًا لتطبيقٍ سابقٍ، وهو التَّطبيق الغربيّ المتمثل في "واقع الحداثة"، ومعلوم أن هذا التَّطبيق الأخيرة أراد له أهله أن يبقى قاطعًا صلته بأسباب الماضي وآثاره لما طُبِع في ذاكرتهم من أشكال التَّخلف التي عانوها في القُرُون الوسطى، حتى أنهم أصبحوا يفرُّون من كلِّ ماضٍ، ولو كان ماضيهم القريب فرارهم من موتهم رغم أن هذه الحال لا تنطبق على ذاكرة المسلمين، لأنّ هذه القرون كانت تشهد على تحضُّرهم، ولو أنهم انحدروا بعدها، فقد أبى بعض الدَّارسين إلاَّ أن يَبْنُوا على أن الأمَّة المسلمة ينبغي أن تحذو في علاقتها بتراثها وتاريخها حذو الغرب في علاقته بتراثه وتاريخه، فجاءوا بقراءاتٍ للقرآن تقطع صلتها بالتَّفاسير السَّابقة، طامعين في أن يفتحوا عهدًا تفسيريًّا جديدًا، ولئنْ سلّمنا بأن هذه القراءات تتضمَّن عناصر من الابتكار، فلا نسلِّم بأن هذا الابتكار إبداعٌ حقيقيٌّ، لأنّ من شأن الإبداع الحقيقيّ أن يكون موصولاً، وهذا إبداعٌ مفصولٌ، إذ قطع صلته بتراثه، تقليدًا للغير، لا اجتهادًا من الذَّات، وكلّ إبداعٍ هذا وصفه لا يكون إلا بدعة»[10] .

ثالثًا: حدود التَّأويل الحداثي "الـمُحْدَث":

إن هذه القطيعة مع الماضي والتي أسّست لتصورٍ جديدٍ للتَّاريخ الإنسانيّ قامت على مفهوم "التَّقدم" كإطارٍ معياريٍّ للتَّحول الاجتماعيّ، والوعي بمقتضيات اللَّحظة الرَّاهنة في مقابلِ ماضٍ يتوجَّبُ الانفصال عنه، وفي اتِّجاه مستقبلٍ يجب تحقيقه، ويكشف هذا التَّصور للتَّاريخ البشريّ عن مسار العقل الإنسانيّ الذي يتْبع خطًّا يضمن له التَّحول من عوائق "الخرافة" و "الأسطورة" و" الاستبداد" نحو" العقل" و"العلم" و"الحرية".

وهكذا نشأت فلسفات التَّاريخ التي أقامت أنساقًا نظريّة مكتملةً للتَّعبير عن هذا المشروع، الذي يؤسِّس لفضاء الحداثة الذي يقوم على أربعة محدَّدات:

1-  العقلانية التي ترى في الذَّات مصدر المعرفة، باعتبار أن الوعي يتمثَّل بالوُجُود، ويصدر الأحكام العقليّة حوله، كما تجد العقلانيّة في الطُمُوح العلمويّ نموذجًا، باعتبارها عقلانيةً تهدف إلى تأكيد "سيطرة الإنسان على الطَّبيعة". كما تجد في التَّقنية رؤيةً للوُجُود.

2-  التَّاريخانيَّة: أي أن الحداثة قامت على معقوليَّة التَّحول، وأفضت إلى تصورٍ حركيٍّ للمجتمع، يحدِّد مراحل لنموِّه وتطوُّره، وهو نموٌّ يخضع لمعيار التَّقدم ويبشِّر به كسلاحٍ أيديولوجيّ.

3-  الحرية: كأرضيةٍ تُعيِّن شرعيّة السُّلطة، وتؤكِّد حقَّ الإنسان في تقرير شُؤُونه المدنيَّة دون إكراهٍ أو قيد، كما توفِّر المقولة ذاتُها محدَّدات الممارسة الاقتصاديَّة، وتشكِّل أيضًا منطلقًا للتَّعبئة الأيديولوجيّة.

4-  العلمانيَّة: أي فصل السُّلطة السِّياسيَّة عن المؤسَّسة الدِّينيَّة، وفتح الباب أمام نزعِ القدسيَّة عن النُّصوص المقدَّسة، وفي المقابل ذلك الانطلاق من "الإنسان" كمفهومٍ مرجعيٍّ للممارسة النَّظريَّة والسُّلوك الأخلاقيّ والسياسيِّ[11] .

رابعًا: المقاربة التَّأويليّة لفكر النَّهضة:

لا شكَّ بأن فكر النَّهضة شهد انفتاحًا نسبيًّا على معظم التَّيارات الفلسفيَّة والفكريَّة الغربيَّة التي سادت عصر الأنوار الأوروبي مع القرن الثَّامن عشر[12]، حيث شهد العالم العربيّ حركة ترجمةٍ نقلت بعضًا من المؤلفات التَّأسيسيَّة للحداثة الغربيَّة كالدَّاروينيَّة والسانسيمونيَّة والوضعيّة، وظهر في العالم العربيّ من يبشِّر بهذه الفلسفات حيث تبنَّى شبلى الشميّل الفلسفة النُّشوئيَّة، ودعا سلامة موسى إلى القطيعة مع رواسب الغيبيَّات والتَّقاليد.

إلا أن الإصلاحيَّة الإسلاميّة رفضت الخطاب الحداثويّ، وحاربت الدَّعوة إلى الانفصال عن الدِّين بحُجَّة العقلانيَّة العلميَّة، إلاَّ أنَّها في نفس الوقت تبنت رؤيةً تنويريَّة تتَأَسَّسُ على تأويل النُّصوص الدِّينية وفق رؤيةٍ توفيقيَّة، فقد حمل الأفغاني بشدَّة على الاتِّجاهات التَّحديثيّة، ووصف الحضارة الصِّناعيَّة بالعُدْوانيَّة والبربرية؛ فالتَّقدم الحقيقيّ يرتبط بالالتزام بالأخلاق الفاضلة والتَّمسك بمبادئ الدِّين وأصوله الرُّوحية[13].

ومع ذلك فقد عمل الأفغاني على تجديد الدِّين من خلال قراءةٍ تأويليَّة للتُّراث تحتفظ بروح وقِيَم الحداثة والتَّنوير؛ كالعقلانيَّة، وتمجيد العلم، ومحاربة الاستبداد، والدَّعوة إلى الحريَّة والدِّيمقراطية، وهو الموقف الذي سوف يتَّخذه تلميذه الشيخ محمد عبده ورشيد رضا.

إلاَّ أن ذلك لم يمنع من ظهورِ قراءاتٍ تأويليَّة داخل السِّياق الإصلاحيّ الإسلاميّ تطالب بالقطيعة مع بعض الرُّؤى التُّراثية الإسلاميّة كما ظهر ذلك جليًّا مع علي عبد الرازق؛ الذي طالب باعتماد العلمانيّة وفق قراءةٍ سلفيَّة للتَّاريخ والتُّراث الإسلاميّ، فقد اعتبر أنَّ مؤسسة الخلافة كما طُبِّقت تاريخيًّا ليست من الإسلام، وذلك «أنّ كلَّ ما شرعه الإسلام وأخذ به النَّبي للمسلمين من أنظمةٍ وقواعد لم يكن في شيءٍ كثيرٍ ولا قليلٍ من أساليب الحكم السّياسيّ، ولا من أنظمة الدَّولة المدنيَّة».

فهي ليست سوى «خطط سياسيّة صرفة، لا شأن للدِّين بها، فهو لم يعرفها ولم يُنكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنّما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل، وتجارب الأمم، وقواعد السِّياسة»[14].

سوف تترسَّخ أطروحة القطيعة مع التُّراث بشكلٍ جذريٍّ مع طه حسين الذي آمن بعالميّة الثّقافة الغربيَّة، وأن هذه الثَّقافة قد نسخت كلَّ الثَّقافات والحضارات، وأصبحت هي الحضارة، وعلى الجميع أن يتبنَّاها، ولذلك دعى إلى تعليم اليونانيّة واللاتينيّة لاستيعاب أصول الحضارة الغربيَّة. هو طبعًا يقول إنه بدعوته هذه لا يريد للمواطنين أن يفقدوا هُويّتهم. لكنه تحفظٌ لفظيٌّ لا ينفي في دعوته في كتابه: «مستقبل الثقافة في مصر» إلى تغريب بلده مصر.

وبحسب علي أو مليل فإن «أوروبا عند طه حسين حضارة أصبحت عالميَّة، أما الوجه الآخر لأوروبا كقوى استعماريّة فهو غائبٌ في تحليلاته وأحكامه. يقول طه حسين أنه ألَّف كتابه: «مستقبل الثقافة في مصر» بمناسبة معاهدة 1936، والتي تنازلت فيها بريطانيا عن بعض المطالب الوطنيّة للشَّعب المصري. ويهيب الكاتب بالمصريّين أن يصلحوا من عقولهم وثقافتهم حتى يكونوا في مستوى المعاهدة! والذي يثير الاستغراب أيضًا هو حكم طه حسين على غزو نابليون لمصر فيما سمى بـ "الحملة الفرنسيّة" ليقطع الطَّريق إلى الهند على انجلترا، الحملة الفرنسية عنده لم تكن احتلالاً ولا غزوًا استعماريًّا بل "حملة مباركة"»[15] .

إن طه حسين يدعو بشكلٍ صريحٍ إلى القطيعة مع التُّراث الإسلاميّ، ويدعو إلى الانصهار في الحضارة الغربيّة باعتبارها حدثًا كونيًّا فهو يقول: «إننا في هذا العصر الحديث نريد أن نتَّصل بأوروبا اتصالاً يزداد قوةً من يوم إلى يوم، حتى نصبح جزءًا منها لفظًا ومعنًى وحقيقةً وشكلاً»[16] .

سوف تجد خطابات القطيعة مع التُّراث أرضيّةً خصبةً في خطاب التَّنوير الإسلاميّ الجذري مع عددٍ من المفكرين؛ فالدكتور حسن حنفي الذي عمد إلى ترجمةِ عددٍ من النُّصوص لمفكري الغرب الذين قاموا بدورٍ حيويٍّ في تحديث مجتمعاتهم باعتباره نموذجًا إرشاديًا للتَّحديث العربيّ الإسلاميّ، فبحسب حسن حنفي فإنّ هؤلاء المفكرين «أعطوا العقل حقَّه نسبيًّا ... في اعتبارهم العقل أساسًا للنَّقل، ومقياسًا لصحَّة العقائد وأساسًا للعلم ... وقد تكُون فلسفة التَّنوير من حيث هي قضاءٌ على الخرافة هي ما نحتاجه أكثر في عصرنا هذا من إيمانٍ بالإنسان، ونداءٍ للحرية، والاتّجاه نحو العالم الحِسِيّ»[17].

وبناءً على هذا التَّصور فقد عمد حنفي إلى تطبيق استراتيجيَّة بتأويل النُّصوص الدِّينيَّة التي خضعت لها النُّصوص اليهوديَّة والمسيحيَّة على النُّصوص الإسلاميّة من قرآنٍ وأُصُول وتراثٍ فقهيٍّ وصوفي، عملاً بتعويض "لاهوت الأرض" بـ"لاهوت الله" وتعويض الشّهادتين بـ"الشهادة النَّظرية والشهادة العلميّة على قضايا العصر وحوادث التَّاريخ"، ويصبح التّوحيد "فعلاً إيجابيًّا يضع فيه الشُّعور مثلاً أعلى، ومبدءًا واحدًا عامًّا وشاملاً، أما اختتام النُّبوة فهو "إعلانٌ عن اكتمال الوعي ونهاية النُّبوة، وتحقُّق آخر مراحلها في نظام وتجسّده في دولة، وأنه لا يمكن الرُّجوع إلى الوراء لمراحل سابقة منها، فالتَّاريخ لا يرجع إلى الوراء، والتَّقدم جوهر الوعي الإنسانيّ ومسار التَّاريخ وحركة التَّطور. فالإنسان بعقله المستقل وبإرادته الحرة قادرٌ على أن يواصل حركة التَّاريخ، وأن يستمرَّ في تقدمه باجتهاده الخاص فيرث النُّبوة وتراث الأنبياء. فـ«العلماء ورثة الأنبياء» ، والاجتهاد طريقُ الوحي، والعقل وريث النُّبوة»[18].

خامسًا: التَّأويل الماركسويّ للنَّص والتُّراث:

وبحسب السّيد ولد أباه؛ فإنّ التَّصورات الماركسويَّة قد شكَّلت العماد النَّظري لإشكاليَّة التَّنوير العربيّ في السنوات الثلاثين الأخيرة: إذ وجد الخطاب التَّحديثي العربيّ في الماركسيّة المنهج المكتمل المفقود، والنظرية "العلميّة" الحقَّة، والتَّعبير الجلي عن حركية التَّاريخ ومفتاح معقوليّته، كما وجد فيها أيديولوجيا كفاحٍ ذات طاقةٍ تعبويَّةٍ وتنظيميَّةٍ واسعة، كفيلةٍ بالقضاء على رواسب "الماضي" و "صناعة المستقبل" في مأمنٍ من تهمة التَّغريب التي أصبحت مخصَّصة للغرب الرَّأسمالي وليبراليته "الفاسدة" ، وهكذا تحقق دمج طوباويَّة التَّقدم للطُّموح الوضعيّ، وهما مقولتان متلازمتان - كما يقول هابرماس - إذ لابُدَّ للتَّصور العلموي من أن يستند إلى مفهومٍ تقدميٍّ لمسار المعرفة، يُقْصِي من دائرة الشَّرعية النَّظرية كل التَّعبيرات غير العلميّة كـ "ميتافيزيقا خالية من المعنى" بحسب التَّعبير الوضعيّ أو "أيديولوجيا زائفة"، بحسب التَّعبير الماركسيّ، انطلق إذن اليسار العربيّ من الإحساس بأن «الأمة العربيّة تتخبط في هزيمةٍ شاملةٍ مطبقة، وأن محاولة النَّهضة العربيّة الثَّالثة قد اندحرت وصفِّيت»[19].

إنه الحكم نفسه الذي يصدره عبد الله العروي عندما يخلع على التَّجارب التَّحرريَّة في الوطن العربيّ صفة «العجز الأيديولوجي، أو بكيفية أدقّ تخلف الذِّهنيات عن الأوضاع الاقتصاديّة الاجتماعيّة العامة»[20].

وينتهي العروي من تشخيصه للأيديولوجيا العربيّة المعاصرة إلى القول: «المشكل الحقيقيّ الذي نواجهه فعلاً، والذي نهدف إلى كشف القناع عنه، هو عدم وجود الأيديولوجيا المنسجمة عضويًّا، والتي يستخلص منها برنامج مستوفٍ لشروط الاستيعاب والشُّمول، والذي يجد فيه المجتمع العربيّ صورةً وفيَّةً ومقنعةً لملامح ماضيه وتطلعات حاضره»[21].

إلاّ أن الماركسيّة العربيّة لم تستطع أن تقدم نظريَّة للمجتمع العربيّ التي وعدت بها، بل نجدها استخدمت بشكلٍ تعسُّفيٍّ وميكانيكيٍّ أشدَّ المقاربات الماركسيَّة إغراقًا في التَّبشير الوضعيّ والتَّاريخانيَّة الطُّوباويَّة، ولم تستطع أن تواكب الانقلابات المعرفيَّة الكبرى التي أعادت بناء الماركسيَّة بل تجاوزتها في مناحٍ عدَّة أبرزها أساسها التَّنويريّ ذاته[22].

سادسًا: مبادئ القراءة التَّأويليَّة المحدثة:

وإذا كانت القراءة التَّأويلية للنُّصوص التُّراثيَّة الإسلاميّة في عصر النَّهضة قامت على مبادئ العقلانيَّة النَّقديَّة والحريَّة والعلمانيَّة؛ فإنَّ القراءات المحدثة قامت على مفهوم التَّقدم الذي ساد عصر النَّهضة الأُورُوبيّ، وأضافت إليه جملة التَّحوُّلات المعرفيَّة التي طالت مجمل العُلُوم والفُنُون بحيث أصبحت كلُّ قراءةٍ تدَّعي الحداثة تتَّصل بالثَّورات المعرفيّة الخمس التي لخَّصها عبد السلام بنعبد العالي، وهي:

1- الثَّورة اللُّغويَّة: وهي تصوُّرٌ جديدٌ للعلاقة يفتح الأفق أمام ممارسةٍ تأويليًّةٍ جديدةٍ؛ فاللُّغة لم تعد تحيل إلى ذاتٍ متكلِّمةٍ واعيةٍ، بل إن الدَّرس اللِّساني الأساسيّ هو تبيان أنّ اللُّغة نسقٌ اختلافي تربطه علاقات اقترانٍ ضروريَّة.

2- الثَّورة الابستميولوجيّة: التي أحلَّت فلسفة التَّصور محلَّ فلسفات الوعي؛ فلقد قامت الابستميولوجيا المعاصرة على أنقاض التَّصور الأدواتيّ للمعرفة الذي يختزلها في حدود إنجازات العُلُوم.

لقد بيَّنت أبحاث "باشلار" أن القانون العلميّ ليس اكتشافًا لواقعٍ مباشرٍ أو ضبطًا لشفافيَّة الوُجُود، بل الواقع العلميّ واقعٌ مبنيّ، هو نتاج ممارسةٍ جهويَّةٍ، وبالتَّالي فإن الحقيقة العلميَّة حقيقةٌ جهويّةٌ تقريبيّةٌ، لها ميدان قيمتها المفهومي - التَّجريبي، ومن ثَمّ أصبحت الموضوعيَّة العلميَّة محدودةً بحُدُود بناء الموضوع العلميّ.

كما عمل "كارل بوبر" على فضح سلطة الحقيقة في المؤسَّسة العلميّة التي تدَّعي المعرفة اليقينيَّة، وتتَّخذ طابع النَّسق المغلق، بينما القوانين العلميّة تتميَّز بـ "قابليتها للدَّحض"، لا قابليَّة التَّحقق كما تتوهم الوضعيَّة، بل إن معيار الممارسة العلميَّة هو "النجاعة" وليس ادّعاء الحقيقة.

أما هابرماس فيبيّن أن العلم والتَّقنية ليسا سوى أيديولوجيا الحداثة التي تعطى الأولويّة للتَّصرف التَّطبيقي، أي النَّشاط الأدواتي الذي يصبح عندئذٍ مرجع المعقوليَّة ومعيار الشَّرعية النَّظرية.

3- ثورة التَّحليل النَّفسي: الذي بيّن أن الوعي "عَرَضٌ من الأعراض"... ومكان مفعولات المعاني، أي أن بنية الذَّات بنيةٌ معقَّدة تتفاعل فيها المستويات الرَّمزية والواقعيَّة والخياليَّة.

4- الثَّورة البُنيويَّة: التي أرست عقلانيَّة نسقيَّة، ترفض مقولات الوعي، وتنسف التَّاريخيَّة التَّطوريَّة، كما تنفتح على الجوانب المهمَّشة في البُحُوث الاجتماعيّة، وعلى المجتمعات التي اعتبرت "متوحشةً" أو "بدائيَّةً" هادمةً بذلك سلم التَّفاضليَّة التي يقوم عليها التَّصور التَّنويريّ لتقدُّم التَّاريخ.

5- الثَّورة التَّاريخيَّة: كما تبلورت لدى "نيتشة" و "فوكو" فالجينالوجيا النتشويَّة ترفض «منطق التَّعريف والماهيّة»، كما ترفض «المفهوم كحضورٍ ومُثُول» باعتباره هو «المكان الذي تفعل فيه الفوارق، والمفهوم هو المجال الدَّلاليّ الذي يكثِّف نموًّا تاريخيًا كاملاً» ، فليس الدَّليل «حضورًا للمعاني، وإنما هو المكان التَّفاضليّ الذي تؤثِّر فيه مختلف التَّأويلات - إنه المجال الذي لا تكون فيه الكلمة إلا تكثيفًا لعدَّة تأويلات»[23].

وهكذا دشّن نيتشه النَّقد الجذريّ لمشروع التَّنوير ذاته، ولأسس الحداثة المفهوميَّة، معلنًا نقد "إرادة الحقيقة" التي قامت عليها الحداثة كـ"إرادة سلطة" مبيِّنًا ضرورة إقامة تاريخٍ للمفاهيم ذاتها لهدم معقوليَّة "الوعي والتَّطابق" ، وتركيز ممارسةٍ جديدةٍ للفلسفة تتأسَّس على الاختلاف، وهو المفهوم المركزيّ الذي يقومُ عليه ما يُدعي اليوم بخطاب "ما بعد الحداثة".

أما فوكو فقد أقام دعائم جديدة للمقاربة التَّاريخيَّة تهدم التَّاريخانيَّة التَّنويريَّة ومحتواها الاتصالي، إذ «التَّاريخ المتَّصل هو الرَّديف الملازم للدَّور التَّأسيسيّ للذَّات، فهو الذي يضمن لها أن تستعيد كلّ ما ضاع منها. ويؤكِّد أنَّ الزَّمان لا يفرِّق بين الأشياء إلاّ لكي يعيد إليها وحدتها، وما يَعِدُ بأنَّ كلَّ هذه الأمور التي أزاحها الاختلاف، في مقدور الذَّات في صورة الوعي التَّاريخي أن تتملَّكها لتبسط عليها هيمنتها، وتجد فيها ما يمكن أن نسميّه مقرّها»[24].

إن جوهر القراءة التَّأويلية المحدثة تنبني على الانتقاد بدل الاعتقاد حيث ظهرت محاولات عدَّة لقراءة بعض الآيات القرآنيّة والنُّصوص التُّراثية بحسب المعطى الانتقاديّ الحداثي.

وتعتبر قراءةُ محمد أركون ومدرسته من التَّوانسة ممثلةً بعبد الرحمن الشُّرفي وغيره في تونس، وكذلك قراءة التُّونسي يوسف صديق في باريس، وكذلك قراءة نصر حامد أبو زيد وطَيِّب تيزيني في هذا الاتّجاه، وتندرج قراءة حسن حنفي ضمن القراءات الحداثيَّة على الرّغم من تشديده على الاستقلال عن القراءة الأجنبيَّة.

أمّا الدكتور محمد عابد الجابري فهو أقلّ حِدَّة من سابقيه في تبنِّي فكر القطيعة مع القراءة التُّراثية؛ فالجابريّ من أنصار القطيعة الصُّغرى؛ فهو يتوسَّل بالمفهوم البُنْيوي للعقل والثَّقافة من خلال انتقاء ما يصلح لإحداث القطيعة، فبحسب الجابري: «كانت مقولات الخطاب العربيّ لا زالت مقولاتٍ فارغة جوفاء تعبِّر عن آمال أو مخاوف ليس غير، فالشَّيء الذي جعلها تعكس أحوالاً نفسيَّة وليس حقائق موضوعيّة»[25].

سابعًا: منهج القراءة والتَّأويل عند محمد عابد الجابريّ:

يعمل الجابريّ على بناء قراءةٍ نقديَّة للتُّراث لكي يتجاوز القراءات التُّراثية التي يلخِّصها بـ«هيمنة النَّموذج – السّلف، رسوخ آليّة القياس الفقهيّ، التعاون مع الممكنات الذِّهنية كمعطياتٍ واقعيَّة»[26].

وفي هذا السِّياق طرح مشروعه الفكريّ العقلانيّ والنَّقديّ للتُّراث، وللعقل العربيّ بدأه بكتاب «نحن والتُّراث» سنة 1980، وعمل على تطويره في مؤلفاته التَّالية، وهي: «تكوين العقل العربيّ» سنة 1984، ثم «بنية العقل العربيّ» سنة 1986، ثم «العقل السِّياسي العربيّ» سنة 1990، ثم «العقل الأخلاقي العربيّ» سنة 2001، وقد أصدر أخيرًا الجزء الأول من كتابه «مدخل إلى القرآن الكريم في التَّعريف بالقرآن» سنة 2006، ويعتبر كتاب «نحن والتُّراث» مفتاحًا في فهم قراءته للتُّراث، وهو بمثابة مقالٍ في المنهج، تضع الأسس والقواعد لقراءةٍ جديدةٍ، وتقطع مع القراءات السَّلفية الثَّلاثة، والتي تتمثَّل:

1- القراءة السَّلفية الدِّينيَّة: وهي قراءة أيديولوجية جدالية .. لا تاريخيّة، ذاتية، تُسقط المستقبل على الماضي، ولا يمكنها أن تنتج «سوى نوعٍ واحدٍ من الفهم للتُّراث هو الفهم التُّراثي للتُّراث»[27].

2- القراءة اللِّيبراليّة – الاستشراقيّة: وهي قراءة أوروباوية النَّـزعة، وتقوم على قراءةٍ تراثٍ بتراث، اعتمادًا على المنهج الفيلولوجي، ومُهِمَّتُها تنحصر في ردِّ التُّراث العربيّ الإسلاميّ، إلى الأصول إمَّا يهوديَّة أو مسيحيَّة أو فارسيَّة أو يونانيَّة أو هنديَّة[28].

3- القراءة اليساريَّة - الماركسيَّة: وهذه القراءة لا تتبنى المنهج الجدليّ كمنهجٍ للتَّطبيق، بل كمنهجٍ مطبَّق مما ينتهي بها، إلى سلفية ماركسيّة، أي إلى محاولة لتطبيق طريقة تطبيق السّلف الماركسيّ للمنهج الجدليّ[29].

ويخلص الجابري إلى القول أن هذه القراءات، هي قراءاتٌ سلفيّة تفتقد من النَّاحية المنهجيَّة للموضوعيّة، وتعاني من ناحية الرُّؤية من غياب النَّظرة التَّاريخيَّة، ومن النَّاحية الابستمولوجية، فهي تتأسس جميعها على طريقةٍ واحدةٍ في التَّفكير تقومُ على ما أطلقَ عليه العرب القدامى: "قياس الغائب على الشَّاهد" [30].

ويحدِّد الجابريّ الخطوات المنهجيّة في القراءة والتَّأويل من خلال التَّركيز على المقولات الابستمولوجية والتَّحليل الأيديولوجي، وذلك من خلال:

1. ضرورة القطيعة مع الفهم التُّراثي للتُّراث: أي إرسال قطيعة ابستيمولوجيّة بالمفهوم الباشلاردي «مع بنية العقل العربيّ في عصر الانحطاط، وامتداداتها إلى الفكر العربيّ الحديث» ، ولا يعني الأمر هنا الانفصال الكليّ عن التُّراث ذاته، بل «القطيعة مع نوعٍ من العلاقة مع التُّراث، القطيعة التي تحوِّلنا من "كائنات تراثيّة" إلى كائنات لها تراث، أي إلى شخصيّات يشكِّل التُّراث أحد مقوماتها، المقوّم الجامع بينها في شخصية أعمّ، هي شخصيَّة الأمّة صاحبة التُّراث»[31].

2. فصل المقروء عن القارئ.. مشكلة الموضوعيّة: أي إرساء عمليّة فصل مزدوج بين الذّات والموضوع (فصل الموضوع عن الذّات، وفصل الذّات عن الموضوع)، ذلك أن «القارئ العربيّ مؤطَّرٌ بتراثه، مثقلٌ بحاضره»، ومن ثم وجب «تحرير الذّات من هيمنة النَّص التُّراث»، وهو ما يتحقّق من خلال منهجٍ ثلاثيّ:

أ- المعالجة البنيويّة: أي النّظر إلى النّص التُّراثي «ككلٍ تتحكّم فيه ثوابت، ويعتني بالتَّحولات التي يجريها عليها حول محورٍ واحد» ، و«محورة فكر صاحب النَّص حول إشكاليَّة واضحة».

ب – التَّحليل التَّاريخي: ربط النص بـ: «مجاله التَّاريخي بكلِّ أبعاده الثَّقافيّة والأيديولوجيّة والسِّياسيَّة والاجتماعيَّة».

ج- الطَّرح الأيديولوجي: أي «الكشف عن الوظيفة الأيديولوجيّة (الاجتماعيّة السياسيّة) التي أدَّاها الفكر المعني، الذي ينتمي إليه»[32].

3. وصل القارئ والمقروء... مشكلة الاستمراريّة: أي ضرورة الحدث الاستشرافي كحقٍّ للذَّات القارئة التي «تحاول أن تقرأ نفسها في الذَّات المقروءة، ولكن مع الاحتفاظ لهذه الأخيرة بكيانها الذَّاتي كاملاً ومستقلاًّ، الشَّيء الذي يعني أن الذَّات القارئة تبقى محتفظةً بوعيها وبكامل شخصيَّتها»[33].

وبهذا فإنَّ الجابريّ يستخدم منهجًا مرنًا يعمل من خلاله على توظيف جملةٍ من المفاهيم الحداثيّة تنتمي إلى مجالاتٍ معرفيّة متعدِّدة؛ فهو يقول: «إنَّنا لا نتقيَّد في توظيفنا لتلك المفاهيم بنفس الحُدُود والقُيُود التي تؤطِّرها في إطارها المرجعيّ الأصليّ، بل كثيرًا ما نتعامل معها بحريَّةٍ واسعة.. وذلك لأنَّنا لا نعتبر هذه المفاهيم قوالب نهائيّة، بل فقط أدوات للعمل يجب استعمالها في كلّ موضوعٍ بالكيفيّة التي تجعلها منتجة»[34].

إلا أن الجابريّ في كتابه الأخير الذي يقرأ من خلاله الظّاهرة القرآنية «مدخل إلى القرآن الكريم: في التعريف بالقرآن» يطرح قراءةً تختلف نسبيًّا عن قراءاته السّابقة، ويعتمد في قراءته على قاعدةٍ سلفيَّةٍ في التَّفسير، تستند إلى القول بأنَّ «القرآن يشرح بعضه بعضًا» ، وهي قاعدة معلومةٌ لدى أئمة التّفسير؛ فالجابري يؤكِّد على أن القرآن يفسِّر بعضه بعضًا، وهي عبارة يردِّدُها الجابري في كتابه، ويعتبرها مدخلاً لجعل القرآن معاصرًا لنفسه، ومعاصرًا لنا فهو يقول: «إن أحسن طريقٍ إلى تطبيق هذا المنهج الرُّؤية (أي جعل المقروء معاصرًا لنفسه ولنا) إذا كان الأمر يتعلّق بالقرآن، وذلك المبدأ الذي نادى به كثيرٌ من علماء الإسلام مفسِّرين وغيرهم، وهو أن القرآن يشرحٌ بعضه بعضا[35].

ولا يخفى أن أبرز من نادى بتفسير القرآن بالقرآن، هو الفقيه الحنبلي الكبير أحمد بن تيمية (728هـ) في كتابه «مقدمة في أصول التَّفسير» ، ولعل المفارقة أو التَّحول الذي طرأ على الجابري في هذا الكتاب هو الاعتماد على مفاهيم تراثيّة سلفيّة كان يعتبرها الجابري أكثر التَّيارات معاداةً للعقلانيّة، إلا أن الجابريّ يبدو مهمومًا بتجديد الإسلام من الدّاخل خصوصًا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وهو ما يصرِّح به في سبب تأليفه.

ويلخِّص إبراهيم أعراب أطروحة الجابري في كتاب الأخير بالقول: «إن الجابري في قراءته التّاريخيّة والعقلانيّة للظّاهرة القرآنيّة حاول إبراز العناصر التّاليّة:

- الدّعوة المحمديّة نبيًا وقرآنًا لم تعرف أسرارًا، ولا يوجد فيها ما يدعو إلى اعتبار العقل قاصرًا.

-   اعتبار حياة الرسول r وتعاليم الكتاب والقرآن موضوعًا مفتوحًا لإعمال العقل.

-   العلاقة بين النَّبي والقرآن علاقة يوميَّة، وبقيت دومًا تتحرك في حدود المعقول.

-  القصص القرآنيّة ليست مجرّد حكاية إخبار؛ بل هو بيانٌ وبرهانٌ ووسيلةٌ للإقناع تدعو للاحتكام إلى العقل، بعيدًا عن أساليب اللاعقل.

-  القرآن لا يحتاج إلى معجزة من خارجه تؤيِّد صدقه، من قبيل انشقاق القمر، والإسراء والمعراج، وأميّة النبي r .. الخ.

-  عدم أخذه بالرِّوايات والتَّفاسير التي تُكثر من اعتماد الخوارق والمعجزات، ويكتفي بميدان القرآن هو المعجزة الكبرى للنبيّ، وهو في هذا قريبٌ من المعتزلة كالزَّمخشري في «الكشَّاف».

-  أمية النّبي r ليست علامة على المعجزة؛ فهي لا تعني أنه لا يحسن القراءة والكتابة، ولكن الأمي من الأمم التي ليس لها كتاب منزَّل[36].

ثامنًا: منهج القراءة والتَّأويل عند محمد أركون:

تعتبر قراءة محمد أركون للتُّراث الإسلاميّ والنَّص القرآني أحد أهم القراءات المحدثة، والتي استلهمت الحداثة الغربيّة كنموذجٍ إرشاديٍّ في القراءة الغربيَّة، واعتبر كتابه «نقد العقل الإسلاميّ» الذي ترجم إلى العربيّة تحت عنوان «تاريخيّة الفكر العربيّ الإسلاميّ».

ويهدف أركون من خلال مشروعه النَّقدي إلى «تأسيس تاريخٍ منفتحٍ وتطبيقيٍّ للفكر الإسلاميّ» ، ويصف أركون مشروعه بالجدّية والتَّعقيد، كما يصف الإنتاج الفكري العربيّ الإسلاميّ بقوله: «إذا ما نظرنا إلى ناحية الباحثين العرب والمسلمين وجدنا تأخُّرًا وبطأً، ونواقص أشدُّ إيلامًا وحزنًا. إن تفاقم المشاكل السِّياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة منذ سنيّ السّبعينات يفسِّر لنا سبب الانخفاض الواضح للإنتاج العلميّ في المجال العربيّ والإسلاميّ كمًّا ونوعًا، أما الأدبيَّات النِّضالية فهي على العكس من ذلك وافرةٌ وغزيرةٌ جدًّا»[37].

تتمثّل خطوات المنهج في القراءة والتَّأويل لدى محمد أركون من خلال الهدف الذي يتوخَّى تحقيقه، ألا وهو: بناءُ إسلاميَّاتٍ تطبيقيَّة، وهي عبارةٌ مستمدَّة من كتاب روجيه باستيد «الانثروبولوجيا التّطبيقية» فالإسلاميّات التَّطبيقية «تدرس الإسلام ضمن منظور المساهمة العامة بإنجاز الانثروبولوجيا الدِّينيَّة» ، فمن هنا كانت المنهجيَّة التي حاول أركون تطبيقها على النَّص القرآني، وهي منهجيَّة كانت قد طُبِّقت على النُّصوص المسيحيَّة، وتتلخّص في إخضاع القرآن لـ«محكِّ النَّقد التَّاريخيّ المقارن، والتَّحليل الألسنيّ والتَّفكيكي، والتَّأمل الفلسفيّ المتعلق بإنتاج المعنى وتوسعاته وتحوُّلاته وانهدامه»[38].

إن منهج الإسلاميّات التَّطبيقيَّة الذي يتبَّناه أركون، والذي يعتمد على عُلُوم الإنسان والمجتمع، وذلك كون مشروعه يعمل على جبهاتٍ وحقولٍ معرفيَّة متعدَّدة يجملها أركون بما يلي: القرآن وتجربة المدينة، وجيل الصَّحابة، ورهانات الصِّراع من أجل الخلافة أو الإمامة، السُّنة والتَّسنُّن، وأصول الدِّين، وأصول الفقه، والشريعة، ومكانة الفلسفة أو الحكمة المعرفية وآفاقها، والعقل في العُلُوم العقليّة، والعقل والمخيال في الأدبيَّات التَّاريخية والجغرافيّة، والعقل والمخيال في الشِّعر والأسطورة، والعقل والمخيال في الآداب الشَّفهية، والمعرفة السكولاستيكيَّة (المدرسيَّة أو المذهبيَّة)، والمعارف التَّطبيقيَّة أو التَّجريبية (الحس العملي) ، والعقل الوضعيّ والنَّهضة، والعقل والمخيال الاجتماعيّ والثَّورات، ورهانات العقلانيَّة وتحوُّلات المعنى[39].

إن خطة القراءة لدى أركون تعمل على إزاحة مسلَّمات الإسلام الأرثوذكسي بحسب وصفه، والتي تستند كما يرى إلى أحاديَّة الحقيقة المطلقة المنحصرة في الرِّسالة الدِّينيّة، والموقف المقدَّس للأنبياء من منظور الخلاص الأخرويّ، وعدم الشَّك في صحَّة الحكايات التي تنقل عجائب الأمور، وهي مسلَّماتُ التُّراث الإسلاميّ الكلِّي ذات الوظيفة الأيديولوجية في صراع الشَّرعية المعرفيَّة والسياسيَّة، والتي تخترق كافة مراحل التَّاريخ الإسلاميّ.

إن أركون يهدف إلى أحداث قطيعةٍ مع التُّراث تتجاوز الإسلام الأرثوذكسي وتعتمد قراءته على:

1- المقاربة السِّيميائية اللُّغوية: أي استخدام مقولات السِّيميائيّة واللِّسانيات من أجل عودةٍ نقديَّة للمواد المقروءة لمعرفة: «كيف تقوم العلامات المستخدمة في النُّصوص بالدَّلالة وتوليد المعنى؟

فالآليات الألسنية أو اللُّغوية المستخدمة من أجل إنتاج هذا المعنى المحدد، وليس أي معنى آخر غيره؟

لمن ينبثق هذا المعنى وضمن أيّة شروط؟»

وهكذا يوظِّف أركون المفاهيم الألسنيّة باعتبارها أصبحت في حكم المكتسبات المؤكّدة التي لا تناقش، ويكمن دورها في إرساء هذه الزَّحزحة المنهجيَّة الأساسيَّة: «القول بأن دعامة التَّوصيل ليست هي المعرفة الصَّحيحة» التي نمتلكها عن المادة المدروسة ... وإنما هي تكمن في المنظورات المتبادلة المقامة بين المتخاطبين المتنافسين المرتبطين بنفس إطار التَّحسس والإدراك والتَّصورات، أو بالأحرى نفس الصُّور العقليَّة التي تشير إليها العلامات اللُّغوية[40].

2- المقاربة التَّاريخيَّة والسوسيولوجيّة: إن هذه المقاربة يهدف منها تقويض "الرُّؤية الدِّينيَّة" للتَّاريخ كما مارسها العلماء المسلمون الأوائل الذين «يهتمون بالأحداث الزَّمنيّة المتسلسلة، وبالسيرة الذَّاتيّة، وبالحكايات المناسبة من أجل البرهنة على صحَّة المادة المنقولة أو المرويّة وموثوقيَّتها».

فالمقاربة التي يدشِّنها أركون ترتكز على النَّظر إلى التُّراث من خلال بُعْدَين عملت "المقاربة الثيولوجية الدوغمائيّة" على طمسها، وهما:

أولاً: تاريخيَّة كلّ العمليَّات الثَّقافيّة والممارسة العمليّة التي يندمج الكتاب المقدَّس بواسطتها داخل الجسد الاجتماعيّ ويمارس دوره فيه.

ثانيًا: سوسيولوجيا التلقّي أو الاستقبال، أي الكيفيّة التي تتلقى بها الفئات الاجتماعيّة أو الاثنيّة الاجتماعيّة المختلفة التُّراث[41].

3- الموقف الثيولوجي: أي إخضاع الثيولوجي لـ«القواعد والمناهج المشتركة المطبَّقة على كل عمليّة معرفيّة» ، ومن أجل ذلك لابُدَّ من دراسة الوحي انطلاقًا من "معطيات جديدة"، وهي معطيات الأنثروبولوجيا الدِّينية، وعلم نفس المعرفة اللَّذين يعلِّماننا بأنّ «الإيمان يتطابق عمومًا مع دوافع الرَّغبة الأكثر استعصاءً على الكبح، ومع مضامين الذَّاكرة الأكثر تعقيدًا، ومع تصورات المخيال الأكثر استيهامًا، ومع نبضات القلب الأكثر قوةً، ومع حاجات العقل الأكثر صرامة»[42].

يبدو أن أركون قد اتَّبع منهجًا في دراسة الخطاب الدِّينيّ يستند إلى منهج التَّحليل والتَّفكيك. والنَّقدُ عند أركون يهدف إلى إبراز الصِّفات اللِّسانيّة اللُّغوية للقرآن الكريم دون الوُصُول إلى حقيقةٍ بعينها؛ فهو ينفر منها بشدَّة، ويتلخَّص هدفه الأساس برفعِ قدسيَّة النَّص القرآني، وإبراز أسطوريَّته ولا عقلانيَّته، فهو لا يفتأ يردِّد مقولات النَّتشويّة الفرنسيّة، فهو يؤكِّد في كتابه «قضايا في نقد العقل الدينيّ» على القول: «وقد استمر العقل الحديث قبل مجيء ماركس ونتشه وفرويد في استغلال تلك المزودجات الثُّنائية الضِّديّة التي طالما استغلَّها الفكر القروسطي حتى شبع منها. أقصد بذلك المزدوجات التَّالية: خير/شر، صحيح/ خاطئ، جميل/قبيح، مادي/روحاني، فان/ باق، حلولي أو مُثولي/منزَّه أو متعال .. الخ»[43].

ولم يكتف العقل الحديث بهذا الإرث القروسطي، بل إنه أضاف إليه متضادات أخرى: تاريخي/ أسطوري، مقدس/دنيوي، ديني/سياسي، كنسيّة/دولة، روحي/زمني ... الخ[44].

يحمل أركون بشدَّة على الأدبيَّات الإسلاميّة القديمة والحديثة التي تعمل على تكفير الملل والأديان الأخرى، وتقسِّم البشريَّة إلى أتباع لدينٍ قَوِيمٍ وآخرين ضالين، فهو يقول: «ما كان في إمكانهم أن يتحرَّرُوا من النَّظرية اللاَّهوتيَّة القائلة: بالدِّين الحقّ من جهة، وبالنِّحل والأهواء الضالة من جهة أخرى»[45].

ولا يمكن بحسب أركون لأيّ فكر الثُّبوت على رأيٍ واحدٍ؛ لأنّ الأصل لا وجود له، فلا شيء يملك في ذاته مبدأ استقراره، ولا أصل يمكن تأصيله، فهو يؤكِّد على هذا المنهج بقوله: «أردت قبل كلِّ شيءٍ أن أنقد مفهوم الأصل وعمليَّة التَّأصيل، أو بالأحرى الإدِّعاء بإمكانيَّة التَّأصيل لفكرةٍ ما دينيّة أم علميّة أم فلسفيّة أم أخلاقيّة أم سياسيّة أم اقتصاديّة أم اجتماعيّة»[46].

إن منهجية محمد أركون في القراءة والتَّأويل تستند بحسب محمد المزوغي إلى القول: «ليس هناك حقيقةٌ على الإطلاق، وفي أيّ مجال من المجالات، ومن كان يرغب في اكتناه حقائق الأمور بموضوعيَّةٍ وتجرّد، فإن أركون يثبِّط من عزمه منذ البداية، ويُشعره بأنه خاسر لا محال في أول محاولة للدُّخول في معمعة الفكر.. فأركون يدحض القول بالوُصُول إلى الحقيقة، ويسمِّيه ادعاءات العقل الكلاسيكيّ التي كانت سائدةً قبل أن يُنقد منطق أرسطو على يد العلم الحديث. فنحن الآن على حدِّ قول أركون وصلنا إلى مرحلةٍ جديدةٍ "مرحلة نهاية اليقينيَّات"... فالإنسان إذن مؤطَّرٌ في النِّسبويّة، ومأسورٌ في اللاحقيقة، ودنياه التي يعيش فيها ولغتُه ومؤسَّساته هي سجن مؤبَّدٌ لا تترك له فرجة للنَّظر إلى العالم بموضوعيّة، ولا يمكّنهم من استمداد أيّ نوعٍ من اليقينيَّات»[47].

تاسعًا: منهج القراءة والتَّأويل عند نصر حامد أبو زيد:

لعل القراءة التَّأويليَّة التي توصَّل إليها نصر حامد أبو زيد هي الأكثر تطرُّفًا وغلوًّا في استخدامها المناهج الحداثيّة الغربيّة، وقد بدأ أبو زيد في طرح آليّات القراءة والتَّأويل في كتابه «مفهوم النّص: دراسة في علوم القرآن» الذي أصدره عام 1987م، وهو يعتمد منهجًا لسانيًّا تأويليًّا باعتبار القرآن نصًّا لغويًّا، والحضارة العربيّة الإسلاميّة بأنها حضارة نصّ، والنَّص القرآني يمثل في هذه الحضارة نصًّا مركزيًّا.. ويخلص إلى أنه إذا كان النَّص هو عنوان هذه الحضارة؛ فإن التَّأويل هو الوجه الآخر لفهم النَّص ومحاورته، وبالتَّالي سيكون التَّأويل بجانب النَّص هو الآليَّة الأساسيَّة والهامّة داخل الثَّقافة العربيّة الإسلاميّة، وفي هذا السِّياق ينتقد أبو زيد متابعًا الجابري وأركون القراءة السَّلفية التُّراثية التي أغفلت مفهوم النَّص واكتفت بترديدِ وتكرار أقوال القُدامى دون إضافة أيّ جديد[48].

ينطلق أبو زيد في قراءته للنَّص القرآني من رؤية تشبَّعت وفُتنت بتقليد واقع الحداثة الغربيّ، وذلك باعتبار الحداثة الغربيَّة مشروعًا كونيًّا مكتملاً ينتظر التَّحقق شرقًا، ومن المعلوم أن التّطبيق الغربيّ للحداثة انبنى على قطع الصِّلة بالماضي، نتيجةً لما طُبع في ذاكرتهم من صُنُوف التَّخلف التي عانوا منها في القُرُون الوُسْطى.

وعلى الرّغم من أن هذه الحال لا تنطبق على ذاكرة المسلمين؛ لأنّ هذه القُرُون شهدت حضارتهم، إلاّ أنّ بعض الدَّارسين كأبو زيد يصرُّون على أن الأمَّة المسلمة ينبغي أن تحذو في علاقتها بتُراثها وتاريخها حذو الغرب في علاقته بتُراثه وتاريخه.

إذ يطمح أبو زيد من خلال قراءته للقرآن أن يقطع الصِّلة بالتَّفاسير السَّابقة، طمعًا في تدشين عهدٍ تفسيريٍّ جديد، مع أن هذه القراءة لا تنطوي على إبداعٍ حقيقيٍّ موصول، فقطع الصِّلة بالتُّراث وتقليد الغير لا اجتهاد فيه من الذّات، وكل إبداعٍ هذا وصفه ينطبق عليه وصف البدعة.

ويسعى أبو زيد من خلال قراءته الحداثيَّة أن يحقِّق قطيعةً معرفيَّة مع القراءات التُّراثية بشقيها التّأسيسي والتَّجديدي، ومن المعروف أن هذه القراءات تمتاز بكونها تفاسير قرآنيّة تعمل على وضع الأسس النَّظرية للإيمان، وتسعى إلى تقوية أسبابه العمليّة، بمعنى أنها قراءاتٌ اعتقاديّة، أما القراءات الحداثيّة المزعومة فهي انتقاديّة؛ لأنها لا تريد أن تحصل على اعتقاد في الآيات القرآنيّة، وإنما تريد أن تمارس نقدها على هذه الآيات.

اتبع أبو زيد في تحقيق مشروعه النَّقدي على استراتيجيات أو خطط انتقاديّة متعدِّدة، تتكون من ثلاثة أركان وهي: الهدف النّقدي الذي تتوخَّاه، والآليّة التنسقيّة التي توصل إلى الهدف، والعمليّات المنهجيّة.

أما بخصوص الهدف الذي تسعى إليه قراءة أبو زيد فهو رفع العائق الاعتقادي من خلال التَّوسل بخطة الأنسنة بهدف رفع عائق القدسيّة الذي يتمثَّل في الاعتقاد (أن القرآن كلامٌ مقدَّس)، ويظهر ذلك جليًّا لدى أبو زيد من خلال الاعتماد على آليّة تنسيقيّة تعمل على نقل الآيات القرآنية من الوضع الإلهيّ إلى الوضع البشري من خلال حذف عبارات التَّعظيم مثل: القرآن الكريم أو القرآن العزيز، أو القرآن الحكيم، أو الآية الكريمة، واستبدالها بمصطلحاتٍ جديدةٍ مكان المتداولة؛ كاستعمال مصطلح الظَّاهرة القرآنية بدلاً من مصطلح نزول القرآن، والمدونة الكبرى والنص مكان القرآن الكريم، ومصطلح العبارة مكان الآية، والتَّسوية في الاستشهاد بين الكلام الإلهي والكلام الإنسانيّ، والتَّفريق بين مستويات مختلفة في الخطاب الإلهي، كالتَّفريق بين الوحي والتنزيل، والوحي والمصحف، والقرآن والمصحف، وكذلك بين القرآن الشّفوي والقرآن المكتوب، أو بين الوحي في اللَّوح المحفوظ والوحي في اللسان العربيّ.

ومن هذه العمليّات المنهجيّة المماثلة بين القرآن والنبي عيسى u فبحسب هذه القراءة الحداثيّة المقلّدة؛ فكما أن كلمة الله جُسِّدت في عيسى بن مريم، فكذلك كلامٌ تجسَّد في القرآن، وبناء عليه فعلى المسلمين الذين ينفون عن المسيح الطَّبيعة الإلهيّة، ويثبتون له الطَّبيعة الإنسانيّة، وجب عليهم أن ينفوا عن القرآن الطَّبيعة الإلهيَّة، ويثبوا له هو الآخر الطَّبيعة البشريَّة. كما يؤكَّد على ذلك أبو زيد في كتابه «نقد الخطاب الديني» بقوله: «والمقارنة بين القرآن والسيد المسيح من حيث طبيعة "نزول" الأول وطبيعة "ميلاد" الثاني تكشف عن وجوه التشابه بين البنية الدِّينية لكل منهما داخل البناء العقائدي للإسلام نفسه، ولعلنا لا نكون مغالين إذا قلنا أنهما ليستا بنيتين، بل بنيةٌ واحدة رغم اختلاف العناصر المكوّنة لكلٍّ منهما، فـ"القرآن كلام الله" وكذلك عيسى u "رسول الله وكلمته"»[49].

إن تطبيق هذه العمليَّات المنهجيَّة التأنيسيَّة عند أبو زيد تؤدِّي إلى جعل القرآن نصًّا لغويًّا مثله مثل أي نصٍّ بشريٍّ، وتترتَّب على مثل هذه المماثلة اللُّغوية: أنّ النّص القرآني هو مجرّد نصٍّ تم إنتاجه بحسب المقتضيات والظُرُوف الثَّقافيّة التي تنتمي إليها لغته، ولا يمكن بالتَّالي أن يُفهم أو يُفسَّر إلاّ بالعودة إلى المجال الثَّقافي الخاص، فبحسب أبو زيد «إن النُّصوص الدِّينية ليست في التَّحليل الأخير سوى نصوصٍ لغويَّةٍ، بمعنى أنها تنتمي إلى بنيةٍ ثقافيَّة محدَّدة ثم إنتاجها طبقًا لقوانين تلك الثَّقافة التي تعدّ اللُّغة نظامها الدَّلالي المركزي»[50].

وبهذا ينزل النَّص القرآنيّ من رتبة التَّعلق بالمطلق إلى رتبة التَّعلق بالنِّسبي، ومن هذه النَّتائج المترتبة على خطة الأنسنة: أن يصير النص القرآني نصًّا إجماليًّا وإشكاليًّا ينفتح على احتمالاتٍ متعددةٍ، ويقتبس تأويلات غير متناهية، وفصل النّص القرآني عن مصدره المتعالي وربطه كليًّا بالقارئ الإنسانيّ، وبهذا يصبح النَّص القرآني غير مكتملٍ، ولا يبعُدُ احتمال وجود نقصٍ فيه يتمثَّل في حذف كلامٍ منسوب إلى المصدر الإلهيّ عند التَّدوين أو عند وضع المصاحف، ولا يرفع احتمال وجود زيادةٍ قد تخدم مصلحة فئةٍ بحيث تقوي مركزها أو تشرّع سلطتها.

أما بخصوص الخطة الثانية التي يعتمد عليها أبو زيد في قراءته فهي خطة العقلنة، والتي تهدف إلى رفع عائق الغيبيَّة الذي يتمثل في الاعتقاد أن القرآن وحيٌ ورد من عالم الغيب، والآليّة المتبعة في إزالة هذا العائق هي التَّعامل مع الآيات القرآنيَّة بكل وسائل النَّظر والبحث التي توفِّرها المنهجيّات والنَّظريات الحديثة، ويتم التَّعامل بواسطة عمليَّات منهجيّة تستند إلى نقد علوم القرآن؛ فأبو زيد يعتقد أن هذه العُلُوم التي اختص بها علماء المسلمين تشكِّل وسائط معرفيّة متحجِّرة تصرفنا عن الرُّجوع إلى النَّص القرآني، وتحول دون قراءة تأخذ بأسباب النَّظر العقليّ كما أكد على ذلك مرارًا في كتابه: «مفهوم النّص: دراسة في علوم القرآن»[51].

كما توسَّل أبو زيد بمناهج مقررَّة في علوم الأديان تستخدم في تحليل ونقد التَّوراة والإنجيل، ونقلها إلى مجال الدِّراسات القرآنيّة باعتبارها واحدة، كعلم مقارنة الأديان وتاريخها وتاريخ التَّفسير واللاهوت، وكذلك بالمناهج المقرّرة في علوم الإنسان والمجتمع، لأنّ مقتضياته البحثيّة لا تختلف ولا يمتنع تنزيلها على النَّص القرآني وخصوصًا "اللِّسانيات" ، و"السيميائيات" ، و"التاريخ" ، و"الاجتماع" و"علم الإناسة" ، و"علم النَّفس" ، و"التَّحليل النَّفسي".

ولا يتورَّع عن استخدام جميع النَّظريات النَّقدية والفلسفيَّة المستحدثة من دون اكتراث لمآلات هذه النَّظريات، ولا يتجاوز بعضها لبعض ولا بأُفُول بعضها، وأهمُّها: اتجاهان؛ تحليل الخطاب والاتجاهات الجديدة في النَّقد الأدبيّ المتمثلة في البنيويَّات والتَّأويليات والحفريَّات والتَّفكيكيَّات، وإطلاق سلطة العقل من دون اعتبارٍ لحدودها وآفاقها ونتائجها، وقد أدّى الاجتهاد المقلّد في تطبيق العمليّات المنهجيّة التعقيليّة إلى جعل القرآن نصًّا دينيًّا مثله مثل أي نصٍّ دينيٍّ آخر، توحيديًّا كان أم وثنيًّا، وترتب على هذه المماثلة تغييرًا لمفهوم الوحي واستبداله بمفهوم تأويليٍّ يسوِّغه العقل، فيجري التَّعامل مع الأخبار على أساسِ أنَّها أساطير، والعبادات على أساس أنها طُقُوس جامدة.

ويفضي هذا التَّأويل العقلي للوحي بحمله على معنى الموهبة الإنسانيّة والمماثلة بين النُّبوة والعبقريَّة، ومن ثم حصر مفهومه في الجانب الأخلاقيّ والمعنويّ، ويترتب عليه عدم أفضليَّة القرآن على التَّوراة والإنجيل حتى فيما يتعلَّق بالحفظ من التَّبديل.

في هذا السِّياق يقول أبو زيد: «إن كل الخطابات تتساوى من حيث هي خطابات، وليس من حقِّ واحدٍ منها أن يزعم امتلاكه للحقيقة، لأنّه حين يزعم ذلك يحكم على نفسه على أنه خطابٌ زائف»[52].

وبالنَّتيجة فإنَّ النَّص القرآن يعاني من عدم الاتساق المنطقي، من حيث سوره وآياته وموضوعاته وترتيبه، ومتناقضٌ ويخلو من الاتّساق التّاريخي يؤدي إلى اختلالات في مساق الأحداث، كما أن النَّص القرآني بحسب هذه القراءة الحداثيّة المقلّدة تطغى عليه الاستعارات والمجازات بدلاً من الأدلَّة والبراهين، ولهذا فإنّ العقل الذي ينبني عليه هذا النَّص هو أقرب إلى العقل القصصي الأسطوريّ منه إلى العقل الاستدلاليّ المنطقي، وبهذا فإنّ كل ما يصادم العقل في النّص القرآني من قضايا أو أخبار لا يعدو كونه شواهد تاريخيّة على طورٍ من أطوار الوعي الإنسانيّ تم تجاوزه، فبحسب أبو زيد «السِّحر والحسد والجنّ والشّياطين مفردات في بنية ذهنيّة ترتبط بمرحلةٍ محدَّدة من تطور الوعي الإنساني»[53].

وعلى صعيد خطة الأرْخَنة التي تستهدف رفع عائق الحكميّة الذي يتمثّل في الاعتقاد أن القرآن جاء بأحكامٍ ثابتةٍ وأزليّة، فإن الآلية التنسيقيّة التي يتوسل بها لإزالة هذا العائق هي وصل الآيات بظروف بيئتها وزمنها وبسياقاتها المختلفة، حيث يقول أبو زيد: «نكتفي هنا بالتَّوقف عند مستويات السياق المشتركة والعامة جدَّا مثل السياق الثقافي الاجتماعي، والسياق الخارجي (سياق التَّخاطب) ، والسياق الدَّاخلي (علاقات الأجزاء) ، والسِّياق اللُّغويّ (تركيب الجملة والعلاقات بين الجمل) ، وأخيرًا سياق القراءة، أو سياق التَّأويل»[54].

ويتمُّ هذا الوصل بواسطةِ عمليَّات منهجية خاصة كتوظيف المسائل التّاريخية المسلّم بها في تفسير القرآن كأسباب النُّـزُول، والنّاسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والمكيِّ والمدني، ومسألة التّنجيم، حيث قام أبو زيد بتحميل هذه المسائل بتقرير البنية التّاريخية الجدليّة للآيات القرآنية لاكتساب شرعيّة ممارسة النّقد التّاريخي للآيات، متجاوزًا حدود التّفسير والفقه، وإضفاء النِّسبية على آيات الأحكام، وبهذا لا يمكن أن تَحْمل هذه الآيات معانٍ مستقرّة ولا مطلقة، ولا تقتصر صفة التّاريخيّة على آيات العبادات والاعتقادات، لأنّ القرآن كما يؤكِّد أبو زيد تابع لمستوى المعرفة للعصر الذي نزلت فيه، ولأولئك الذين توجَّه إليهم الخطاب، ولـمّا كان وعيهم دون مرتبة الوعي النَّقدي لزم أن تكون بعض هذه التّصورات ذات صبغةٍ أسطوريّة.

ولا يخفى على أحدٍ أن تطبيق هذه العمليّات المنهجيّة التّاريخيّة تؤدي إلى جعل القرآن عبارةً عن نصٍّ تاريخيٍّ مثله مثل أيّ نصٍّ تاريخيٍّ آخر، ويترتّب على ذلك نتائج خطيرة مثل:

1- إبطال المسلمّة القائلة بأن القرآن فيه بيان كلِّ شيءٍ.

2- لا يتضمّن النّص القرآني تمام التَّشريع.

3- إن آيات الأحكام تصبح بمنزلة توجيهاتٍ لا إلزام معها، واعتبارها توصيات نمطيّة لا تحمل صبغة القوانين التَّنظيمية.

4- ينحصر القرآن في الأخلاقيَّات الباطنيّة في صورة نصائح وإرشادات موجّهة بالأساس إلى ضمائر المسلمين وسرائرهم ليس أكثر.

ومن هنا فإنّ الدّعوة إلى تحديث الدِّين عند أبو زيد تعني الانسجام مع فلسفة الحداثة الغربيّة، ولا يخفى على من شغلته أمانة العلم والتَّكليف أن هذه القراءة التي يمارسها أبو زيد على التُّراث الإسلاميّ وأساسه النَّص القرآني لا تعدو كونها تطبيقاتٍ فجّة لواقع الحداثة الغربيّ تتَّسم بالتَّقليد والانفصال، ولا تتمتّع بالاجتهاد والاتّصال، وهي نتيجةٌ طبيعيةٌ تتَّسق منطقيًّا مع المبادئ الضَّابطة للواقع الحداثيّ الغربيّ، الذي يستند إلى مسلّمات:

·         وجوب الاشتغال بالإنسان، وترك الاشتغال بالإله من أجل التَّصدي للوصاية الرّوحيّة الكنسيّة.

·         وجوب التَّوسل بالعقل، وترك التَّوسل بالوحي، من أجل التَّصدي للوصاية الثقافيّة للكنيسة.

·         وجوب التَّعلق بالدُّنيا وترك التَّعلق بالآخرة، من أجل التَّصدي للوصاية السِّياسية الكنسيّة.

ولا يخفى ما في هذه الإسقاطات من عيوبٍ منهجيّة كفقد القدرة على النّقد، وضعف استعمال الآليات المنقولة، والإصرار على الآليات المتجاوزة، وتهويل النَّتائج المتوصَّل إليها، وقلب الحقائق الخاصة بالقرآن الكريم، وتعميم الشَّك على كلَّ مستويات النَّص القرآني كما بيَّن ذلك أستاذنا المفكر المغربيّ الإسلاميّ الأستاذ طه عبد الرحمن[55].

الخاتمة:

لا يخفى على أحد اليوم أن النصَّ سواءٌ أكان قرآنيًّا أم حديثيًّا أم تراثيًّا شكَّل أحد أهمِّ الانشغالات العربية والإسلامية في العصر الحديث، وذلك نظرًا لما يتمتع به النص من طاقةٍ خلاقة في تشكيل الواقع والمستقبل، ولا عجب إذن أن يطلق على الحضارة الإسلامية بأنها حضارة نص، وفي هذا السياق ظهرت في العالم العربي والإسلامي جملةٌ من المشاريع تشتغل على النصّ قراءة وتأويلاً من أجل النهوض بالواقع العربي والإسلامي لإنجاز حداثةٍ إسلامية جديدة، تساهم في الخروج من واقع التأخر التاريخي، وقد اشتدت الحاجة لإعادة النظر في مفهوم النص عقب الفشل الذريع الذي طال مشاريع التنمية والتحديث، وانتكاس النهضة.

ولعل السؤال المركزي لانشغالات المفكرين كان هو: كيف استطاعت حضارة تنبني على النص أن تنتج نهضةً تاريخيّة لا مثيل لها في الماضي، وكيف تحول النص في الحاضر إلى عائقٍ يؤشر على التخلف بحسب بعض القراءات الموسومة بالحداثية، وقد ازدادت الحاجة لإعادة النظر في مفهوم النص قراءةً وتأويلاً عقب أحداث 11 من أيلول (سبتمبر) 2001م، إذ أصبح السؤال يتمحور حول تفرد النص الإسلامي بإنتاج العنف والتطرف، ومقاومته للاندماج في القيم الكونية للحضارة الحديثة، وظهرت في هذا السياق جملة من الكتابات العدائية ترتكز إلى قراءات استشراقية وثقافوية ذهبت إلى الرَّبط بين النص الإسلامي والعنف.

وقد أدت هذه التحديات التي تواجه الأمة العربية والإسلامية إلى بروز مقاربات متعددة تتعلق بالنَّص قراءةً وتأويلاً يمكن تصنيفها إلى ثلاثة مقارباتٍ منهجية للإصلاح، وهي:

أولاً: الإصلاح من داخل المرجعيَّة الإسلاميّة، باستثمار مقاصد النَّص ومساحة الاجتهاد الواسعة فيه، من خلال تجديد أدوات وآليات قراءته وتأويله كقراءة طه عبد الرحمن، ورضوان السيد، وطارق رمضان، وطارق البشري، ومحمد سليم العوا، وغيرهم.

ثانيًا: ضرورة معالجة النصِّ الإسلاميّ، داخل التَّقليد الكتابيّ الذي ينتمي إليه، أي التَّقليد اليهوديّ - المسيحيّ، مما يعني عمليًّا إخضاع هذا النَّص لمناهج النَّقد والتَّأويل التي طُبِّقت على العهدين القديم والجديد، لغرضين مترابطين اثنين هما:

أ‌- من جهةٍ تبيان تاريخيته، والكشف عن حدود مجاله المرجعيّ.

ب‌-    ومن جهةٍ أخرى كسر قداسته، وتقويض بنيته الوُثُوقيّة، لفسح المجال أمام القيم الإنسانيّة التَّحديثيَّة التي هي شرط الانتماء للعصر، والاندماج في المنظومة الكونيَّة؛ كقراءة الطيب تيزيني وحسين مروة عبد الله العروي، وغيرهم، كما هو مبين في بحثنا بالتفصيل.

ثالثًا: تطبيق مناهج العُلُوم الإنسانيّة المعاصرة، وفلسفات التَّأويل الجديدة على هذا النَّص، من حيث هو خطابٌ لغويٌّ يستجيب فيما وراء طابعه المقدَّس الذي يقرُّ به المؤمنون لآليات التَّفكيك والقراءة التي طُبِّقت على مختلف النُّصوص، بما فيها النُّصوص ذات الطبيعة الميثيَّة؛ كقراءة محمد أركون ومدرسته من التوانسة كعبد المجيد الشرفي، ويوسف صديق، وكذلك نصر حامد أبو زيد، وغيرهم، وقد بينا في البحث الأسس والمنطلقات والمبادئ التي انبنت عليها هذه القراءات التي تعتمد على ثلاث خطط للقراءة والتأويل؛ وهي: خطة العقلنة والأنسنة والأرخنة.

إذا سلمنا بأن القراءة الحداثية للقرآن الكريم لم تحقق الهدف المنشود التي توخت إنجازه، ولا المقاصد الشريفة التي سعت إلى إحداثها في العالم العربي من التَّحرير و التَّنوير، وتَبَيَّن أنها جلبت مزيدًا من الاستلاب و الظُّلمة بسبب اعتمادها على مناهج حداثيّة مقلدة للنسق الغربي، وإسقاطها آليًّا على القرآن الكريم، الأمر الذي أدى إلى التشكيك في صحة النص القرآني وأصله الإلهي وقداسته وتمام تشريعه وصلاحيته , وإذا تقرر أنه لا سبيل إلى التحقق بالحداثة إلا بإنجاز تحرُّرٍ حقيقي من الوصاية والهيمنة للدخول في أفق الإبداع, فما هي آليات القراءة المبدعة للقرآن الكريم إذن؟

لا بد من التأكيد ابتداءً أنه لا سبيل للمسلمين من أجل الدخول في أفق الحداثة و إنجاز حداثة حقيقية مبدعة من تحقيق قراءة جديدةٍ للقرآن الكريم باعتباره أساس وجود الأمة الإسلامية، وسر صناعة تاريخها, الذي دشن الفعل الحداثي الإسلامي الأول، ومن هنا فان تدشين الفعل الحداثي الإسلامي الثاني لا يتحقق إلا بإبداع قراءة ثانية تعمل على تجديد الصلة بالقراءة النبوية الأولى، وتفجر الطاقات الإبداعية في عصرنا كما قرئت في العهد النبوي.

وإذا  كانت الحداثة في المجتمعات الغربية أُنجزت على أساس مواجهة المؤسسات الكنسية التي مارست وصايتها على الدين والثقافة والسياسة، وتسببت في وقوع حروبٍ دينية مزقت المجتمع, فإن الحداثة الإسلامية قامت على النقيض من مقتضيات الحداثة الغربيّة التي قامت على التّصارع مع الدين، وأنجزت إبداعًا منفصلاً على أساس القطيعة؛ فالحداثة الإسلامية الأولى قامت على أساس التفاعل مع الدين, ولا بد للحداثة الإسلامية الثانية أن  تسلك نفس المنهج التفاعلي إذا أرادت إنجاز  أبداعٍ متّصل.

هذا الإبداع الموصول يقوم على مقاصد و غايات وآليات غفلت عنها القراءات الحداثية المقلِّدة تارةً، و تنكرت لها تارة أخرى على الرّغم من اقترابها ظاهريًّا؛ فالخطط الإبداعية المتصلة للقراءة لا تقصد إلغاء القداسة باعتباره عائقًا معرفيًّا، وإنما تهدف إلى إلغاء كل تقديسٍ في غير موضعه كتقديس الذات أو الفرد, وبالتالي فإن خطة الأنسنة الإبداعية إنما تكون بقصد تحقيق "الكرامة الإنسانية" , فانتقال الآيات القرآنية من الوضع الإلهي إلى الوضع البشري يحقق كرامة الإنسان, وهو ما يعزز التّفاعل الديني؛ فالقرآن إنما هو وحي نزل بلسان الإنسان العربي، وان كان خطابه يتوجه إلى الإنسانية عامة, وبهذا لا جدال بأن القرآن إنما هو وحي اتخذ في شكل تبليغه وتحققه اللِّساني وضعًا إنسانيًّا, وهو ما يعيد الاعتبار للإنسان ليس بالتّخلص من سلطة الإله كما هو شأن القراءة المؤنسنة التي وقعت في رقِّ التقليد، وإنما بموافقة الإرادة الإلهية التي أرادت أن يكون الإنسان خليفةً في تدبير شؤون العالم, فخطة الأنسنة المبدعة تعمل على إعادة صلة الإنسان بخالقه وتحقيق كرامته, وتكشف عن مظاهر تكريم الإنسان وأسبابه ومراتبه في القرآن، وتستخرج الأدلة التي تؤكد على مبدأ الاستخلاف.

ولا تقصد خطة التعقيل الإبداعية إلغاء مفهوم الغيب كما فعلت القراءة المستلبة، وإنما عملت على توسيع مفهوم العقل في التعامل مع الآيات القرآنية، وذلك باستثمار وسائل النظر والبحث التي وفرتها المناهج والنظريات الحديثة, فالتعامل العلمي مع الآيات القرآنية يساهم في الكشف عن بعض المعالم الخفية المميزة للعقل الذي جاء به القرآن، وهو عقل الآيات وليس عقل الآلات والأدوات, وعقل القيم لا عقل النِّسب والعدد, الأمر الذي يوسع آفاق العقل بإدراك أسرار التوجهات القيميّة للإنسان والأسباب الموضوعية للوقائع, ناقلاً إياه من الطور المادي الخالص إلى مزاوجة المادي بالمعنوي.

وهكذا فانّ العمليات المنهجية التي تهدف إلى تحقيق العقلانيّة المبدعة من خلال قراءة النص القرآني تعمل على توسيع آفاق العقل باستثمار مبدأ التَّدبر الذي أرشدت إليه الآيات بوصل الظواهر المختلفة بالقيم والأخلاق، والأحداث بالاعتبار .

وإذا كانت القراءة الحداثية المقلِّدة للنسق الغربي للحداثة اعتمدت التَّاريخانية المنقولة من أجل إلغاء الأحكام  الشرعية باعتبارها عائقًا؛ فإن القراءة الإبداعية تهدف إلى ربط الآيات القرآنية بظروفها البيئية والزمنية، وسياقاتها المختلفة من أجل ترسيخ الأخلاق  والقيم, وهذا الوصل يعمل على تقوية التفاعل الديني؛ فالسياقات والظروف المخصوصة التي وردت فيها الآيات القرآنية ما هي إلا تجليات للتحقق الأمثل للمقاصد و الغايات التي جاءت بها هذه الآيات, ويعني هذا أنه كلما تجددت الظروف والسياقات لابد من تجدد تحقق هذه القيم التي تعمل على تجديد الإيمان بها, فالآيات القرآنية محفوظة بحفظ قيمها في مختلف الأحوال والأطوار, وبذلك فالتاريخ لا يستعيد اعتباره بإلغاء الأحكام، وإنما بتوسيع مفهوم الحكم بالمزاوجة بين الوجه القانوني والأخلاقي،مع التأكيد على أولوية الجانب الأخلاقي باعتبار أن الأخلاق ضرورات لا كمالات تؤسس لرقيِّ الإنسان وبناء حضارته،كما بين ذلك ابن خلدون وغيره من علماء الإسلام, وبناءً على ذلك فان الانشغال بالسلوك في الحياة في خطة القراءة القرآنية التّاريخية الإبداعية تتجاوز التاريخية التي وقعت في التّقليد من خلال العناية بالسلوك الدنيوي، باعتبار أن الأخروي عائق في سبيل تحقيق الحداثة, وتستند القراءة التاريخية المبدعة إلى عمليات منهجية تكشف عن مختلف أشكال التَّخلق ومواضعه ونماذجه ودرجاته في النص القرآني، واستخراج الأدلة التي ترسخ مبدأ الاعتبار التي دعت إليه الآيات القرآنية, فالأحداث التاريخية التي تذكرها هذه الآيات ليست مجرّد وقائع تنبني على أسبابٍ موضوعية، وإنما هي موجهة لتحقيق مقاصد وغايات وقيم مخصوصة تشكِّل عِبرا للإنسان للعمل بها في تغيير نمط سلوكه  ومجرى حياته.

فالنص القرآني الخاتم يمتد في الزمان، ولا بد أن نبحث في الآيات القرآنية لا عن علامات الماضي فنقع في الماضوية المضرة، و إنما يجب البحث عن علامات الحاضر لتحقيق الاهتداء في القادم, في سبيل صناعة تاريخيّة مستقبليّة, و بهذا يصبح النص القرآني نصًّا راهنًا راهنيَّةً دائمة لا تنقطع, فقد اختص القرآن بقيم أخلاقية وروحية عليا.

و من المعلوم أن القيم لا تتأثر بتغير الأزمان كما هو شأن الوقائع المتغيرة، بل إن القيم هي التي تؤثر في الزمان و تغيِّرُه، وتطبيقها هو الأساس في صناعة التَّاريخ و الحضارة.

إن تحديث الفكر الإسلامي لا بد أن يمر عبر تحقيق قراءة حداثيّة للآيات القرآنية تتسم بالإبداع والجدِّة, ولا يكون الإبداع حقيقيًّا إلا إذا كان إبداعًا موصولاً يأخذ بأسباب وآليات إنتاج التراث التفسيري والثقافي الإسلامي، وإذا كانت القراءة الإبداعية تتفق مع خطط القراءة المقلدة في بعض جوانبها التنسيقية؛ فإنها تختلف عنها بما تحققه من ترشيد التّفاعل مع النص القرآني، والقيام بتدشين أهداف نقديَّة تحقِّق مقاصد تكريم الإنسان بدلا من رفع القداسة, و تعمل على توسيع آفاق العقل بدلاً من إقصاء الغيب, وتشدد على ترسيخ الأخلاق بدلاً من تعطيل الأحكام الشرعية, تأسيسا على مبادئ الاستخلاف والتدبر والاعتبار .       

الهوامش:

[1] عبد الإله بلقزيز: «أسئلة الفكر العربي المعاصر» ، مطبعة النجاح الجديدة، دار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى، 2001م، ص 86.
[2] المرجع السابق، ص87.
[3] د. محمد جابر الأنصاري: «مساءلة الهزيمة» ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2001م، ص12.
[4] د. عبد العزيز حمودة: «المرايا المقعرة» ، عالم المعرفة، مطابع الوطن، الكويت، أغسطس آب، 2001م، ص28.
[5] د. السيد ولد أباه: «عالم ما بعد 11 سبتمبر 2001: الإشكالات الفكرية والاستراتيجيّة» ، الدار العربية للعلوم، بيروت، الطبعة الأولى، 2004، ص104.
[6] المرجع السابق، ص104- 105.
[7] حميد سمير: «الهيرمنيوطيقا والنَّص القرآني: نقض وتجريح» دار البيارق، عمّان، ص3.
[8] ادوارد سعيد: «الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء» ترجمة كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، الطبعة الثانية، 1984، ص55.
[9] إدريس هاني: «خرائط أيديولوجية ممزقة» مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 2006، ص173.
[10] طه عبد الرحمن: «روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية» المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء - بيروت، الطبعة الأولى، 2006، ص175- 176.
[11] السيد ولد أباه: «أزمة التنوير في المشروع الثقافي العربي المعاصر: إشكالية نقد العقل نموذجًا»، ضمن «الثقافة والمثقف في الوطن العربي» مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، 1992،ص198.
[12] للمزيد حول الفكر الإصلاحي، انظر بحثنا في مؤتمر «الفلسفة في الفكر الإسلامي: قراءة منهجية ومعرفية» نظَّمها المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وهي  بعنوان: «فلسفة الأنوار والفكر الإصلاحيّ العربيّ الإسلاميّ».
[13] انظر محمد عابد الجابري: «الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية» مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ص 62.
[14] علي عبد الرازق: «الإسلام وأصول الحكم» الطبعة الثالثة، 1925، ص65.
[15] علي أومليل: «سؤال الثقافة: الثقافة العربية في عالم متحول» مركز الثقافي العربي، الدار البيضاء - بيروت، الطبعة الأولى، 2005، ص 23.
[16] طه حسين: «مستقبل الثقافة في مصر» الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1993، ص33.
[17] حسن حنفي: «في الفكر العربي المعاصر» ص 27.
[18] حسن حنفي: «من العقيدة إلى الثورة» المركز الثقافي العربي، بيروت، 1999، ج1/ص19.
[19] ياسين الحافظ: «الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة» ضمن الآثار الكاملة، دار الطليعة، بيروت، 1979، ص276.
[20] عبد الله العروي: «العرب والفكر التاريخي» دار الحقيقة، بيروت، الطبعة الثالثة، 1980، ص49.
[21] المرجع السابق، ص146.
[22] السيد ولد أباه: «أزمة التنوير في المشروع الثقافي العربي المعاصر: إشكالية نقد العقل نموذجًا» ، ضمن «قضايا التَّنوير والنَّهضة في الفكر العربي المعاصر» مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، 1999، ص 99.
[23] عبد السلام بنعبد العالي: «الميتافيزيقا: العلم والأيديولوجيا» ، دار الطليعة، بيروت، 1981، ص134.
[24] ميشيل فوكو: «حفريَّات (= أركيولوجيا) المعرفة)» ، ترجمة: سالم يفوت، المركز الثقافي العربي، بيروت - الدار البيضاء، 1986، ص13.
[25] محمد عابد الجابري: «الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقديّة» ، المركز الثقافي العربي، بيروت، ص33.
[26] المرجع السابق.
[27] د. محمد عابد الجابري: «نحن والتراث» المركز الثقافي العربي، بيروت - الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1980، ص8.
[28] المرجع السابق ص 10.
[29] المرجع السابق ص12.
[30] المرجع السابق ص13.
[31] د. محمد عابد الجابري: «نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي» ، المركز الثقافي العربي، بيروت - الدار البيضاء، 1986، ص 19-21.
[32] المرجع السابق: ص 21-25.
[33] المرجع السابق ص: 25-26.
[34] د. محمد عابد الجابري: «الخطاب العربي المعاصر» ، مرجع سابق، ص 12.
[35] د. محمد عابد الجابري: «مدخل إلى القرآن الكريم» ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، 2007، ص327.
[36] إبراهيم أعراب: «سؤال الإصلاح والهويّة: من السياق السلفي إلى مشروع الحداثة» أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2007، ص300.
[37] محمد أركون: «تاريخية الفكر العربي الإسلامي» ترجمة: هاشم صالح، مركز الإنماء القومي، بيروت، الطبعة الأولى، 1986، ص15.
[38] السيد ولد أباه: «أزمة التنوير في المشروع الثقافي العربي المعاصر» ، مرجع سابق، ص 107.
[39] محمد أركون: «تاريخيّة الفكر العربي الإسلامي» ، مرجع سابق،  ص 16.
[40] محمد أركون: «الفكر الإسلامي: قراءة علمية» ، مركز الإنماء القومي، بيروت، 1987، ص 32- 35.
[41] المرجع السابق، ص 35-44.
[42] المرجع السابق، ص 44 - 47.
[43] محمد أركون: «قضايا في نقد العقل الديني: كيف نفهم الإسلام اليوم؟» ترجمة وتعليق: هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 1998، ص 238.
[44] المرجع سابق، ص 238.
[45] محمد أركون: «القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني» ، ترجمة وتعليق: هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 2001، ص6.
[46] محمد أركون: «الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي» ترجمة وتعليق: هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 2002، ص 9.
[47] محمد المزوغي: «العقل والتاريخ منابع إسلاميات محمد أركون» المستقبل العربي، العدد: 342، آب أغسطس 8/2007، السنة الثلاثون، ص 45- 46.
[48] د. نصر حامد أبو زيد: «مفهوم النص: دراسة في عوم القرآن» المركز الثقافي العربي، بيروت - الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 1994، ص11.
[49] نصر حامد أبو زيد: «نقد الخطاب الديني» ، مكتبة مدبولي، القاهرة، الطبعة الرابعة، 2000، ص204- 205.
[50] المرجع السابق، ص203.
[51] نصر حامد أبو زيد: «مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن» ، مرجع سابق، ص13- 17.
[52] نصر حامد أبو زيد: «النص والسلطة والحقيقة: إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة» المركز الثقافي العربي، بيروت - دار البيضاء، الطبعة الرابعة، 2003، ص8.
[53] نصر حامد أبو زيد: «نقد الخطاب الديني» ، مرجع سابق، ص212.
[54] نصر حامد أبو زيد: «النص والسلطة والحقيقة: إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة» ، مرجع سابق، ص96.
[55] طه عبد الرحمن: «روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية» مرجع سابق، ص 188- 190.

 

* المصدر: الملتقى الفكري للإبداع

Add a comment

النص القرآني ومشكل التأويل


* مقدمة:

يستطيع المتتبع لجدل الأفكار وصراع المذاهب واختلاف النظريات أن يرجع ذلك إلى قضية المعنى ومشكل التأويل. فالأديان والفلسفات وإن أجمعت على تسميات واصطلاحات ومواضعات فإنها اختلفت في المعاني التي حملتها هذه الاصطلاحات اختلافاً وصل إلى حد التعارض والانشطار. فالائتلاف حاصل في الأوضاع الأصلية للمفاهيم، بينما الاختلاف ظاهر في تأويلات المفاهيم واستعمالاتها. لهذا احتل مفهوم التأويل حيزاً معتبراً في المجال التداولي العربي الإسلامي وارتبطت به المعارك الكلامية المعروفة، وجر المسلمين إلى كثير من الجدال والصراع حتى إن ابن القيم ردّ إليه ما أصاب المسلمين من فرقة وخلاف.1

ولعل معترضاً يقول: ما فائدة الاشتغال بقضية التأويل وقد أصبحت طللاً دارساً لا يكاد يجيب؟ وقتلت بحثاً حتى أن المتقدم لم يترك للمتأخر مجالاً للزيادة والاستطراد؟ ثم أن القرآن الكريم قد فُسّر وأُُوِّل وانتهى البحث في معانيه؟ وتوضحت طرق استخلاصها. وتقوم هذه الدعوى على أساس فكري، ومستند نظري له أبعاده النفسية والحضارية ولذلك سأتخذ من اعتراضها السالف مدخلاً لهذا الموضوع الخطير مستهدفاً التوسط بين إجابتين تطرفتا تعصباً وتسيباً وانغلاقاً وسيولة.

فهناك من يعتقد أن كتاب الله قد فسره العلماء الراسخون في العلم تفسيرات أضاءت -على سبيل الاستغراق- معانيه، وما علينا إذا أردنا أن نعود منه بقبس من الفهم وشهاب من الإدراك سوى أن نعكف على هذه المصنفات الجليلة ففيها ما يشبع النهم ويروي صدى الصادي. ولا مجال بعدها لمستزيد، ولا لمجتهد برأيه في كتاب الله.

وهناك في الطرف المقابل اتجاه يرى أ ن النص القرآني نص لغوي مفتوح على جميع التأويلات، ولهذا فمعنى النص يتعدد بتعدد قراءاته ويتنوع بتنوعها، ويلتقي الاتجاهان –من حيث اعتقاد التناقض- في غاية واحدة هي قتل المعنى واغتياله.

وسنحاول بإذن الله التطرق إلى المحاور الآتية:

1- معنى مصطلح التأويل: حاولنا سبر غور هذا المصطلح، وإعادة النظر في تعريفاته، فتبين كيف أن الخلاف في مضمونه في التراث كان خلافاً لفظياً وليس كما يظن الكثيرون انشطاراً في الرؤى بين مؤيد للتأويل ومعارض له.

2- المعنى التاريخي وانحسار التأويل: تطرقنا فيه للموقف المتعصب من التأويل.

3- المعنى الذاتي وانحراف التأويل: عرضنا فيه للموقف المتسيب من التأويل.

4- الأصول الدينية لنظرية التأويل الحديثة: وأبرزنا فيه مظاهر الترابط والتداخل في الآراء النقدية الغربية حول ظاهرة النصّية بين التصورات الأدبية وخلفياتها الدينية.

5- ضوابط التأويل: وتتضمن اقتراح مجموعة من الضوابط العاصمة من قواصم الإتجاهين السابقين. * مفهوم التأويل:

لقد مرّ مصطلح التأويل بمرحلتين:2

1- المرحلة الأولى: تميزت بكون المصطلح حمل فيها دلالته اللغوية الأصيلة.

2- المرحلة الثانية: حمل فيها المصطلح على دلالته الاصطلاحية الحادثة، ويشير ابن تيمية رحمه الله إلى هاتين المرحلتين بقوله: "إن التأويل في عرف المتأخرين من المتفقهة والمتكلمة والمحدثة والمتصوفة ونحوهم هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به، وهذا هو التأويل الذي يتكلمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف... وأما التأويل في لفظ السلف فله معنيان: أحدهما تفسير الكلام وبيان معناه سواء وافق ظاهره أو خالفه فيكون التأويل والتفسير عند هؤلاء متقارباً أو مترادفاً، وهذا -والله أعلم- هو الذي عناه مجاهد أن العلماء يعلمون تأويله، ومحمد ابن جرير الطبري يقول في تفسيره: القول في تأويل كذا وكذا، واختلف أهل التأويل فلي هذه الآية ونحو ذلك ومراده التفسير. والمعنى الثاني في لفظ السلف وهو الثالث من مسمى التأويل مطلقاً هو نفس المراد بالكلام."3

ونمثل للمرحلة الأولى بما ورد في المعاجم اللغوية القديمة، حيث ركزت على التفسير اللغوي للمصطلح. ولم تشر إلى معانيه الاصطلاحية الحادثة، قال الأزهري (توفي 280ﻫ) في التهذيب في مادة (آل) فيما حكاه عن ابن الأعرابي: "الأول الرجوع وقد آل يؤول أولاً"4. وعن الأصمعي: "آل القطران يؤول أولاً إذا خثر"5. وفي هذا المعنى المآل والعاقبة وينسجم معه معنى آخر وهو السياسة"، قال [أي الأصمعي]: وآل مآله يؤوله إيالة إذا أصلحه وساسه، قال لبيد:

يصوح صافية وضرب كرينة بمؤثـر تأتالـه إلهامـها

إنما هو "نفتعله" من ألته أي أصلحته."6

فالسياسة إنما تكون بقصد إصلاح الأمر والبلوغ به إلى المآل الأسلم، وهو بهذا ينسجم مع معنى العاقبة كما أسلفنا.

وقال الأزهري: "قلت ومنه قولهم ألنا وإيل علينا أي سسنا وساسونا، ويقال لأبوال الإبل التي جزأت بالرطب في آخر جزئها: قد آلت تؤول أولاً، أي خثرت فهي آيلة وقال ذو الرمة:

ومن آيل كالورس تصح سكوبه متون الحص من مضمحل ويابس

ويقال طبخت النبيذ حتى آل إلى الثلث أو الربع أي رجع."7

والملاحظ في المعاني التي ساقها الأزهري أنها تدور حول معنيين: معنى الرجوع ومعنى العاقبة. ولم يبتعد ابن فارس (توفي395ﻫ( عن هذين المعنيين إذ قال: "أول، الهمزة والواو واللام أصلان، ابتداء الأمر وانتهاؤه... وآل يؤول أي رجع. قال يعقوب: أول الحكم إلى أهله أي أرجعه وردّه إليهم، قال الأعشى: أوول الحكم إلى أهله.

قال الخليل: آل اللبن يؤول أولاً وأوولاً: خثر... قال أبو حاتم: ... والغيالة السياسة من هذا الباب لأن مرجع الرعية إلى راعيها... ومن هذا الباب: تأويل الكلام وهو عاقبته وما يؤول إليه."8

ويجعلنا هذان المعنييان اللذان يدور عليهما مصطلح التأويل عند المتقدمين نسأل عن مستند الإمام الطبري (310ﻫ) في جعل "التفسير" من مرادفات التأويل حين قال: "وأما معنى التأويل في كلام العرب فإنه التفسير والمرجع والمصير."9

ونستطيع أن نجيب عن هذا التساؤل بأحد هذه الاحتمالات:

• إما أن المعاجم اللغوية أغفلت هذا المعنى، وهو احتمال غير وارد إذ تستحيل المواطأة على إغفال معنى يتمتع بوظيفة إجرائية مهمة في مجال التداول العربي وهي وظيفة يستمدها من علاقته بالقرآن الكريم.

• أو أن معنى التفسير نفسه كان معنى اصطلاحياً حادثاً، وإذ سلمنا بهذا –وهو لا يبعد- سقط الاعتراض على تحميل مصطلح التأويل معاني ودلالات أخرى مع تطور الزمن، فيكون المعنى المتأخر للتأويل –وهو الحمل على غير مقتضى الظاهر- معنى معتبراً في مجال التداول.

• أو أن الطبري رأى في الإرجاع والعاقبة معنى التفسير، أي إرجاع الألفاظ والعبارات إلى معانيها المقصودة، أو الوصول باللفظ إلى معناه المراد.

أما المرحلة الثانية فنمثل لها بلسان العرب لابن منظور حيث نجده يسوق المعاني الأولى للتأويل، لكنه يزيد عليها المعنـى الجديد الذي استقر عند علماء الكلام والأصول وغيرهم كما أشار إلى ذلك ابن تيمية، قال صاحب اللسان: "الأول الرجوع... وأول الكلام وتأوله: دبره وقدره، وتأوله وفسره... والمراد بالتأويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ."10

فهذا المعنى الأخير، الذي لم نجده في المعاجم المتقدمة له صله بالتطور الحاصل في علم التفسير، إذ مع استقواء ظاهرة النـزاع الكلامي احتيج إلى حمل ما لا ينسجم من القرآن مع المذهب الاعتقادي على غير مقتضى الظاهر ليتسق المعنـى القرآني مع اعتقاد المفسر. ولقد ساد هذا المعنى الاصطلاحي الجديد حتى رفع من قدر التأويل فجعل متعلقاً بالدراية واقتصر التفسير على الرواية،11 كما أن التأويل أصبح مدار اشتغاله على المعاني، ووقف التفسير عند حدود المفردات والألفاظ.12

وفي هذه المرحلة أصبح التأويل على صلة كبيرة بالمجاز، ويظهر هذا عند الإمام الغزالي، فالتأويل عنده "عبارة عن احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي يدل عليه الظاهر، ويشبه أن يكون كل تأويل صرفاً للفظ عن الحقيقة إلى المجاز."13

وهذا ما نجده عند الآمدي في الأحكام14 والباجي في إحكام الفصول15 وغيرهما. ذلك أن التأويل والمجاز يلتقيان في معنى واحد هو العدول عن اعتبار ظواهر الألفاظ والعبارات، فالتأويل: "صرف الكلام عن ظاهره إلى وجه يحتمله"،16 والمجاز "كل لفظ تجوز به عن موضوعه."17

وبالجملة فإن مفهوم التأويل يدور حول معان ثلاث:

التوضيح: ويكون التأويل فيه مرادفاً للتفسير حيث تشير الأوضاع اللغوية اشتقاقاً وتركيباً إلى المعنى من غير التوسل بالآليات الاستدلالية الذهنية أو اللغوية. ولقد ذهب ابن تيمية رحمه الله إلى أن هذا هو المقصود من مصطلح التأويل عند مجاهد والطبري18 وهذا غير مسلم به إلا على جهة التغلب، فنحن نعرف أن مجاهداً  من الذين توسعوا في استعمال العقل في التفسير حتى عدَّ نواة التفسير العقلي، بل حكى الطبري عنه نفيه لرؤية الله مما يفيد حمله للغة القرآن على مقتضى الظاهر أحياناً، أما الطبري فلم يكن التأويل عنده يعني التفسير مطلقاً بل استعمله أيضاً في معنى الترجيح.19

التصيير: والمقصود منه التحقق العيني للدلالة اللغوية في القرآن ومآلها إلى فعل واقعي ويشير لهذا قوله تعالى:﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ (الأعراف:53). فتأويل القرآن هنا معناه تحقق نبوءاته وأخبار وعده ووعيده، وهذا هو ما عناه ابن تيمية من أن معنى التأويل هو نفس المراد بالكلام.20

الترجيح: ومداره حمل اللفظ على أحد محتملاته من المعاني بدليل يقترن به، ويستلزم الانتقال الترجيحي استثمار آليات استدلالية نصية وذهنية تسعف ضبط عملية التأويل وتلمس الخيوط الرابطة بين المعنى المتبادر والمعنى التأويلي، ولهذا جعلوا التفسير متعلقاً بالرواية، والتأويل متعلقاً بالدراية.21

وإذا كان هذا الذي بسطناه متعلقاً بالخلاف في المصطلح من جهة اللغة، فإن ثمة خلافاً أشد في إعماله النصي، أقصد تفسير القرآن، واستمر هذا النـزاع في طريق خطي متصاعد إلى حيث اكتمال ملامح مدرستين في التفسير هما: مدرسة الرأي المعتمدة على العقل في التأويل، ومدرسة الأثر المستندة إلى النقل.

ولو عدنا إلى أحد التفاسير المبكرة والمعتمدة كتفسير الطبري لاتّضح بجلاء أن التربة الفكرية التي نـزل فيها القرآن كانت مؤهلة لاستثارة مشكل التأويل، فقد اختلف المسلمون الأوائل (السلف) في تفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنـزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) (آل عمران:7)، على رأيين:

واحد يقصر معرفة تأويل القرآن على الله تعالى، ولا يشرك معه أحداً في العلم بذلك التأويل، وأما الثاني فيشرك مع الله الراسخين في العلم من العلماء، ونحن لا يهمنا هنا اعتماد موقف معين أو نصرته، ولكن المقصود أولاً فهم أسباب هذا الخلاف، والتدليل على توافر أرضية صلبة ومناسبة لنشأة السجال حول التأويل منذ عهد مبكر من عمر الرسالة الخاتمة.

فقد ذهب أصحاب الرأي الأول إلى أن جملة "(وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)" مستأنفة على الابتداء ويلزم الوقف عند القراءة على كلمة "(الله)"، وهو بهذا يفردون الله بمعرفة تأويل القرآن، وقد أورد الطبري أقوال أصحاب هذا الرأي من الصحابة كعائشة رضي الله عنها، وابن عباس،22 ومن العلماء كالإمام مالك بن أنس.23 ومُثّل لأصحاب الرأي الثاني –الذي مفاده إشراك العلماء مع الله في الحكم أي معرفة التأويل- بابن عباس أيضاً!! ومجاهد ومحمد بن جعفر بن الزبير.24 والذي نستخلصه مما أورده الطبري أن الخلاف في الحقيقة دائر على مصطلح التأويل ومحتملاته في اللغة والاصطلاح، فالتأويل الوارد في سياق الآية يشير إلى معانٍ مختلفة، ولهذا نجد الإمام الطبري يثبت هذه المعاني دون إظهار الخيط الرابط بينهما، ولو فعل ذلك لاتّضح سبب الخلاف ومآله بين الاتجاهين.

-فالمعنى الأول أشار إليه حين قال: "اختلف أهل التأويل في معنى "التأويل" الذي عنى الله جلّ ثناؤه بقوله: (وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ)، فقال بعضهم: معنى ذلك الأجل الذي أرادت اليهود أن تعرفه من انقضاء أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وأمر أمته من قبل الحروف المقطعة من حساب الجمل مثل: (الم)، و(المص)، و(الر)، و(المر)، وما أشبه ذلك من الآجال."25 فمعنى التأويل هنا هو العاقبة، واستدل على هذا المعنى بما روي عن ابن عباس رضي الله عنها من أن التأويل تأويل يوم القيامة،26 وما روي عن السدي الذي قال: "وتأويله عواقبه".27

والمعنى الثاني قال عنه الطبري: "وقال آخرون: معنى ذلك وابتغاء تأويل ما تشابه منآي القرآن يتأولونه إذا كان ذا وجوه وتصاريف في التأويلات على ما في قلوبهم من زيغ وما ركبوه من الضلالة."28

فالخلاف في تفسير الآية بين الصحابة والعلماء إذاً خلاف لفظي، والسبب راجع إلى حمل التأويل على بعض محتملاته في اللغة والاصطلاح دون بعض. فإذا كان التأويل هو التفسير والمرجع والمصير،29 فإن القول بقدرة العلماء على تأويله بالمعنى الثاني الذي هو العاقبة ومعرفة الغيب –وهي أشياء اختص الله تعالى بعلمها ويمتنع عقلاً وشرعاً وجود شريك له فيها- جنوح عن المقصود، وحمل للمصطلح على غير مدلوله، وهو ما لا يجوز اختلاف المسلمين حوله، بله الصحابة الكرام والتابعين وعلماء الأمة. ولهذا نستطيع –مطمئنين- استبعاد إرادة هذا المعنى من لدن من أشرك مع الله غيره في معرفة التأويل، كما سنتمكن من فك التعارض الوارد في الروايتين اللتين ساقهما الطبري عن ابن عباس والتين بمقتضاهما يكون رأي ابن عباس ممثلاً للاتجاهين معاً في وقت واحدٍ، وهذا في غاية التناقض، إذ لم نضع في الاعتبار اختلاف الفهم لمصطلح التأويل فمن المؤكد أن ابن عباس رضي الله عنهما لا يجرؤ أن يدعي معرفة التأويل الذي هو المصير والعاقبة، ولهذا روي عنه نفي الاشتراك مع الله في معرفة هذا النوع من التأويل30 غـير أنه من الراجح أن يأنس في نفسه القدرة على معرفة التأويل الذي معناه التفسير او الترجيح بين معاني الألفاظ والتراكيب، ولهذا روي عنه قوله: "أنا ممن يعلم تأويله".31 ومن هنا نستنتج أن الخلاف في مفهوم التأويل كان خلافاً لفظياً في أغلب جوانبه اللهم إلاّ ما كان متعلقاً بالتأويل الاعتقادي الكلامي، ولا نجازف إذا قلنا إن الاتفاق على معاني التأويل الثلاثة: التوضيح والترجيح والتصيير كان حاصلاً من حيث المضمون إذ استثمر المفسرون بالمأثور أيضاً الترجيح المعتمد على الاستدلال، ولم يغفل المفسرون بالرأي أهمية التوضيح في ضبط المعنى فاعتمدوا أيضاًُ على الإسناد العقلي. أما الخلاف الحقيقي فلم يكن مجترحاً في هذا المجال بل كان مرتبطاً بمجال توظيف عملية التأويل وكيفية هذا التوظيف. * المعنى التاريخي وانحسار التأويل:

نقصد بالمعنى التاريخي (Historical meaning) مجمل المعاني التي استنبطها المفسرون الأوائل كالصحابة والتابعين والعلماء بعدهم، والتي مثلت إطاراً دلالياً للغة القرآنية. غير أن المعنى التاريخي يثير كثيراً من المشكلات في الفهم والتفسير المتجدد للنص، إذ يؤدي الارتكاز عليه وحده إلى السقوط في تعارض بين التأطير التاريخي للمعنى القرآني وبين صلاحيته لكل زمان ومكان ومن جهة أخرى يؤدي ذلك إلى الوقوع في وهم المطابقة بين الكلام المفسر والكلام المفسَّر في التنـزيه والقدسية. والواقع أن رهن المعنى في دلالته التاريخية مثَّل خطراً على الفكر الإسلامي، وعلى النصّ القرآني في حد ذاته، إذ جرد كلام الله تعالى من الشهادة الخالدة على الناس، والتحرك الإيجابي مع صيرورة التاريخ البشري. لقد كانت دوافع أصحاب هذا الاتجاه مفهومة، إذ واجهوا تياراً لا يقل خطورة على النص منهم، وهو تيار غالى في تجاهل المعنى التاريخي وأنتج تأويلات شاذة بعيدة عن مقصدية المبدع المنـزل.

لذلك حصر أصحاب الدعوة لاعتبار المعنى التاريخي مهمة المفسِّر في النقل والإسناد وأنكروا استعمال الرأي في استخراج المعنى لأنه –أي المعنى- معطى سلفاً وغاية ما يتحرك فيه عقل المفسر هو الترجيح بين المعاني التاريخية المختلفة والاختيار بينها بواسطة الإسناد وتحقيق النص كالجرح والتعديل. ولقد أشار أبو حيان الأندلسي (توفي745ﻫ) إلى هذا حين قال: "وقد جرنا الكلام يوما مع بعض من عاصرنا فكان يزعم أن علم التفسير مضطر إلى النقل في فهم معاني تراكيبه بالإسناد إلى مجاهد وطاوس وعكرمة وأضرابهم، وأن فهم الآيات متوقف على ذلك. والعجب له أنه يرى أقوال هؤلاء كثيرة الاختلاف متباينة الأوصاف متعارضة ينقض بعضها بعضاً، ونظير ما ذكره هذا المعاصر أنه لو تعلم أحدنا مثلاً لغة الترك إفراداً وتركيباً حتى صار يتكلم بتلك اللغة ويتصرف فيها نثراً ونظماً، ويعرض ما تعلمه على كلامهم فيجده مطابقاً للغتهم قد شارك فيها فصحاءهم، ثم جاءه كتاب بلسان الترك فيحجم عن تدبره وعن فهم ما تضمنه من المعاني حتى يسأل عن ذلك: "سنقراً" التركي أو "سنجراً"؛ ترى مثل هذا يعد من العقلاء؟ وكان هذا المعاصر يزعم أن كل آية نقل فيها التفسير عن السلف بالسند إلى أن وصل ذلك إلى الصحابة، ومن العرب الفصحاء الذين نـزل بلسانهم... وعلى قول هذا المعاصر يكون ما استخرجه الناس بعد التابعين من علوم التفسير ومعانيه ودقائقه وما احتوى عليه من علم الفصاحة والبيان والإعجاز لا يكون تفسيراً حتى ينقل بالسند إلى مجاهد ونحوه وهذا كلام ساقط."31

لقد استند معارضو التفسير بالرأي إلى بعض الآثار الموهمة لما ظنوه من إنكار تأويل القرآن على مقتضى ما تشير إليه اللغة، والعلوم التي اكتسبها المفسر.

ولعل العلماء الذين ناصروا –باعتدال- التفسير بالرأي كانوا على وعي بخطورة ما يؤدي إليه توقف الأنظار عن معانقة كتاب الله واستخلاص معانيه بحسب تغير الأزمان والأحوال، ففتحوا باب الاجتهاد في التفسير، وأدركوا سر قابلية المعنى القرآني للتجدد والاختلاف، إذ لو أراد الله تعالى أن يجمع الناس على معانٍ محددة لأنـزل القرآن محكماً كله، ولأوصى رسوله أن يفسره كله. ولكنه شاء أن ينـزل إلى الناس كتاباً متحركاً نابضاً بالحياة شاهداً على الناس أينما كانوا ومتى وجدوا، فضَمَّن كتابه المتشابه والمشترك والمجمل والعام، وأرشد الناس إلى المقاصد العامة التي يُستَهدى بها في تعيين الدلالات وإظهارها. إن الآراء التي لا ترى في معاني القرآن سوى دلالاتها التاريخية تلتقي مع الرؤية الكنسية الجامدة في تفسير الكتاب المقدس حيث يحتاج القارئ للواسطة الدينية أو المذهبية لفهم النص وإن كان على اطلاع بيِّن على اللغة التي كتب بها النص المفسَّر، ولذلك انطلقت نظرية التأويل في الغرب أ و ما يسمى بالهرمينوطيقا (Hermeneutic) للإجابة عن سؤال ملح هو: كيف يعيش النص في زمن القارئ، وتستمر حيويته في الإفراز الدلالي؟ وما العلاقات التي ينبغي أن تربط المعنى التاريخي بالمعنى الذاتي؟ * المعنى الذاتي وانحراف التأويل:

إذا كان المعنى التاريخي هو دلالة النّص زمن نـزوله، أو في لحظات اكتساب فيها بعض القراء سلطة التأويل بسبب مكانتهم الدينية أو العلمية، فإن المعنى الذاتي (Individual meaning) هو دلالة النص زمن قراءته، فيصبح محور المعنى التاريخي هو تاريخ النص، بينما يصير محور المعنى الذاتي هو ملتقى النص بميولاته، واعتقاداته، وحتى أوهامه وشهواته.

ولقد عرف تاريخنا التفسيري أنصاراً للمعنى الذاتي مثلتهم المدارس الكلامية والفلسفية والتصوّفية، حيث حملت القرآن على مقتضى النظر القبلي للمؤوّل، فبنى أتباعها تفاسيرهم على أساس مذهبي خالص.

ويشير ابن تيمية إلى خطأ هؤلاء إذ يلبسون لفظ القرآن ما دلّ عليه من معنى تارة أو يحملونه دلالات لا يطيقها وضعه الأصلي، فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول معاً.33

وتكمن خطورة هذا الاتجاه في جعل النص تابعاً للمتلقي حيث تنقلب عملية التبليغ إلي اتجاه معاكس. فبدل أن يتجه المعنى من النص إلى القارئ، فإنه يتجه من القارئ المزود برؤى قبلية ومعانٍ جاهزة إلى النص الذي تنتهك بنيته التركيبية والدلالية ليفصح عن معانٍ غريبة عنه وربما متناقضة معه، وسنحاول من خلال هذه الخطاطة إيضاح الاتجاه الطبيعي للمعنى والاتجاه المعاكس له:

الاتجاه الطبيعي للرسالة الاتجاه المعاكس للرسالة



المرسل: (الله)
الرسالة (القرآن)
المتلقي : (المؤول) المرسل (الله)
المتلقي (العارف) *** الرسالة (القرآن)
المتلقي (المؤول)



ومن خلال الخطاطة يظهر أن الوضع الطبيعي للرسالة ينقلب من خط عمودي إلى دائرة يتكرر فيها حضور المتلقي مرتين: المرة الأولى التي تمثل المرجعية الجاهزة والخلفية الفكرية للمؤول، والمرة الثانية حيث يستثمر تراكيب النص ومقاصد المرسل للدفاع عن أفكار مرجعيته، وإبراز أن المعاني القبلية الموجودة في ذهنه هي نفسها التي يحملها النص ويدعو إليها أو يبقيها ويتبرم منها، وذلك بحسب موقف المؤول منها قبولاً أو رفضاً، فالمعرفة العقلية إذاً سابقة على النص.

وقد أدى هذا المنحى التأويلي إلى عدِّ القرآن مصدراً رمزياً تستند إليه كل فرقة في دفاعها عن أ فكارها وتصوراتها حتى ضهرت في تراثنا آراء عدمية تؤكد قبول النصّ لكل التأويلات، ليس فقط المتقاربة بل وحتى المتناقضة منها.34

وفي العصر الحاضر حيث هيمنت التصورات العدمية، تسربت إلى الفكر النقدي العربي مقولات الاستقلال الدلالي للنص، وانفتاحه لكل القراءات وحرية المتلقي في تحطيم سياق النص لصالح سياق المتلقي. وسنحاول أن نلخص أصول هذه المقولات وأهم الانتقادات التي وجهت إليها ثم نشير إلى بعض النماذج العربية في هذا المجال. * الأصول النظرية لنظرية التأويل:

إن ما نقصد الكشف عنه هنا هو الحلقات الواصلة بين التصورات النقدية في المجال الأدبي وأصولها الاعتقادية، وسنرى كيف تختلط مجالات التأويل الديني والأدبي بعضها ببعض، وكيف تأثّر النقد الجديد في الغرب ببعض الاتجاهات الدينية في التأويل.

يشير ستيفان كوللّيني Stifan Collini إلى هذه المسألة، فالتأويل في نظره ليس نتاج النظريات الأدبية في القرن العشرين، بل إن المعارك والخلافات حول إظهار خصائص هذا النشاط تعود إلى تاريخ طويل في الفكر الغربي، تلك المعارك التي نتجت عن المهمة العظيمة لتأسيس كلمة الله.35 ويرجع نيوتن Newton سبب هذا الارتباط إلى مركزية الدين في الثقافة، هي مركزية تحملنا على "الاعتقاد بأنه ربما كانت المساجلات المهمة –في القرن العشرين- حول التأويل وقد انطلقت من فضاء الدين ومنه إلى الأدب."36

لقد كان السؤال الملح في الغرب هو كيف ينبغي النظر في الإنجيل؟ هل ينبغي النظر إليه في لغته الخاصة أم تقتضي قراءته التوسط بقبول مذهب الكنيسة؟37

وهنا جاءت إجابة مارتن لوثر مزعزعة للنظام التأويلي القائم ومحتجة عليه، فقد دعا لوثر إلى الحرية في قراءة الإنجيل. "لقد كان لوثر هو الأول الذي انخرط في طريق مذهب تعدد المعني في الكتاب المقدس، وهذا يعني أن كل اختلاف في التأويل هو معطىً سلفاً وموجود في النص، وقال بهرمينوطيقا متعددة الطرق في التأويل تفيد في فهم تاريخ التاويلات بصفتها تداولاً لآفاق الماضي والحاضر."38

لقد كان المذهب البروستانتي إذاً عاملاً حاسماً في نشأة نظرية الاستقلال الدلالي للنصوص (Semantic autonomy) وهي نظرية "أخرجت للضوء الهوة بين المعنى الحرفي للنص وسياق التطورات والأحداث."39

إن المستفيد الأول من هذا التحول في الفكر التأويلي الغربي هو المتلقي، إذ انتقل الاهتمام من النص إلى القارئ ومن الارتباط بالمعنى التاريخي إلى الإيمان بالمعنى الذاتي ونسبيته المطلقة. وتم تحطيم المرجع الذي تحاكم إلى أساسه التأويلات وأقيمت مقامَه مرجعيات متعددة بتعدد الذوات المؤولة وهو ما يسميه (Todorov) بالعدمية إذ يقول: "إن العدمية تجيء بالطلع من انهيار العقائد المشتركة للمجتمع. وهو لم يكن في يوم من الأيام كونياً لأننا نعلم أن هناك مجتمعات مسيحية وإسلامية وبوذية... أما الشيء الذي حصل بمجيء ديكارت والثورة الصناعية والتغيير الحديث للعالم فهو النـزعة الفردية (Individualism)، فقد راحت الهوّيات الجماعية الكبيرة تتفكك لكي يحل محلها الأفراد، وراح كل فرد يختار لنفسه ما هو صالح وما هو غير صالح، ويقول هذه إحداثياتي ومرجعياتي... وهذا ما يؤدي إلى العدمية."40

لقد أسهم غادامير (Gadamar) بفلسفته التأويلية في تحطيم أطر المعنى الموضوعي إلى حد بعيد إذ ساند فكرة الاستقلال الدلالي للنصوص، تلك الفكرة التي تعني أن "اللغة المكتوبة كلَّها تظل مستقلة عن العالم الذاتي لأفكار الكاتب الفردية ومشاعره".41 ولهذا فهو يلغي الحقيقة في النص، وإحالته على معنى خارجي من ذاته، مانحاً بذلك –على غرار النقد الجديد- الأهمية الكبرى للتأويل.42

ويرفض غادامير الاعتراف بثنائية المعنى والدلالة، وهو تقسيم يراعي حق النص في الإبلاغ وحق المتلقي في التأويل، فالمعنى (meaning) يشير إلى مقصد النص في زمنه الخاص به والدلالة أو المغزى (signafication) تفيد ما يدل عليه النص في زمن القارئ.43

فما دمنا –في نظر غادامير- لا نفهم النص إلا في علاقاته بمقامنا، فليس هماك إذاً فرق بين المفهومين.44

والحقيقة أن كثيراَ من الانتقادات قد وجهت إلى نظرية الاستقلال الدلالي للنص اللغوي، غير أنها لم تستطع مواجهة المدّ الكاسح لنظريات النقد الجديد، فترسّخ مبدأ الحرية في التأويل وغدا مسلمة من مسلمات الاشتغال التفسيري.

وانتقلت أفكار النقد الجديد إلى المجال العربي، ووجدت مناصرين كثيرين ولا سيّما من الذين اقتنعوا بضرورة تجاوز المرجعية الجمعية للأمة الإسلامية، وناصروا تحطيمها، وأقاموا مقامها مرجعيات بديلة شملت مجمل الفلسفات الوضعية، والعقائد المادية التي عرفها الغرب منذ عصر النهضة. غير أن مبدأ الاستقلال الدلالي والإيمان بحرية التأويل المطلقة ظلت مرتبطة بالنصوص الإنسانية ولم يتجرأ معتقدوه على تطبيقه على النص القرآني، إلا أن تراجع المؤسسات التقليدية في المجتمع الإسلامي، وقوة الصراع بين الفكر الإسلامي ونظيره العلماني فك كثيراً من الأصوات من عقالها، وأصبح من السهل الادعاء بأن القرآن الكريم نص لغوي وحسب، وأن المدخل اللغوي كافٍ لتفسيره واستخلاص معانيه.

يرى الدكتور حسن حنفي أن معنى النص قد "يتغير حسب الأحوال النفسية للقارئ الواحد، وحسب الفروق بين الأفراد وتبعاً للبيئات الثقافية والحضارات والعصور. وقد يأخذ النص الواحد معاني مختلفة طبقاً لمراحل العمر الواحد، وطبقاً للتجارب المكتسبة حتى ليبدوا النص مساوقاً وتابعاً لتطور الفرد في مراحل عمره، وكأن أعماق الشعور تطابق تطابقاً موضوعياً مستويات النص."45

النص إذاً حامل للخبرة، والقراءة خلق جديد له، واكتشاف لأبعاد ربما لم تكن مقصودة في نشأته الاولى.46 ولهذا فإن المفسر لا يحتاج إلى فهم المعنى التاريخي، فهو لا يذهب "إلى تاريخ النصوص منذ تدوينها ليفهم معانيها التاريخية، وتطور معاني الألفاظ قاضياً السنين في بطون المراجع وأمهات المصادر ومعجمات اللغة والموسوعات. بل يقرأ النص، وفي غمضة عين يفهم معناه ويستعمله بوصفه حجةً. فالنص بهذا المعنى ليست له ثوابت، بل هو مجموعة من المتغيرات يقرأ كل عصر فيه نفسه."47

ولأن عملية التفسير ليست بهذا المعنى سوى التطابق بين النص -باعتباره قالباً متشكلاً- وطبقات الشعور لدى المؤول، "فإنه لا يوجد تفسير خاطئ، بل يوجد تفسير قصدي."48

وسنرى كيف أن مثل هذه الآراء لا تصمد أما النقد الذي وجهه إليها أصحاب نظرية التأويل الموضوعي من أمثال جول وإيكو وغيرهما. لقد أدى البروز القوي لنظريات التلقي والتأويل واستقواء الاتجاهات التداولية في المجال الألسني إلى إعادة الاعتبار مرة أخرى لأهمية –بل لضرورة- تحديد ضوابط للتأويل تعصم المعنى من الذوبان ، وتحد من سلطة القارئ في إملاء أهوائه وميوله على النص. وسنعمل على الجمع بين الحديث عن هذه التصورات والضوابط التي تقترحها، مقارنين بينها وبين ما يوازيها من ضوابط التأويل في الفكر الإسلامي. * ضوابط التأويل:

لم ينف أصحاب نظرية التأويل الموضوعي مبدأ الاختلاف في التأويلات وتعددها لأن الغيمان بالقرا ءة الواحدة قتل للنص، وسقوط ساذج في وهم المطابقة بين النص والقراءة. إن ما أسهموا في تفنيده هو القول بالانفتاح المطلق للنص على أي قراءة أيّاً ما كان اقترابها أو ابتعادها عن بنية النص الأصلية ومقصد المؤلف، وفي هذا يقول أحدهم: "أن النصّ ينتج قراءات لا نهائية وهذا لا يعني أنه يسمح بأي قراءة ممكنة."49

وإذا لم نستطع من هذا المنظور تحديد أحسن التأويلات فإننا نستطيع –على الأقل- تعيين التأويلات الخاطئة.50 والمؤول في اعتقاد تودورف Todorov حين يتخلى عن النص ليكتب عنه فإنه يقول شيئاً لا يقوله النص المدروس. وإن ادعى أنه يقول الشيء نفسه إلا أنه في الواقع الأمر يكتب نصاً جديداً."51

ويرى ميللر J. Hillis Miller أن بعض التأويلات تمسك -وبعمق- أكثر من غيرها ببينة النص،52 ولهذا علينا أن نأخذ النص بصفته مؤشراً على تأويلاته الخاصة به.53 لقد اعترف أمبرتو إيكو Umberto Eco في دراسته لجدلية النص والمؤول أنه -في السنين الأخيرة- حصلت مبالغة في التركيز على حقوق المؤولين،54 ولهذا فهو يرى أن فعل القراءة يمكنه الانطلاق من نقطة إلى أي نقطة، ولكن المسالك خاضعة لقواعد مترابطة أعطاها التاريخ الثقافي –بصورة معينة- الشرعية.55

فالحضارة الوسطية وإن كانت وفية لتعدد التأويلات، فإن التأويل يخضع عندها لضوابط محددة بدقة،56 بل إن النقد التفكيكي والقريب من تجارب النقد الباطني لا تنفلت العملية التأويلية عنده من نسق من القواعد والمسلمات.57

فوظيفة هذه الضوابط تظهر في الحد من حرية المؤول وخلق تآخذ مثمر بين بنية النص ومقاصد المؤلف وأفق انتظار المتلقي، ولذلك أكد إيكو أن القارئ يلزمه أن يساءل النص "لا أن يسائل نـزواته الذاتية، في جدلية بين الإخلاص والحرية."58

وسنقتصر في الحديث عن ضوابط التأويل على خمسة ضوابط هي:

1- المقصدية، 2- السياق المقامي، 3- السياق النصّي، 4- السياق الثقافي، 5- انسجام النص.

1- المقصدية

من الآراء السائدة الآن في النظرية التأويلية المعاصرة والتيار التداولي في مجال اللسانيات أن النص موئل تقاطعات بين المرسل والبنية النصية وملتقى الخطاب، ولم يعد سائغاً النظر إلى أن النص في ذاته كما فعلت التصورات الشكلانية إلا من قبيل بناء النماذج وتسهيل عملية التصنيف، إذ أصبح النص عبارة عن أفعال كلامية منجَزَة من المؤلف يقصد بها أنماطاً من تأثير المتلقي. ولهذا أصبحت مقاصد المتكلم مؤشرات حاسمة في عملية التأويل، ومثّل إلغاؤها إلغاء لجزء معتبر من معمار المعني النصي إن لم يكن إعداماً مطلقاً له. ولعل من أبرز المدافعين عن المقصدية باعتبارها ضابطاً من ضوابط التأويل الأمريكي هيرش Hirsh الذي هاجم أفكار النقد الجديد وتأويله غادامير لأنهما يلغيان قصد المؤلف من الاعتبار.59 ويؤدي هذا في نظره إلى أن عدم محدودية المعنى في النص يصبح معها التأويل كليلاً،60 بل إن واحدًا من مناصري المقصدية وهو ب.ج. جول (Jull) في كتابه التأويل يعدّ كل تأويل تعارض مع مقصدية المؤلف تأويلاً فاسداً، أما الاختيار من بين الاحتمالات الدلالية المتعددة للنص فينبغي ان يتجه على المعنى الذي قصده المؤلف ما دام المعنى إنتاجاً لفعل كلامي لا ينفك عن قصد المتكلم،61 وتصبح وظيفة التأويل حينئذٍ هي السعي لاكتشاف مقصد المؤلف واعتباره محدداً للتأويلات المقبولة، فالمعنى –في اعتقاد كرايس- ينبغي النظر إليه في صلته بالمقصدية.62

وفي تراثنا العربي الإسلامي نجد تصورات دافعت بنحو جدي عن المقصدية، وكانت هي المهيمنة في مجالنا التداولي، إذ تميز الفكر اللغوي عند العرب والمسلمين بميزة تداولية (pragmatic) أصيلة تربط الخطاب بمرسله ومتلقيه، ونظر اللغويون إلى اللغة على إنها إنجاز فعلي واقعي وليست بنية مبتورة عن سياقها التواصلي. فالمعنى الحرفي عند الآمدي غير موجود لأن المعنى غير متعلق بأوضاع الكلم فحسب، ولكن بقصد المتكلم وإرادته.63 وهناك حركات إعرابية تعود إلى قصد دلالي من مرسل الخطاب، كما أن ظواهر الحذف والمجاز والكنايات وغيرها لا يمكن فهم المقصود منها إلا بربط الخطاب بسياقه التداولي، هذا السياق الذي يحتل فيه المتكلم مكاناً معتبراً.

ويسعفنا الإمام ابن قيم الجوزية (توفي751ﻫ) بتقسيم إجرائي مفيد للدلالة، مرتبطة بسياق التواصل بين المرسل والمتلقي، فدلالة النصوص عنده: "نوعان: حقيقية وإضافية، فالحقيقية تابعة لقصد المتكلم وإرادته وهذه دلالة لا تختلف، والإضافية تابعة لفهم السامع وإدراكه، وجودة فكره وقريحته، وصفاء ذهنه، ومعرفته بالألفاظ ومراتبها، وهذه الدلالة لا تختلف اختلافاً متبايناً بحسب تباين السامعين في ذلك".64

والظاهر أن ابن القيم وإن كان مهتماً بإعادة الاعتبار إلى الدلالة المركزية في النص في علاقتها بمقصدية المتكلم في إطار نموذجه المعرفي الساعي إلى إعادة ترميم المرجعية الإسلامية بالبحث عن الثابت، وتقليص نفوذ المتحول أي تعدد المعاني عن طريق التأويل والقياس، فإنه لم يبخس المعنى الذاتي حقه ، كما ذهب إلى ذلك بعض الدارسين، حيث استدلوا بهذا النص في سياق نقدي للدلالة الذاتية،65 بل نراه يسوق كثيراً من اجتهادات الصحابة بوصفها دليلاً على إثراء النص بالدلالة الإضافية.66

إن إعمال المقصدية في تأويل القرآن الكريم تعصم "القارئ" من إنتاج تأويلات تصطدم مع المقاصد الربانية، ويمكن صياغة القاعدة التأويلة الآتية:

[كل تأويل تعارض كلاً أو جزءاً مع مقصد من مقاصد الشريعة فهو تأويل فاسد كلاً أو جزءاً.]

غير أنه من الصعب تحديد أبعاد المقصدية تحديداً منضبطاً، إذ إنها تتعلق بالمتكلم، أو مرسل الخطاب، والذي ليس له وجود عيني حين مباشرة عملية التأويل، ولهذا السبب عدّ بعض العلماء الإحاطة بالمقصدية غير متوقفة على العلم باللغة، لأن المقاصد عبارة عن معان لها تعلق بالذهن لا بالوضع اللغوي.67 ولقد نحا هذا المنحى الإمام الشاطبي في الموافقات، إذ عدّ المصالح والمفاسد معقولات مجردة عن اقتضاء النصوص،68 وليس معنى هذا إهدار قيمة الدلالة النصية عند الإمام، إذ أنه حدد مجال إعمالها فيما له وجه تعلق بالنصوص.69 والحقيقة أن ما ذهب إليه الشاطبي متعلق بالمقاصد المعنوية، ومن الخطأ تعميم هذا الحكم على كل أنواع المقصودات المبثوثة في كل النصوص. ويسعفنا الأستاذ طه عبد الرحمن هنا بتقسيم جديد في غاية الأهمية لنظرية المقاصد عند الشاطبي، ويتمثل ذلك في فك التعارض المتوهم في كلام الشاطبي، إذ نراه يشترط اللغة في الاستنباط من النصوص تارة، ويدلل على عدم أهميتها في تعيين المقاصد تارة أخرى.70 ويرى طه عبد الرحمن أن مصطلح المقاصد كما استعمله الشاطبي ليس متمحضاً لدلالة واحدة كما هو متداول بين الدارسين، بل يدور على معان ثلاثة:

1- المقصد بمعنى المقصود، ويجمع على "مقصودات" ومعناه انعقاد الدلالة وحصولها في الكلام.71 فالمقاصد بهذا المعنى لها تعلق أكيد باللغة، وهو ما ذهب إليه الشاطبي نفسه.

2- المقصد بمعنى القصد ويجمع على "قصود"، ويراد به المضمون الشعوري أو الإرادي.72 ومعلوم أن المقصد بهذا المعنى له وجه تعلق باللغة متى كانت الإرادة متعلقة بالنصوص، وإلا فلا تشترط اللغة في استنباطها.

3- المقصد بمعنى حصول الغرض، ويجمع على "مقاصد" 73، وهذا هو المعنى الشائع والمتداول بين الدارسين. ولقد دلل الشاطبي على أن هذا النوع معقولٌ ولا تعلق في استنباطه باللغة، إذ يستوي العربي والعجمي في معرفة مقاصد الشريعة.74

وعلى كل حال فسواء أكانت المقصدية متعلقة بالنص، أم كانت مجردة عن اقتضائه، فإنها تبقى مؤشراً من مؤشرات المعنى، وفضاء دلالياً يسمح للنص بإفراز دلالته الخاصة به، ويحد من سلطة المؤول في إملاء تصورات عليه. وجدير بالإشارة هنا أن المقصدية عامة، وليس هناك إمكانية لتحديدها إذ إنها تدور مع النص والعقل. ولهذا يشترط في إعمالها عدم ربطها بالمنـزع الإيديولوجي أو العقدي، فالمعتزلة –مثلاً- تأولوا القرآن على مقصديات خاصة بهم، كالعدل والتنـزيه والتحسين والتقبيح العقليين، ولما اعتقدوا العدل –بمفهومهم طبعاً- مقصدا إلهياً، تأولوا العبارات الموهمة للظلم على المجاز دون أن يسلم لهم بالتأويل الذي حملوا عليه عدل الله تعالى وظلمه، فالمقصدية المعتبرة عندنا هي ما تضافرت نصوص الشريعة على تأييدها باستقراء هذه النصوص، وليس بمجرد تدعيم المذهب الاعتقادي.

2- السياق

يعد السياق مفهوماً تداولياً راسخاً، ولعل مستعمل اللغة أكثر وعياً به من غيره من المفاهيم اللغوية، ولهذا عده جون لا ينـز Lyons اصطلاحاً سابقاً على النظرية والوعي بالمفاهيم 75 ويمكن التمييز بين أنواع ثلاثة من السياق:

أ‌. السياق المقامي

ينظر عادة إلى المقام على أنه معيار محكم من معايير الحكم على العبارة بالمقبولية النحوية، إذ إن العبارات غير المكتملة نحوياً من جهة التركيب لكنها منسجمة مع المقام تصبح عبارات مقبولة وقابلة للتأويل. ولقد ذهب تودوروف إلى أن عبارة بسيطة من مثل: "علينا أن نغادر هذا المكان من هناً"، لا يمكن تفسيرها إلا في سياق محسوس.76 ولنأخذ الفعل الكلامي الآتي: "اعطني خبزاً" فإن الجهل بمقام الخطاب يؤثر في تأويلنا له فنتردد في عده أمراً أم التماساً، ومن هنا اكتسب سبب النـزول فاعلية كبيرة في تأويل النص القرآني، وعلماء التفسير تعاملوا معه باعتباره مؤشراً على المعنى وليس منبع المعنى وإطاره، فقالوا: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وجعلوه مرجعاً يحتكم إليه حين الاختلاف في التأويل، ويمكن صياغة القاعدة التأويلية الآتية:

[إذا تعارضت التأويلات، فإن أقربها إلى الصواب أكثرها انسجاماً مع مقام الخطاب]

ب‌. الساق النصي

يرى اللسانيون أن المعنى في النص خاضع لعملية التركيب سواء على مستوى الجملة أو على مستوى الخطاب، وبموجب هذا يكون فهم اللاحق مستنداً إلى فهم السابق.وتكمن فاعلية النص أو التركيبي في أنه ينظر من خلاله إلى النص في كليته وانسجامه وليس بصفته نتوءات مجتزأة لا يشير بعضها إلى بعض، وكل معنى منتزع من السياق بالضرورة معنى لا يعبر عنه النص.

[إذا تعارضت التأويلات فإن أقربها إلى الصواب أكثرها انسجاماً مع سياق الخطاب.]

ج. السياق الثقافي

تكمن إجرائية هذا المفهوم في كونه يراعي المقام الثقافي العم الذي يمثل مرجعية المتلقي. ولقد اعتمد اللساني فيرث على مصطلح السياق الثقافي في التأويل واعترف هو وتلامذته منهم هاليداي وإيليس متضمناً سياقات ثقافية جزئية ، ومفاد هذا الاصطلاح أن تأويل النصوص لا يتم إلا بجعلها تتسق مع سياق ثقافي محدد.77 ويرى إيكو أن النص حينما يوجه إلى جماعة من القراء فإن الكاتب يعرف أنه سيؤول لا بحسب مقاصده هو، ولكن بحسب استراتيجية معقدة من التقاطعات بين القراء وقدراتهم اللغوية لهذا التراث الذي تشكل بواسطة استعمال اللغة. إن فعل القراءة في نظر إيكو يلزمه اعتبار هذه العناصر مجتمعة على الرغم من أن قارئاً واحداً قد لا يستطيع استيفاءها.78

إن تاريخ تأويلات القرآن الكريم وتقاليد اللغة العربية تمثل خصائص للمجال التداولي العربي الإسلامي في مجال التفسير، وعلينا ألا نسقط نظريات تأويلية غريبة على قانون التأويل العربي الإسلامي ما لم تندرج في سياقه الثقافي.

ففكرة الاستقلال الدلالي، وموت المؤلف، وانصهار الآفاق، مفاهيم يرفضها العقل الإسلامي في مجال مساءلة النص، كما أن الوساطة التأويلية فكرة غير معهودة عند المسلمين، ولا يمكن بحال الانطلاق من مثل هذه الأفكار لبناء تأويلات للقرآن.

[كل تأويل بني على غير مقتضى قانون التأويل العربي فهو تأويل فاسد] * الانسجام الدلالي :

إن كان مدار السياق النصي على الربط، فإن مدار الانسجام على الترابط، ويكاد التأويليون يجمعون على أن وظيفة المؤول هي البحث عن انسجام النص، وهم يختلفون عن أصحاب نظرية التأويل الشكي أو ما أطلق عليه نيوتن: الهرمينوطيقا السلبية (Negative Hermeneutic)، فأصحاب هذه النظرية يرون أن روح التأويل هو الكشف عن تناقض النص وتفككه واختزال أكاذيب الوعي وأوهامه، وأهم روادها في اعتقاد نيوتن هم ماركس ونيتشه وفرويد.79

ويعرف إيليس Ellis التأويل قائلاً: "التأويل... هو فرضية في التنظيم العام والانسجام لكل عناصر المكونة للنص الأدبي".80 وإذا كان افتراض التفكك يعيق من عملية التأويل للنص الأدبي، فإن تأويل القرآن لا يقبل مثل هذا الافتراض، إذ يتعامل المؤول مع نص بلغ درجة الكفاية اللغوية ووصل مرتبة الإعجاز، وله مقاصد معرفية كونية واضحة.

ومن غير الممكن العثور على تعارضات دلالية فيه، فهو كلام الله المنـزه عن التناقض والاختلاف. لقد كان علماء التفسير على وعي بقضية الانسجام فجعلوا من أصول التفسير: تفسير القرآن بالقرآن، فما غمض هنا توضح هناك، وما أجمل في موضع فصل في آخر. ويُبيِّن إيكو كيف أن التخمينات التي يصدرها المؤول على النص –الذي ينبغي أن يؤخذ في وحدته العضوية- لا تقبل إلا إذا تلاءمت مع انسجام النص الذي سينكر التخمينات الاعتباطية.

[كل تأويل أدى إلى تعارض أجزاء النص هو تأويل فاسد]

وأخيراً لقد عرضنا باختصار أهم الضوابط التأويلية التي اكتسبت إجرائية معتبرة في مجال تفسير النصوص، والتي أخذناها من المجال العربي الإسلامي، والمجال الغربي. وواضح أن جانب التطبيق هو ما ينقص هذه المحاولة النظرية المتواضعة، وهو ما سنحاول الوفاء به في بحث قريب، نطبق فيه تلك الضوابط على النص القرآني، وهو ما سيظهر بجلاء أهميتها في استخلاص المعنى القرآني، والذي سيكون له إن شاء الله أثر تسديدي معتبر في إعادة النظر إلى لغة القرآن ومضامينه.

المصدر: مجلة (إسلامية المعرفة) العدد 14

Add a comment

2