يقصد من (اتساع دلالة الألفاظ) أن العبارة الواحدة أو اللفظة الواحدة قد تتسع لأكثر من معنى. وقد يؤتى بها لتجمع أكثر من معنى، وهذه المعاني كلها مرادة مطلوبة، فبدلا من أن يطيل المتكلم الكلام ليجمع معنيين أو أكثر من المعاني المطلوبة يأتي بعبارة واحدة تجمع المعاني كلها، فيوجز في التعبير ويوسع في المعنى.
وفي القرآن الكريم قد تمر بنا آيات قرآنية تحتمل أكثر من معنى، فيؤتى بها في القرآن لأجل أن تجمع المعاني كلها بأوجز عبارة.
وقد نشر الدكتور محمد فاضل صالح السامرائي بحثا قيما بعنوان: "صور من اتساع دلالة الألفاظ والتراكيب في تفسير الكشاف"، في العدد 42 من مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، رمضان 1428هـ.
وذكر الباحث في مقدمة بحثه أن سبب اختياره لتفسير (الكشاف) للزمخشري (ت 538 هـ) لكي يقف من خلاله على صور من التوسع في المعنى في الألفاظ والتراكيب، يعود إلى أن الزمخشري من أوائل المفسرين الذين عنوا بهذه الظاهرة وذكروا صورها أثناء تفسير الآيات القرآنية . فقد يذكر أكثر من دلالة تحتملها الآية القرآنية كلها مرادة مقصودة.
وتوصل الباحث إلى أن هناك صورا كثيرة لاتساع دلالة الألفاظ والتراكيب في تفسير الكشاف، فقد يكون التوسع في معنى اللفظة، وقد يكون في صيغتها، وقد يكون في معنى الجملة... إلى غير ذلك من الصور التي ورد ذكرها في البحث.
وقد حفل البحث بأمثلة مفيدة في هذا الموضوع. غير أنني أود الاقتصار هنا على مثال واحد أود التعليق عليه في هذه الخاطرة. ففي معرض حديثه عن قول الله تعالى على لسان موسى عليه السلام: "وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي" (سورة طه:29)، قال الباحث:
((ذكر الزمخشري أن كلمة (وزير) تحتمل معاني عدة:
- فقد تكون من (الوَزَر)، والوَزَر: هو الملجأ الذي يُلْتجَأ إليه من الجبل، قال تعالى: "كَلاَّ لاَ وَزَرَ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ" (سورة القيامة:11-12). وسُمِّيَ الوزيرُ بذلك لأن الملك يعتصم برأيه ويلتجئ إليه في أموره.
- وقد تكون من (الوِزْر)، وهو الحِمْل الثقيل، قال تعالى: "وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ" (سورة الشرح:2)، وقال: "وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ" (سورة الأنعام:31). وسُمِّي الوزيرُ بذلك لأنه يتحمل عن الملك أوزاره ومُؤَنه.
- وقد تكون من (المؤازرة) وهي المعاونة..))
ثم قال الباحث: ((وتتسع لفظة (وزير) لهذه الدلالات كلها، فعلى المعنى الأول يكون موسى عليه السلام قد دعا ربه أن يجعل من أهله من يلجأ إليه في أموره ويعتصم برأيه، وعلى الثاني دعاه أن يجعل منهم من يحمل الثقل عنه ويعينه في رأيه، وعلى الثالث دعاه أن يجعل منهم من يعينه في دعوته)).
ثم قال: ((وليس بعيدا أن موسى عليه السلام قد قصد هذه الدلالات كلها في هذه اللفظة)).
وقد أثارت هذه العبارة انتباهي، وتساءلت في نفسي: هذه مسألة لغوية متعلقة بالعربية التي لم تكن لغةَ موسى عليه السلام، وإنما هي صياغة ربّانية لما ورد على لسان موسى في سؤال ربه. فما الذي دعا د. السامرائي إلى القول بقصد هذه الدلالات كلها في هذه اللفظة؟!
من المفيد التنبه إلى أن اختيار اللفظ القرآني هو، بلا شك، من الله عز وجل، لخدمةِ غرضٍ قرآني بحت، يتمثل في توظيف لفظ واحد للتعبير عن كل المعاني التي تعين على دوام المنهج وثباته حتى يرث الله الأرض ومن عليها، لأن المعاني الكامنة في الألفاظ القرآنية ذات هدفٍ، ولا يجوز إغفالها.
وليس بالضرورة أن تكون جميع المعاني المحتملة من اللفظ القرآني مقصودة من موسى عليه السلام، وهذا ينطبق على جميع القصص القرآني. فقد يكون ما يجري على ألسنة المذكورين في القصة بلغتهم الأصلية يحتمل معنى واحدا، غير أن القرآن الكريم يتخير بطريقة مقصودة الألفاظ العربية التي قد تحتمل عدة معاني مطلوبة للاعتبار من القصة للأجيال اللاحقة.
وقد وردت في القرآن الكريم كثير من العبارات على لسان خلق الله، ممن لا يتكلمون العربية بالضرورة. وكلُّ هذه العبارات تُعَدّ من كلام الله. فالقرآن الكريم كلّه كلام الله. وإلى هذا أشار الإمام البقاعي في تفسير سورة الفاتحة، في كتابه (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور):
"ولكنْ منه ما هو كلام الله عن نفسه، ومنه ما هو كلام الله عما كان يجب أن ينطق به الخلق على اختلاف ألسنتهم، وأحوالهم، وترقي درجاتهم، ورتب تفاضلهم، مما لا يمكنهم البلوغ إلى كنهه، لقصورهم وعجزهم.. فتولى الله، الوكيلُ على كل شيء، الإنباءَ عنهم بما كان يجب عليهم، مما لا يبلغ إليه وُسْعُ خَلْقِه".
| < السابق | التالي > |
|---|