التنوع الإسلامي

قضايا التنوع التعامل مع القرآن النص والتأويل: استراتيجيات القراءة المحدثة
قضايا التنوع التعامل مع القرآن

النص والتأويل: استراتيجيات القراءة المحدثة

محمد زاهد جول

لعلّ أكثر المشتغلين بقراءة وتأويل النُّصوص القرآنيَّة والتُّراثيَّة في العالم العربيّ الإسلاميّ، يرومون النُّهوض بالواقع العربيّ الإسلاميّ من أجل تحقيق حداثةٍ إسلاميَّة جديدةٍ، بهدف الخروج من واقع التَّأخّر التَّاريخيّ، الذي يُهيمن على مجمل الوقائع الاجتماعيّة والسِّياسيَّة والثَّقافيّة.

ولذلك فقد سيطرت جملةٌ من القراءات التي تبحث في العلاقة بين التُّراث والحداثة، وتعتبر إشكاليَّة القراءة والتَّأويل أحد أهمِّ القضايا التي شغلت الفكر العربيّ الإسلاميّ المعاصر.

ويبدو أن الفشل الذَّريع لسياساتِ التَّنمية والتَّحديث جعلت من سؤال "النَّهضة" حاكمًا على انشغالات النُّخب الثَّقافيّة، وذلك بسبب حالة «الإخفاق والانسداد التي ولجتها البلاد العربيَّة منذ مطلع العقد السَّابع من القرن العشرين، بعد أن تعرَّض مشروع النَّهضة والتَّقدم فيها إلى انتكاسةٍ فادحة»[1].

ويعود هذا الاهتمام بمسألة قراءةِ التُّراث وتأويله إلى «حالة التَّأجيل التي ما زالت توجد عليها اليوم أسئلة الماضي.. إخفاق الحاضر: حاضر العرب، في إنجاز مطالب النَّهضة والتَّقدم والحداثة وسواها، أنتج كلّ الأسباب لتجديد سلطة التُّراث بوصفها سلسلة ماضٍ لم ينته في حاضرٍ ولم يبدأ»[2].

ويتَّفق معظم المشتغلين بالنَّص قراءةً وتأويلاً على أن هزيمة حزيران 1967 شكَّلتْ منعطفًا جديدًا وتحديًّا خطيرًا ضاعف من حجم الضُغُوطات على الفكر العربيّ والإسلاميّ باتّجاه إعادة النّظر في إشكاليَّة النَّهضة والتَّقدم.

وبحسب محمد جابر الأنصاري أصبح الفكر العربيّ والإسلاميّ «تحت الحصار» ، فهذه النَّكسة كشفت «عن أقسى هزائم العرب، ليس بالمعنى العسكري فحسب، وإنما من مختلف الأبعاد الكيانيّة الأخرى»[3].

ويبدو أن سؤال الهزيمة تسرَّب إلى إعادة النَّظر في سؤال العقل والنَّقل التي يحيل إلى سؤال الحداثة والتَّحديث؛ فبحسب عبد العزيز حمودة؛ فإنه يمكن فهم واقع الهزيمة وطلب الحداثة، فهو يقول: «بالمنطق نفسه يمكن فهم ما حدث في السَّنوات التي أعقبت الهزيمة العسكريَّة عام 1967 حينما اعتبرها قطاعٌ كبيرٌ من الشَّعب العربيّ هزيمةً لعقلٍ عربيٍّ متخلّف، ومن ثَمَّ بدأ البحث المحموم، وسط إحباطات مؤلمة، عن تفسير انتهينا فيه إلى الرَّغبة المحمومة بتحديث الأداء العسكرية، وفنون القتال، وإدارة المعارك، وقد استغلت قلَّةٌ منَّا رغبة الجماهير العربيّة في تحقيق تحديثٍ كاملٍ لتحقيق "حداثةٍ"، انتهت بنا إلى الارتماء الكامل في أحضان الثَّقافة الغربيَّة، ومنجزات العقل الغربيّ، دون تمحيصٍ أو تَرِوٍّ، لكنّ المهم أن الرَّغبة في التَّحديث ترتبط عادةً بشعور الدُّونيَّة في مواجهة "الآخر" الثَّقافي»[4].

أوَّلاً: التَّأويل في إطار أسئلة النَّهضة والإصلاح والهويّة:

لقد عاد سؤال النَّهضة والإصلاح والهويَّة ليطرح نفسه بقوة، عقب أحداث 11/ سبتمبر 2001، حيث هيمنت مطالب التَّجديد الدِّيني من خلال المراجعات في المجال الثقافيّ للإسلام ومنظوماته القِيَمِيَّة، فقد كشفت هذه الأحداث مرةً أخرى عن حجم القطيعة بين المسلمين والغرب، وبات السُّؤال المركزيّ بحسب السَّيد ولد أباه هو: «لماذا ينفرد الدِّين الإسلاميّ عن غيره من الدِّيانات بظاهرة العنف والتَّطرف، ويأبى الاندماج في القِيَم الكونيَّة للحضارة الحديثة»[5].

ولا يخفى على أحدٍ أن هذه الأحداث استدعت جملةً من الكتابات العدوانيّة التي ذهبت إلى الرَّبط بين جوهر الإسلام والعنف والإقصاء، واعتبرت أن الدِّين الإسلاميّ غير مؤهَّلٍ ولا قادرٍ على التَّأقلم مع رُوح وقِيَم العصر، ولا سبيل للتَّواصل معه، ومع ذلك فقد ظهرت أطروحاتٌ إصلاحيّة عديدةٌ تطالب بضرورةِ إحداث إصلاح عميقٍ للمنظومة الإسلاميّة.

ويمكن تصنيف المقاربة الإصلاحيّة المتعلِّقة بالنَّص قراءةً وتأويلاً إلى ثلاثةِ منطلقاتٍ منهجيَّة:

1-  الإصلاح من داخل المرجعيَّة الإسلاميّة، باستثمار مقاصد النَّص ومساحة الاجتهاد الواسعة فيه، من خلال تجديد أدوات وآليات قراءته وتأويله.

2-  ضرورة معالجة النصِّ الإسلاميّ، داخل التَّقليد الكتابيّ الذي ينتمي إليه، أي التَّقليد اليهوديّ - المسيحيّ، مما يعني عمليًّا إخضاع هذا النَّص لمناهج النَّقد والتَّأويل التي طُبِّقت على العهدين القديم والجديد، لغرضين مترابطين اثنين هما:

أ‌- من جهةٍ تبيان تاريخيته، والكشف عن حدود مجاله المرجعيّ.

ب‌-    ومن جهةٍ أخرى كسرُ قداسته، وتقويض بنيته الوُثُوقيّة، لفسح المجال أمام القيم الإنسانيّة التَّحديثيَّة التي هي شرط الانتماء للعصر، والاندماج في المنظومة الكونيَّة.

3-  تطبيق مناهج العُلُوم الإنسانيّة المعاصرة، وفلسفات التَّأويل الجديدة على هذا النَّص، من حيث هو خطابٌ لغويٌّ يستجيب فيما وراء طابعه المقدَّس الذي يقرُّ به المؤمنون لآليات التَّفكيك والقراءة التي طُبِّقت على مختلف النُّصوص، بما فيها النُّصوص ذات الميثيَّة - (ميثولوجيّة: " أسطوريّة " ) - ، حسب العبارة الأثيرة لدى محمد أركون[6].

ونحن بدورنا نؤمن بضرورة الإصلاح والتَّجديد، ونتَّفق مع دُعاة المنهج الأوَّل، وذلك لأنَّ هذه المطالبة تستند إلى منهجٍ في القراءةِ والتَّأويل، يستند إلى نظامٍ من القِيَم، يخضع للدِّين داخل النَّموذج المعرفيّ الإسلاميّ.

وهذه الاستجابة تقومُ على منهجٍ تجديديٍّ يستند إلى مقاربةٍ راسخةٍ في التَّجربة التَّاريخيَّة الإسلاميّة؛ فقد واجه المجتمع الإسلاميّ الحديث تحدِّياتٍ جمَّة خلال القرنين الأخيرين تجسَّدت بالمفارقة الصَّارخة بين واقع المسلمين، وما لحق ذلك من تخلُّف وتدهور، وبين الواقع الغربيّ الذي عرف نهضةً علميَّة في جميع المجالات، بلغت أوجها في القرن العشرين، ولقد كانت رُدُود الفعل من قِبَل العالم الإسلاميّ إزاء التَّحديات، في بدايتها تتَّسم بتجاوبٍ يطبعُهُ الجُمُود والانعزاليَّة، وذلك للحدِّ من زحف الآخر.

ولكن هذا الرَّد نظرًا لسلبيَّته لم يَقْوَ على المواجهة، إذ سرعان ما تمَّ تجاوزه بأن تيَّار الغزو كان عارمًا ورياحه كانت عاتية[7] .

وفي هذا السِّياق ظهرت قراءاتٌ تجديديَّة في قراءة النَّص وفي تأويله إبَّان عصر النَّهضة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين على يد علماء وشيوخ أمثال: محمد إقبال، وجمال الدّين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، وغيرهم.

وامتد هذا التَّوجه الإصلاحي إلى يومنا هذا، وعلى الرّغم من بعض التَّحفظات على القراءة الإصلاحيَّة التَّأويلية التَّوفيقيَّة إلاَّ أنَّنا نختلف مع التُّوجهات المطالبة بالإصلاح والتَّجديد بحسب المقاربة الثانية والثّالثة؛ وذلك بسبب قصور استراتيجيَّاتها الإصلاحيَّة، وأدواتها وآلياتها المنتجة للخطاب التي جعلت من الغرب نموذجًا إرشاديًّا لأيِّ عمليّة إصلاحٍ عربيٍّ إسلاميٍّ وفق مفهوم القطيعة مع التُّراث والالتحاق بواقع الحداثة الغربيّ.

ثانيًا: التَّأويل ومفهوم القطيعة:

إن القراءة المحدثة التي يتبنَّاها أنصار القطيعة مع التُّراث والتَّجديد من خارج المنظومة الدِّينيَّة الإسلاميّة، لا يختلف كثيرًا عن جملة القراءات الاستشراقيّة التي تصف المسلم الشَّرقيَّ بأنَّه لا عقلانيَّ وطُفُوليّ وشهوانيّ؛ فبحسب إدوارد سعيد فإن الاستشراق يقومُ على الافتراض «بأن الشَّرق وكلَّ ما فيه بحاجةٍ إلى دراسةٍ تصحيحيَّة من قبل الغرب، هذا إذا لم يكن بوضوحٍ مطلق أدنى منزلةً منه»[8] .

ويعتبر خطاب القطيعة وتشريح العقل المفتاح الأساسيّ للقراءات التَّأويلية للتُّراث الإسلاميّ بحسب إدريس هاني «لا وجود لقراءةٍ جديدةٍ حول التُّراث لا تقترب أكثر أو أقل من هذا المفهوم، أو تستوظفه في سياق، وسواء أكانت المشاريع المهتمة بالتُّراث تنتمي للمقاربة الأيديولوجيّة أو المقاربة المعرفيَّة الخالصة، فإن مفهوم القطيعة يحضر بشكلٍ لافتٍ للنَّظر»[9].

ولا يخفى أن فكر القطيعة إنَّما هو تقليدٌ للغرب ينافي روح الحداثة فبحسب طه عبد الرحمن فـ«إننا نجد بين أيدينا قراءاتٍ للقرآن ينسبها أصحابها إلى الحداثة، لكنَّها ليست تطبيقًا مباشرًا لروح الحداثة، وإنما تقليدًا لتطبيقٍ سابقٍ، وهو التَّطبيق الغربيّ المتمثل في "واقع الحداثة"، ومعلوم أن هذا التَّطبيق الأخيرة أراد له أهله أن يبقى قاطعًا صلته بأسباب الماضي وآثاره لما طُبِع في ذاكرتهم من أشكال التَّخلف التي عانوها في القُرُون الوسطى، حتى أنهم أصبحوا يفرُّون من كلِّ ماضٍ، ولو كان ماضيهم القريب فرارهم من موتهم رغم أن هذه الحال لا تنطبق على ذاكرة المسلمين، لأنّ هذه القرون كانت تشهد على تحضُّرهم، ولو أنهم انحدروا بعدها، فقد أبى بعض الدَّارسين إلاَّ أن يَبْنُوا على أن الأمَّة المسلمة ينبغي أن تحذو في علاقتها بتراثها وتاريخها حذو الغرب في علاقته بتراثه وتاريخه، فجاءوا بقراءاتٍ للقرآن تقطع صلتها بالتَّفاسير السَّابقة، طامعين في أن يفتحوا عهدًا تفسيريًّا جديدًا، ولئنْ سلّمنا بأن هذه القراءات تتضمَّن عناصر من الابتكار، فلا نسلِّم بأن هذا الابتكار إبداعٌ حقيقيٌّ، لأنّ من شأن الإبداع الحقيقيّ أن يكون موصولاً، وهذا إبداعٌ مفصولٌ، إذ قطع صلته بتراثه، تقليدًا للغير، لا اجتهادًا من الذَّات، وكلّ إبداعٍ هذا وصفه لا يكون إلا بدعة»[10] .

ثالثًا: حدود التَّأويل الحداثي "الـمُحْدَث":

إن هذه القطيعة مع الماضي والتي أسّست لتصورٍ جديدٍ للتَّاريخ الإنسانيّ قامت على مفهوم "التَّقدم" كإطارٍ معياريٍّ للتَّحول الاجتماعيّ، والوعي بمقتضيات اللَّحظة الرَّاهنة في مقابلِ ماضٍ يتوجَّبُ الانفصال عنه، وفي اتِّجاه مستقبلٍ يجب تحقيقه، ويكشف هذا التَّصور للتَّاريخ البشريّ عن مسار العقل الإنسانيّ الذي يتْبع خطًّا يضمن له التَّحول من عوائق "الخرافة" و "الأسطورة" و" الاستبداد" نحو" العقل" و"العلم" و"الحرية".

وهكذا نشأت فلسفات التَّاريخ التي أقامت أنساقًا نظريّة مكتملةً للتَّعبير عن هذا المشروع، الذي يؤسِّس لفضاء الحداثة الذي يقوم على أربعة محدَّدات:

1-  العقلانية التي ترى في الذَّات مصدر المعرفة، باعتبار أن الوعي يتمثَّل بالوُجُود، ويصدر الأحكام العقليّة حوله، كما تجد العقلانيّة في الطُمُوح العلمويّ نموذجًا، باعتبارها عقلانيةً تهدف إلى تأكيد "سيطرة الإنسان على الطَّبيعة". كما تجد في التَّقنية رؤيةً للوُجُود.

2-  التَّاريخانيَّة: أي أن الحداثة قامت على معقوليَّة التَّحول، وأفضت إلى تصورٍ حركيٍّ للمجتمع، يحدِّد مراحل لنموِّه وتطوُّره، وهو نموٌّ يخضع لمعيار التَّقدم ويبشِّر به كسلاحٍ أيديولوجيّ.

3-  الحرية: كأرضيةٍ تُعيِّن شرعيّة السُّلطة، وتؤكِّد حقَّ الإنسان في تقرير شُؤُونه المدنيَّة دون إكراهٍ أو قيد، كما توفِّر المقولة ذاتُها محدَّدات الممارسة الاقتصاديَّة، وتشكِّل أيضًا منطلقًا للتَّعبئة الأيديولوجيّة.

4-  العلمانيَّة: أي فصل السُّلطة السِّياسيَّة عن المؤسَّسة الدِّينيَّة، وفتح الباب أمام نزعِ القدسيَّة عن النُّصوص المقدَّسة، وفي المقابل ذلك الانطلاق من "الإنسان" كمفهومٍ مرجعيٍّ للممارسة النَّظريَّة والسُّلوك الأخلاقيّ والسياسيِّ[11] .

رابعًا: المقاربة التَّأويليّة لفكر النَّهضة:

لا شكَّ بأن فكر النَّهضة شهد انفتاحًا نسبيًّا على معظم التَّيارات الفلسفيَّة والفكريَّة الغربيَّة التي سادت عصر الأنوار الأوروبي مع القرن الثَّامن عشر[12]، حيث شهد العالم العربيّ حركة ترجمةٍ نقلت بعضًا من المؤلفات التَّأسيسيَّة للحداثة الغربيَّة كالدَّاروينيَّة والسانسيمونيَّة والوضعيّة، وظهر في العالم العربيّ من يبشِّر بهذه الفلسفات حيث تبنَّى شبلى الشميّل الفلسفة النُّشوئيَّة، ودعا سلامة موسى إلى القطيعة مع رواسب الغيبيَّات والتَّقاليد.

إلا أن الإصلاحيَّة الإسلاميّة رفضت الخطاب الحداثويّ، وحاربت الدَّعوة إلى الانفصال عن الدِّين بحُجَّة العقلانيَّة العلميَّة، إلاَّ أنَّها في نفس الوقت تبنت رؤيةً تنويريَّة تتَأَسَّسُ على تأويل النُّصوص الدِّينية وفق رؤيةٍ توفيقيَّة، فقد حمل الأفغاني بشدَّة على الاتِّجاهات التَّحديثيّة، ووصف الحضارة الصِّناعيَّة بالعُدْوانيَّة والبربرية؛ فالتَّقدم الحقيقيّ يرتبط بالالتزام بالأخلاق الفاضلة والتَّمسك بمبادئ الدِّين وأصوله الرُّوحية[13].

ومع ذلك فقد عمل الأفغاني على تجديد الدِّين من خلال قراءةٍ تأويليَّة للتُّراث تحتفظ بروح وقِيَم الحداثة والتَّنوير؛ كالعقلانيَّة، وتمجيد العلم، ومحاربة الاستبداد، والدَّعوة إلى الحريَّة والدِّيمقراطية، وهو الموقف الذي سوف يتَّخذه تلميذه الشيخ محمد عبده ورشيد رضا.

إلاَّ أن ذلك لم يمنع من ظهورِ قراءاتٍ تأويليَّة داخل السِّياق الإصلاحيّ الإسلاميّ تطالب بالقطيعة مع بعض الرُّؤى التُّراثية الإسلاميّة كما ظهر ذلك جليًّا مع علي عبد الرازق؛ الذي طالب باعتماد العلمانيّة وفق قراءةٍ سلفيَّة للتَّاريخ والتُّراث الإسلاميّ، فقد اعتبر أنَّ مؤسسة الخلافة كما طُبِّقت تاريخيًّا ليست من الإسلام، وذلك «أنّ كلَّ ما شرعه الإسلام وأخذ به النَّبي للمسلمين من أنظمةٍ وقواعد لم يكن في شيءٍ كثيرٍ ولا قليلٍ من أساليب الحكم السّياسيّ، ولا من أنظمة الدَّولة المدنيَّة».

فهي ليست سوى «خطط سياسيّة صرفة، لا شأن للدِّين بها، فهو لم يعرفها ولم يُنكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنّما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل، وتجارب الأمم، وقواعد السِّياسة»[14].

سوف تترسَّخ أطروحة القطيعة مع التُّراث بشكلٍ جذريٍّ مع طه حسين الذي آمن بعالميّة الثّقافة الغربيَّة، وأن هذه الثَّقافة قد نسخت كلَّ الثَّقافات والحضارات، وأصبحت هي الحضارة، وعلى الجميع أن يتبنَّاها، ولذلك دعى إلى تعليم اليونانيّة واللاتينيّة لاستيعاب أصول الحضارة الغربيَّة. هو طبعًا يقول إنه بدعوته هذه لا يريد للمواطنين أن يفقدوا هُويّتهم. لكنه تحفظٌ لفظيٌّ لا ينفي في دعوته في كتابه: «مستقبل الثقافة في مصر» إلى تغريب بلده مصر.

وبحسب علي أو مليل فإن «أوروبا عند طه حسين حضارة أصبحت عالميَّة، أما الوجه الآخر لأوروبا كقوى استعماريّة فهو غائبٌ في تحليلاته وأحكامه. يقول طه حسين أنه ألَّف كتابه: «مستقبل الثقافة في مصر» بمناسبة معاهدة 1936، والتي تنازلت فيها بريطانيا عن بعض المطالب الوطنيّة للشَّعب المصري. ويهيب الكاتب بالمصريّين أن يصلحوا من عقولهم وثقافتهم حتى يكونوا في مستوى المعاهدة! والذي يثير الاستغراب أيضًا هو حكم طه حسين على غزو نابليون لمصر فيما سمى بـ "الحملة الفرنسيّة" ليقطع الطَّريق إلى الهند على انجلترا، الحملة الفرنسية عنده لم تكن احتلالاً ولا غزوًا استعماريًّا بل "حملة مباركة"»[15] .

إن طه حسين يدعو بشكلٍ صريحٍ إلى القطيعة مع التُّراث الإسلاميّ، ويدعو إلى الانصهار في الحضارة الغربيّة باعتبارها حدثًا كونيًّا فهو يقول: «إننا في هذا العصر الحديث نريد أن نتَّصل بأوروبا اتصالاً يزداد قوةً من يوم إلى يوم، حتى نصبح جزءًا منها لفظًا ومعنًى وحقيقةً وشكلاً»[16] .

سوف تجد خطابات القطيعة مع التُّراث أرضيّةً خصبةً في خطاب التَّنوير الإسلاميّ الجذري مع عددٍ من المفكرين؛ فالدكتور حسن حنفي الذي عمد إلى ترجمةِ عددٍ من النُّصوص لمفكري الغرب الذين قاموا بدورٍ حيويٍّ في تحديث مجتمعاتهم باعتباره نموذجًا إرشاديًا للتَّحديث العربيّ الإسلاميّ، فبحسب حسن حنفي فإنّ هؤلاء المفكرين «أعطوا العقل حقَّه نسبيًّا ... في اعتبارهم العقل أساسًا للنَّقل، ومقياسًا لصحَّة العقائد وأساسًا للعلم ... وقد تكُون فلسفة التَّنوير من حيث هي قضاءٌ على الخرافة هي ما نحتاجه أكثر في عصرنا هذا من إيمانٍ بالإنسان، ونداءٍ للحرية، والاتّجاه نحو العالم الحِسِيّ»[17].

وبناءً على هذا التَّصور فقد عمد حنفي إلى تطبيق استراتيجيَّة بتأويل النُّصوص الدِّينيَّة التي خضعت لها النُّصوص اليهوديَّة والمسيحيَّة على النُّصوص الإسلاميّة من قرآنٍ وأُصُول وتراثٍ فقهيٍّ وصوفي، عملاً بتعويض "لاهوت الأرض" بـ"لاهوت الله" وتعويض الشّهادتين بـ"الشهادة النَّظرية والشهادة العلميّة على قضايا العصر وحوادث التَّاريخ"، ويصبح التّوحيد "فعلاً إيجابيًّا يضع فيه الشُّعور مثلاً أعلى، ومبدءًا واحدًا عامًّا وشاملاً، أما اختتام النُّبوة فهو "إعلانٌ عن اكتمال الوعي ونهاية النُّبوة، وتحقُّق آخر مراحلها في نظام وتجسّده في دولة، وأنه لا يمكن الرُّجوع إلى الوراء لمراحل سابقة منها، فالتَّاريخ لا يرجع إلى الوراء، والتَّقدم جوهر الوعي الإنسانيّ ومسار التَّاريخ وحركة التَّطور. فالإنسان بعقله المستقل وبإرادته الحرة قادرٌ على أن يواصل حركة التَّاريخ، وأن يستمرَّ في تقدمه باجتهاده الخاص فيرث النُّبوة وتراث الأنبياء. فـ«العلماء ورثة الأنبياء» ، والاجتهاد طريقُ الوحي، والعقل وريث النُّبوة»[18].

خامسًا: التَّأويل الماركسويّ للنَّص والتُّراث:

وبحسب السّيد ولد أباه؛ فإنّ التَّصورات الماركسويَّة قد شكَّلت العماد النَّظري لإشكاليَّة التَّنوير العربيّ في السنوات الثلاثين الأخيرة: إذ وجد الخطاب التَّحديثي العربيّ في الماركسيّة المنهج المكتمل المفقود، والنظرية "العلميّة" الحقَّة، والتَّعبير الجلي عن حركية التَّاريخ ومفتاح معقوليّته، كما وجد فيها أيديولوجيا كفاحٍ ذات طاقةٍ تعبويَّةٍ وتنظيميَّةٍ واسعة، كفيلةٍ بالقضاء على رواسب "الماضي" و "صناعة المستقبل" في مأمنٍ من تهمة التَّغريب التي أصبحت مخصَّصة للغرب الرَّأسمالي وليبراليته "الفاسدة" ، وهكذا تحقق دمج طوباويَّة التَّقدم للطُّموح الوضعيّ، وهما مقولتان متلازمتان - كما يقول هابرماس - إذ لابُدَّ للتَّصور العلموي من أن يستند إلى مفهومٍ تقدميٍّ لمسار المعرفة، يُقْصِي من دائرة الشَّرعية النَّظرية كل التَّعبيرات غير العلميّة كـ "ميتافيزيقا خالية من المعنى" بحسب التَّعبير الوضعيّ أو "أيديولوجيا زائفة"، بحسب التَّعبير الماركسيّ، انطلق إذن اليسار العربيّ من الإحساس بأن «الأمة العربيّة تتخبط في هزيمةٍ شاملةٍ مطبقة، وأن محاولة النَّهضة العربيّة الثَّالثة قد اندحرت وصفِّيت»[19].

إنه الحكم نفسه الذي يصدره عبد الله العروي عندما يخلع على التَّجارب التَّحرريَّة في الوطن العربيّ صفة «العجز الأيديولوجي، أو بكيفية أدقّ تخلف الذِّهنيات عن الأوضاع الاقتصاديّة الاجتماعيّة العامة»[20].

وينتهي العروي من تشخيصه للأيديولوجيا العربيّة المعاصرة إلى القول: «المشكل الحقيقيّ الذي نواجهه فعلاً، والذي نهدف إلى كشف القناع عنه، هو عدم وجود الأيديولوجيا المنسجمة عضويًّا، والتي يستخلص منها برنامج مستوفٍ لشروط الاستيعاب والشُّمول، والذي يجد فيه المجتمع العربيّ صورةً وفيَّةً ومقنعةً لملامح ماضيه وتطلعات حاضره»[21].

إلاّ أن الماركسيّة العربيّة لم تستطع أن تقدم نظريَّة للمجتمع العربيّ التي وعدت بها، بل نجدها استخدمت بشكلٍ تعسُّفيٍّ وميكانيكيٍّ أشدَّ المقاربات الماركسيَّة إغراقًا في التَّبشير الوضعيّ والتَّاريخانيَّة الطُّوباويَّة، ولم تستطع أن تواكب الانقلابات المعرفيَّة الكبرى التي أعادت بناء الماركسيَّة بل تجاوزتها في مناحٍ عدَّة أبرزها أساسها التَّنويريّ ذاته[22].

سادسًا: مبادئ القراءة التَّأويليَّة المحدثة:

وإذا كانت القراءة التَّأويلية للنُّصوص التُّراثيَّة الإسلاميّة في عصر النَّهضة قامت على مبادئ العقلانيَّة النَّقديَّة والحريَّة والعلمانيَّة؛ فإنَّ القراءات المحدثة قامت على مفهوم التَّقدم الذي ساد عصر النَّهضة الأُورُوبيّ، وأضافت إليه جملة التَّحوُّلات المعرفيَّة التي طالت مجمل العُلُوم والفُنُون بحيث أصبحت كلُّ قراءةٍ تدَّعي الحداثة تتَّصل بالثَّورات المعرفيّة الخمس التي لخَّصها عبد السلام بنعبد العالي، وهي:

1- الثَّورة اللُّغويَّة: وهي تصوُّرٌ جديدٌ للعلاقة يفتح الأفق أمام ممارسةٍ تأويليًّةٍ جديدةٍ؛ فاللُّغة لم تعد تحيل إلى ذاتٍ متكلِّمةٍ واعيةٍ، بل إن الدَّرس اللِّساني الأساسيّ هو تبيان أنّ اللُّغة نسقٌ اختلافي تربطه علاقات اقترانٍ ضروريَّة.

2- الثَّورة الابستميولوجيّة: التي أحلَّت فلسفة التَّصور محلَّ فلسفات الوعي؛ فلقد قامت الابستميولوجيا المعاصرة على أنقاض التَّصور الأدواتيّ للمعرفة الذي يختزلها في حدود إنجازات العُلُوم.

لقد بيَّنت أبحاث "باشلار" أن القانون العلميّ ليس اكتشافًا لواقعٍ مباشرٍ أو ضبطًا لشفافيَّة الوُجُود، بل الواقع العلميّ واقعٌ مبنيّ، هو نتاج ممارسةٍ جهويَّةٍ، وبالتَّالي فإن الحقيقة العلميَّة حقيقةٌ جهويّةٌ تقريبيّةٌ، لها ميدان قيمتها المفهومي - التَّجريبي، ومن ثَمّ أصبحت الموضوعيَّة العلميَّة محدودةً بحُدُود بناء الموضوع العلميّ.

كما عمل "كارل بوبر" على فضح سلطة الحقيقة في المؤسَّسة العلميّة التي تدَّعي المعرفة اليقينيَّة، وتتَّخذ طابع النَّسق المغلق، بينما القوانين العلميّة تتميَّز بـ "قابليتها للدَّحض"، لا قابليَّة التَّحقق كما تتوهم الوضعيَّة، بل إن معيار الممارسة العلميَّة هو "النجاعة" وليس ادّعاء الحقيقة.

أما هابرماس فيبيّن أن العلم والتَّقنية ليسا سوى أيديولوجيا الحداثة التي تعطى الأولويّة للتَّصرف التَّطبيقي، أي النَّشاط الأدواتي الذي يصبح عندئذٍ مرجع المعقوليَّة ومعيار الشَّرعية النَّظرية.

3- ثورة التَّحليل النَّفسي: الذي بيّن أن الوعي "عَرَضٌ من الأعراض"... ومكان مفعولات المعاني، أي أن بنية الذَّات بنيةٌ معقَّدة تتفاعل فيها المستويات الرَّمزية والواقعيَّة والخياليَّة.

4- الثَّورة البُنيويَّة: التي أرست عقلانيَّة نسقيَّة، ترفض مقولات الوعي، وتنسف التَّاريخيَّة التَّطوريَّة، كما تنفتح على الجوانب المهمَّشة في البُحُوث الاجتماعيّة، وعلى المجتمعات التي اعتبرت "متوحشةً" أو "بدائيَّةً" هادمةً بذلك سلم التَّفاضليَّة التي يقوم عليها التَّصور التَّنويريّ لتقدُّم التَّاريخ.

5- الثَّورة التَّاريخيَّة: كما تبلورت لدى "نيتشة" و "فوكو" فالجينالوجيا النتشويَّة ترفض «منطق التَّعريف والماهيّة»، كما ترفض «المفهوم كحضورٍ ومُثُول» باعتباره هو «المكان الذي تفعل فيه الفوارق، والمفهوم هو المجال الدَّلاليّ الذي يكثِّف نموًّا تاريخيًا كاملاً» ، فليس الدَّليل «حضورًا للمعاني، وإنما هو المكان التَّفاضليّ الذي تؤثِّر فيه مختلف التَّأويلات - إنه المجال الذي لا تكون فيه الكلمة إلا تكثيفًا لعدَّة تأويلات»[23].

وهكذا دشّن نيتشه النَّقد الجذريّ لمشروع التَّنوير ذاته، ولأسس الحداثة المفهوميَّة، معلنًا نقد "إرادة الحقيقة" التي قامت عليها الحداثة كـ"إرادة سلطة" مبيِّنًا ضرورة إقامة تاريخٍ للمفاهيم ذاتها لهدم معقوليَّة "الوعي والتَّطابق" ، وتركيز ممارسةٍ جديدةٍ للفلسفة تتأسَّس على الاختلاف، وهو المفهوم المركزيّ الذي يقومُ عليه ما يُدعي اليوم بخطاب "ما بعد الحداثة".

أما فوكو فقد أقام دعائم جديدة للمقاربة التَّاريخيَّة تهدم التَّاريخانيَّة التَّنويريَّة ومحتواها الاتصالي، إذ «التَّاريخ المتَّصل هو الرَّديف الملازم للدَّور التَّأسيسيّ للذَّات، فهو الذي يضمن لها أن تستعيد كلّ ما ضاع منها. ويؤكِّد أنَّ الزَّمان لا يفرِّق بين الأشياء إلاّ لكي يعيد إليها وحدتها، وما يَعِدُ بأنَّ كلَّ هذه الأمور التي أزاحها الاختلاف، في مقدور الذَّات في صورة الوعي التَّاريخي أن تتملَّكها لتبسط عليها هيمنتها، وتجد فيها ما يمكن أن نسميّه مقرّها»[24].

إن جوهر القراءة التَّأويلية المحدثة تنبني على الانتقاد بدل الاعتقاد حيث ظهرت محاولات عدَّة لقراءة بعض الآيات القرآنيّة والنُّصوص التُّراثية بحسب المعطى الانتقاديّ الحداثي.

وتعتبر قراءةُ محمد أركون ومدرسته من التَّوانسة ممثلةً بعبد الرحمن الشُّرفي وغيره في تونس، وكذلك قراءة التُّونسي يوسف صديق في باريس، وكذلك قراءة نصر حامد أبو زيد وطَيِّب تيزيني في هذا الاتّجاه، وتندرج قراءة حسن حنفي ضمن القراءات الحداثيَّة على الرّغم من تشديده على الاستقلال عن القراءة الأجنبيَّة.

أمّا الدكتور محمد عابد الجابري فهو أقلّ حِدَّة من سابقيه في تبنِّي فكر القطيعة مع القراءة التُّراثية؛ فالجابريّ من أنصار القطيعة الصُّغرى؛ فهو يتوسَّل بالمفهوم البُنْيوي للعقل والثَّقافة من خلال انتقاء ما يصلح لإحداث القطيعة، فبحسب الجابري: «كانت مقولات الخطاب العربيّ لا زالت مقولاتٍ فارغة جوفاء تعبِّر عن آمال أو مخاوف ليس غير، فالشَّيء الذي جعلها تعكس أحوالاً نفسيَّة وليس حقائق موضوعيّة»[25].

سابعًا: منهج القراءة والتَّأويل عند محمد عابد الجابريّ:

يعمل الجابريّ على بناء قراءةٍ نقديَّة للتُّراث لكي يتجاوز القراءات التُّراثية التي يلخِّصها بـ«هيمنة النَّموذج – السّلف، رسوخ آليّة القياس الفقهيّ، التعاون مع الممكنات الذِّهنية كمعطياتٍ واقعيَّة»[26].

وفي هذا السِّياق طرح مشروعه الفكريّ العقلانيّ والنَّقديّ للتُّراث، وللعقل العربيّ بدأه بكتاب «نحن والتُّراث» سنة 1980، وعمل على تطويره في مؤلفاته التَّالية، وهي: «تكوين العقل العربيّ» سنة 1984، ثم «بنية العقل العربيّ» سنة 1986، ثم «العقل السِّياسي العربيّ» سنة 1990، ثم «العقل الأخلاقي العربيّ» سنة 2001، وقد أصدر أخيرًا الجزء الأول من كتابه «مدخل إلى القرآن الكريم في التَّعريف بالقرآن» سنة 2006، ويعتبر كتاب «نحن والتُّراث» مفتاحًا في فهم قراءته للتُّراث، وهو بمثابة مقالٍ في المنهج، تضع الأسس والقواعد لقراءةٍ جديدةٍ، وتقطع مع القراءات السَّلفية الثَّلاثة، والتي تتمثَّل:

1- القراءة السَّلفية الدِّينيَّة: وهي قراءة أيديولوجية جدالية .. لا تاريخيّة، ذاتية، تُسقط المستقبل على الماضي، ولا يمكنها أن تنتج «سوى نوعٍ واحدٍ من الفهم للتُّراث هو الفهم التُّراثي للتُّراث»[27].

2- القراءة اللِّيبراليّة – الاستشراقيّة: وهي قراءة أوروباوية النَّـزعة، وتقوم على قراءةٍ تراثٍ بتراث، اعتمادًا على المنهج الفيلولوجي، ومُهِمَّتُها تنحصر في ردِّ التُّراث العربيّ الإسلاميّ، إلى الأصول إمَّا يهوديَّة أو مسيحيَّة أو فارسيَّة أو يونانيَّة أو هنديَّة[28].

3- القراءة اليساريَّة - الماركسيَّة: وهذه القراءة لا تتبنى المنهج الجدليّ كمنهجٍ للتَّطبيق، بل كمنهجٍ مطبَّق مما ينتهي بها، إلى سلفية ماركسيّة، أي إلى محاولة لتطبيق طريقة تطبيق السّلف الماركسيّ للمنهج الجدليّ[29].

ويخلص الجابري إلى القول أن هذه القراءات، هي قراءاتٌ سلفيّة تفتقد من النَّاحية المنهجيَّة للموضوعيّة، وتعاني من ناحية الرُّؤية من غياب النَّظرة التَّاريخيَّة، ومن النَّاحية الابستمولوجية، فهي تتأسس جميعها على طريقةٍ واحدةٍ في التَّفكير تقومُ على ما أطلقَ عليه العرب القدامى: "قياس الغائب على الشَّاهد" [30].

ويحدِّد الجابريّ الخطوات المنهجيّة في القراءة والتَّأويل من خلال التَّركيز على المقولات الابستمولوجية والتَّحليل الأيديولوجي، وذلك من خلال:

1. ضرورة القطيعة مع الفهم التُّراثي للتُّراث: أي إرسال قطيعة ابستيمولوجيّة بالمفهوم الباشلاردي «مع بنية العقل العربيّ في عصر الانحطاط، وامتداداتها إلى الفكر العربيّ الحديث» ، ولا يعني الأمر هنا الانفصال الكليّ عن التُّراث ذاته، بل «القطيعة مع نوعٍ من العلاقة مع التُّراث، القطيعة التي تحوِّلنا من "كائنات تراثيّة" إلى كائنات لها تراث، أي إلى شخصيّات يشكِّل التُّراث أحد مقوماتها، المقوّم الجامع بينها في شخصية أعمّ، هي شخصيَّة الأمّة صاحبة التُّراث»[31].

2. فصل المقروء عن القارئ.. مشكلة الموضوعيّة: أي إرساء عمليّة فصل مزدوج بين الذّات والموضوع (فصل الموضوع عن الذّات، وفصل الذّات عن الموضوع)، ذلك أن «القارئ العربيّ مؤطَّرٌ بتراثه، مثقلٌ بحاضره»، ومن ثم وجب «تحرير الذّات من هيمنة النَّص التُّراث»، وهو ما يتحقّق من خلال منهجٍ ثلاثيّ:

أ- المعالجة البنيويّة: أي النّظر إلى النّص التُّراثي «ككلٍ تتحكّم فيه ثوابت، ويعتني بالتَّحولات التي يجريها عليها حول محورٍ واحد» ، و«محورة فكر صاحب النَّص حول إشكاليَّة واضحة».

ب – التَّحليل التَّاريخي: ربط النص بـ: «مجاله التَّاريخي بكلِّ أبعاده الثَّقافيّة والأيديولوجيّة والسِّياسيَّة والاجتماعيَّة».

ج- الطَّرح الأيديولوجي: أي «الكشف عن الوظيفة الأيديولوجيّة (الاجتماعيّة السياسيّة) التي أدَّاها الفكر المعني، الذي ينتمي إليه»[32].

3. وصل القارئ والمقروء... مشكلة الاستمراريّة: أي ضرورة الحدث الاستشرافي كحقٍّ للذَّات القارئة التي «تحاول أن تقرأ نفسها في الذَّات المقروءة، ولكن مع الاحتفاظ لهذه الأخيرة بكيانها الذَّاتي كاملاً ومستقلاًّ، الشَّيء الذي يعني أن الذَّات القارئة تبقى محتفظةً بوعيها وبكامل شخصيَّتها»[33].

وبهذا فإنَّ الجابريّ يستخدم منهجًا مرنًا يعمل من خلاله على توظيف جملةٍ من المفاهيم الحداثيّة تنتمي إلى مجالاتٍ معرفيّة متعدِّدة؛ فهو يقول: «إنَّنا لا نتقيَّد في توظيفنا لتلك المفاهيم بنفس الحُدُود والقُيُود التي تؤطِّرها في إطارها المرجعيّ الأصليّ، بل كثيرًا ما نتعامل معها بحريَّةٍ واسعة.. وذلك لأنَّنا لا نعتبر هذه المفاهيم قوالب نهائيّة، بل فقط أدوات للعمل يجب استعمالها في كلّ موضوعٍ بالكيفيّة التي تجعلها منتجة»[34].

إلا أن الجابريّ في كتابه الأخير الذي يقرأ من خلاله الظّاهرة القرآنية «مدخل إلى القرآن الكريم: في التعريف بالقرآن» يطرح قراءةً تختلف نسبيًّا عن قراءاته السّابقة، ويعتمد في قراءته على قاعدةٍ سلفيَّةٍ في التَّفسير، تستند إلى القول بأنَّ «القرآن يشرح بعضه بعضًا» ، وهي قاعدة معلومةٌ لدى أئمة التّفسير؛ فالجابري يؤكِّد على أن القرآن يفسِّر بعضه بعضًا، وهي عبارة يردِّدُها الجابري في كتابه، ويعتبرها مدخلاً لجعل القرآن معاصرًا لنفسه، ومعاصرًا لنا فهو يقول: «إن أحسن طريقٍ إلى تطبيق هذا المنهج الرُّؤية (أي جعل المقروء معاصرًا لنفسه ولنا) إذا كان الأمر يتعلّق بالقرآن، وذلك المبدأ الذي نادى به كثيرٌ من علماء الإسلام مفسِّرين وغيرهم، وهو أن القرآن يشرحٌ بعضه بعضا[35].

ولا يخفى أن أبرز من نادى بتفسير القرآن بالقرآن، هو الفقيه الحنبلي الكبير أحمد بن تيمية (728هـ) في كتابه «مقدمة في أصول التَّفسير» ، ولعل المفارقة أو التَّحول الذي طرأ على الجابري في هذا الكتاب هو الاعتماد على مفاهيم تراثيّة سلفيّة كان يعتبرها الجابري أكثر التَّيارات معاداةً للعقلانيّة، إلا أن الجابريّ يبدو مهمومًا بتجديد الإسلام من الدّاخل خصوصًا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وهو ما يصرِّح به في سبب تأليفه.

ويلخِّص إبراهيم أعراب أطروحة الجابري في كتاب الأخير بالقول: «إن الجابري في قراءته التّاريخيّة والعقلانيّة للظّاهرة القرآنيّة حاول إبراز العناصر التّاليّة:

- الدّعوة المحمديّة نبيًا وقرآنًا لم تعرف أسرارًا، ولا يوجد فيها ما يدعو إلى اعتبار العقل قاصرًا.

-   اعتبار حياة الرسول r وتعاليم الكتاب والقرآن موضوعًا مفتوحًا لإعمال العقل.

-   العلاقة بين النَّبي والقرآن علاقة يوميَّة، وبقيت دومًا تتحرك في حدود المعقول.

-  القصص القرآنيّة ليست مجرّد حكاية إخبار؛ بل هو بيانٌ وبرهانٌ ووسيلةٌ للإقناع تدعو للاحتكام إلى العقل، بعيدًا عن أساليب اللاعقل.

-  القرآن لا يحتاج إلى معجزة من خارجه تؤيِّد صدقه، من قبيل انشقاق القمر، والإسراء والمعراج، وأميّة النبي r .. الخ.

-  عدم أخذه بالرِّوايات والتَّفاسير التي تُكثر من اعتماد الخوارق والمعجزات، ويكتفي بميدان القرآن هو المعجزة الكبرى للنبيّ، وهو في هذا قريبٌ من المعتزلة كالزَّمخشري في «الكشَّاف».

-  أمية النّبي r ليست علامة على المعجزة؛ فهي لا تعني أنه لا يحسن القراءة والكتابة، ولكن الأمي من الأمم التي ليس لها كتاب منزَّل[36].

ثامنًا: منهج القراءة والتَّأويل عند محمد أركون:

تعتبر قراءة محمد أركون للتُّراث الإسلاميّ والنَّص القرآني أحد أهم القراءات المحدثة، والتي استلهمت الحداثة الغربيّة كنموذجٍ إرشاديٍّ في القراءة الغربيَّة، واعتبر كتابه «نقد العقل الإسلاميّ» الذي ترجم إلى العربيّة تحت عنوان «تاريخيّة الفكر العربيّ الإسلاميّ».

ويهدف أركون من خلال مشروعه النَّقدي إلى «تأسيس تاريخٍ منفتحٍ وتطبيقيٍّ للفكر الإسلاميّ» ، ويصف أركون مشروعه بالجدّية والتَّعقيد، كما يصف الإنتاج الفكري العربيّ الإسلاميّ بقوله: «إذا ما نظرنا إلى ناحية الباحثين العرب والمسلمين وجدنا تأخُّرًا وبطأً، ونواقص أشدُّ إيلامًا وحزنًا. إن تفاقم المشاكل السِّياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة منذ سنيّ السّبعينات يفسِّر لنا سبب الانخفاض الواضح للإنتاج العلميّ في المجال العربيّ والإسلاميّ كمًّا ونوعًا، أما الأدبيَّات النِّضالية فهي على العكس من ذلك وافرةٌ وغزيرةٌ جدًّا»[37].

تتمثّل خطوات المنهج في القراءة والتَّأويل لدى محمد أركون من خلال الهدف الذي يتوخَّى تحقيقه، ألا وهو: بناءُ إسلاميَّاتٍ تطبيقيَّة، وهي عبارةٌ مستمدَّة من كتاب روجيه باستيد «الانثروبولوجيا التّطبيقية» فالإسلاميّات التَّطبيقية «تدرس الإسلام ضمن منظور المساهمة العامة بإنجاز الانثروبولوجيا الدِّينيَّة» ، فمن هنا كانت المنهجيَّة التي حاول أركون تطبيقها على النَّص القرآني، وهي منهجيَّة كانت قد طُبِّقت على النُّصوص المسيحيَّة، وتتلخّص في إخضاع القرآن لـ«محكِّ النَّقد التَّاريخيّ المقارن، والتَّحليل الألسنيّ والتَّفكيكي، والتَّأمل الفلسفيّ المتعلق بإنتاج المعنى وتوسعاته وتحوُّلاته وانهدامه»[38].

إن منهج الإسلاميّات التَّطبيقيَّة الذي يتبَّناه أركون، والذي يعتمد على عُلُوم الإنسان والمجتمع، وذلك كون مشروعه يعمل على جبهاتٍ وحقولٍ معرفيَّة متعدَّدة يجملها أركون بما يلي: القرآن وتجربة المدينة، وجيل الصَّحابة، ورهانات الصِّراع من أجل الخلافة أو الإمامة، السُّنة والتَّسنُّن، وأصول الدِّين، وأصول الفقه، والشريعة، ومكانة الفلسفة أو الحكمة المعرفية وآفاقها، والعقل في العُلُوم العقليّة، والعقل والمخيال في الأدبيَّات التَّاريخية والجغرافيّة، والعقل والمخيال في الشِّعر والأسطورة، والعقل والمخيال في الآداب الشَّفهية، والمعرفة السكولاستيكيَّة (المدرسيَّة أو المذهبيَّة)، والمعارف التَّطبيقيَّة أو التَّجريبية (الحس العملي) ، والعقل الوضعيّ والنَّهضة، والعقل والمخيال الاجتماعيّ والثَّورات، ورهانات العقلانيَّة وتحوُّلات المعنى[39].

إن خطة القراءة لدى أركون تعمل على إزاحة مسلَّمات الإسلام الأرثوذكسي بحسب وصفه، والتي تستند كما يرى إلى أحاديَّة الحقيقة المطلقة المنحصرة في الرِّسالة الدِّينيّة، والموقف المقدَّس للأنبياء من منظور الخلاص الأخرويّ، وعدم الشَّك في صحَّة الحكايات التي تنقل عجائب الأمور، وهي مسلَّماتُ التُّراث الإسلاميّ الكلِّي ذات الوظيفة الأيديولوجية في صراع الشَّرعية المعرفيَّة والسياسيَّة، والتي تخترق كافة مراحل التَّاريخ الإسلاميّ.

إن أركون يهدف إلى أحداث قطيعةٍ مع التُّراث تتجاوز الإسلام الأرثوذكسي وتعتمد قراءته على:

1- المقاربة السِّيميائية اللُّغوية: أي استخدام مقولات السِّيميائيّة واللِّسانيات من أجل عودةٍ نقديَّة للمواد المقروءة لمعرفة: «كيف تقوم العلامات المستخدمة في النُّصوص بالدَّلالة وتوليد المعنى؟

فالآليات الألسنية أو اللُّغوية المستخدمة من أجل إنتاج هذا المعنى المحدد، وليس أي معنى آخر غيره؟

لمن ينبثق هذا المعنى وضمن أيّة شروط؟»

وهكذا يوظِّف أركون المفاهيم الألسنيّة باعتبارها أصبحت في حكم المكتسبات المؤكّدة التي لا تناقش، ويكمن دورها في إرساء هذه الزَّحزحة المنهجيَّة الأساسيَّة: «القول بأن دعامة التَّوصيل ليست هي المعرفة الصَّحيحة» التي نمتلكها عن المادة المدروسة ... وإنما هي تكمن في المنظورات المتبادلة المقامة بين المتخاطبين المتنافسين المرتبطين بنفس إطار التَّحسس والإدراك والتَّصورات، أو بالأحرى نفس الصُّور العقليَّة التي تشير إليها العلامات اللُّغوية[40].

2- المقاربة التَّاريخيَّة والسوسيولوجيّة: إن هذه المقاربة يهدف منها تقويض "الرُّؤية الدِّينيَّة" للتَّاريخ كما مارسها العلماء المسلمون الأوائل الذين «يهتمون بالأحداث الزَّمنيّة المتسلسلة، وبالسيرة الذَّاتيّة، وبالحكايات المناسبة من أجل البرهنة على صحَّة المادة المنقولة أو المرويّة وموثوقيَّتها».

فالمقاربة التي يدشِّنها أركون ترتكز على النَّظر إلى التُّراث من خلال بُعْدَين عملت "المقاربة الثيولوجية الدوغمائيّة" على طمسها، وهما:

أولاً: تاريخيَّة كلّ العمليَّات الثَّقافيّة والممارسة العمليّة التي يندمج الكتاب المقدَّس بواسطتها داخل الجسد الاجتماعيّ ويمارس دوره فيه.

ثانيًا: سوسيولوجيا التلقّي أو الاستقبال، أي الكيفيّة التي تتلقى بها الفئات الاجتماعيّة أو الاثنيّة الاجتماعيّة المختلفة التُّراث[41].

3- الموقف الثيولوجي: أي إخضاع الثيولوجي لـ«القواعد والمناهج المشتركة المطبَّقة على كل عمليّة معرفيّة» ، ومن أجل ذلك لابُدَّ من دراسة الوحي انطلاقًا من "معطيات جديدة"، وهي معطيات الأنثروبولوجيا الدِّينية، وعلم نفس المعرفة اللَّذين يعلِّماننا بأنّ «الإيمان يتطابق عمومًا مع دوافع الرَّغبة الأكثر استعصاءً على الكبح، ومع مضامين الذَّاكرة الأكثر تعقيدًا، ومع تصورات المخيال الأكثر استيهامًا، ومع نبضات القلب الأكثر قوةً، ومع حاجات العقل الأكثر صرامة»[42].

يبدو أن أركون قد اتَّبع منهجًا في دراسة الخطاب الدِّينيّ يستند إلى منهج التَّحليل والتَّفكيك. والنَّقدُ عند أركون يهدف إلى إبراز الصِّفات اللِّسانيّة اللُّغوية للقرآن الكريم دون الوُصُول إلى حقيقةٍ بعينها؛ فهو ينفر منها بشدَّة، ويتلخَّص هدفه الأساس برفعِ قدسيَّة النَّص القرآني، وإبراز أسطوريَّته ولا عقلانيَّته، فهو لا يفتأ يردِّد مقولات النَّتشويّة الفرنسيّة، فهو يؤكِّد في كتابه «قضايا في نقد العقل الدينيّ» على القول: «وقد استمر العقل الحديث قبل مجيء ماركس ونتشه وفرويد في استغلال تلك المزودجات الثُّنائية الضِّديّة التي طالما استغلَّها الفكر القروسطي حتى شبع منها. أقصد بذلك المزدوجات التَّالية: خير/شر، صحيح/ خاطئ، جميل/قبيح، مادي/روحاني، فان/ باق، حلولي أو مُثولي/منزَّه أو متعال .. الخ»[43].

ولم يكتف العقل الحديث بهذا الإرث القروسطي، بل إنه أضاف إليه متضادات أخرى: تاريخي/ أسطوري، مقدس/دنيوي، ديني/سياسي، كنسيّة/دولة، روحي/زمني ... الخ[44].

يحمل أركون بشدَّة على الأدبيَّات الإسلاميّة القديمة والحديثة التي تعمل على تكفير الملل والأديان الأخرى، وتقسِّم البشريَّة إلى أتباع لدينٍ قَوِيمٍ وآخرين ضالين، فهو يقول: «ما كان في إمكانهم أن يتحرَّرُوا من النَّظرية اللاَّهوتيَّة القائلة: بالدِّين الحقّ من جهة، وبالنِّحل والأهواء الضالة من جهة أخرى»[45].

ولا يمكن بحسب أركون لأيّ فكر الثُّبوت على رأيٍ واحدٍ؛ لأنّ الأصل لا وجود له، فلا شيء يملك في ذاته مبدأ استقراره، ولا أصل يمكن تأصيله، فهو يؤكِّد على هذا المنهج بقوله: «أردت قبل كلِّ شيءٍ أن أنقد مفهوم الأصل وعمليَّة التَّأصيل، أو بالأحرى الإدِّعاء بإمكانيَّة التَّأصيل لفكرةٍ ما دينيّة أم علميّة أم فلسفيّة أم أخلاقيّة أم سياسيّة أم اقتصاديّة أم اجتماعيّة»[46].

إن منهجية محمد أركون في القراءة والتَّأويل تستند بحسب محمد المزوغي إلى القول: «ليس هناك حقيقةٌ على الإطلاق، وفي أيّ مجال من المجالات، ومن كان يرغب في اكتناه حقائق الأمور بموضوعيَّةٍ وتجرّد، فإن أركون يثبِّط من عزمه منذ البداية، ويُشعره بأنه خاسر لا محال في أول محاولة للدُّخول في معمعة الفكر.. فأركون يدحض القول بالوُصُول إلى الحقيقة، ويسمِّيه ادعاءات العقل الكلاسيكيّ التي كانت سائدةً قبل أن يُنقد منطق أرسطو على يد العلم الحديث. فنحن الآن على حدِّ قول أركون وصلنا إلى مرحلةٍ جديدةٍ "مرحلة نهاية اليقينيَّات"... فالإنسان إذن مؤطَّرٌ في النِّسبويّة، ومأسورٌ في اللاحقيقة، ودنياه التي يعيش فيها ولغتُه ومؤسَّساته هي سجن مؤبَّدٌ لا تترك له فرجة للنَّظر إلى العالم بموضوعيّة، ولا يمكّنهم من استمداد أيّ نوعٍ من اليقينيَّات»[47].

تاسعًا: منهج القراءة والتَّأويل عند نصر حامد أبو زيد:

لعل القراءة التَّأويليَّة التي توصَّل إليها نصر حامد أبو زيد هي الأكثر تطرُّفًا وغلوًّا في استخدامها المناهج الحداثيّة الغربيّة، وقد بدأ أبو زيد في طرح آليّات القراءة والتَّأويل في كتابه «مفهوم النّص: دراسة في علوم القرآن» الذي أصدره عام 1987م، وهو يعتمد منهجًا لسانيًّا تأويليًّا باعتبار القرآن نصًّا لغويًّا، والحضارة العربيّة الإسلاميّة بأنها حضارة نصّ، والنَّص القرآني يمثل في هذه الحضارة نصًّا مركزيًّا.. ويخلص إلى أنه إذا كان النَّص هو عنوان هذه الحضارة؛ فإن التَّأويل هو الوجه الآخر لفهم النَّص ومحاورته، وبالتَّالي سيكون التَّأويل بجانب النَّص هو الآليَّة الأساسيَّة والهامّة داخل الثَّقافة العربيّة الإسلاميّة، وفي هذا السِّياق ينتقد أبو زيد متابعًا الجابري وأركون القراءة السَّلفية التُّراثية التي أغفلت مفهوم النَّص واكتفت بترديدِ وتكرار أقوال القُدامى دون إضافة أيّ جديد[48].

ينطلق أبو زيد في قراءته للنَّص القرآني من رؤية تشبَّعت وفُتنت بتقليد واقع الحداثة الغربيّ، وذلك باعتبار الحداثة الغربيَّة مشروعًا كونيًّا مكتملاً ينتظر التَّحقق شرقًا، ومن المعلوم أن التّطبيق الغربيّ للحداثة انبنى على قطع الصِّلة بالماضي، نتيجةً لما طُبع في ذاكرتهم من صُنُوف التَّخلف التي عانوا منها في القُرُون الوُسْطى.

وعلى الرّغم من أن هذه الحال لا تنطبق على ذاكرة المسلمين؛ لأنّ هذه القُرُون شهدت حضارتهم، إلاّ أنّ بعض الدَّارسين كأبو زيد يصرُّون على أن الأمَّة المسلمة ينبغي أن تحذو في علاقتها بتُراثها وتاريخها حذو الغرب في علاقته بتُراثه وتاريخه.

إذ يطمح أبو زيد من خلال قراءته للقرآن أن يقطع الصِّلة بالتَّفاسير السَّابقة، طمعًا في تدشين عهدٍ تفسيريٍّ جديد، مع أن هذه القراءة لا تنطوي على إبداعٍ حقيقيٍّ موصول، فقطع الصِّلة بالتُّراث وتقليد الغير لا اجتهاد فيه من الذّات، وكل إبداعٍ هذا وصفه ينطبق عليه وصف البدعة.

ويسعى أبو زيد من خلال قراءته الحداثيَّة أن يحقِّق قطيعةً معرفيَّة مع القراءات التُّراثية بشقيها التّأسيسي والتَّجديدي، ومن المعروف أن هذه القراءات تمتاز بكونها تفاسير قرآنيّة تعمل على وضع الأسس النَّظرية للإيمان، وتسعى إلى تقوية أسبابه العمليّة، بمعنى أنها قراءاتٌ اعتقاديّة، أما القراءات الحداثيّة المزعومة فهي انتقاديّة؛ لأنها لا تريد أن تحصل على اعتقاد في الآيات القرآنيّة، وإنما تريد أن تمارس نقدها على هذه الآيات.

اتبع أبو زيد في تحقيق مشروعه النَّقدي على استراتيجيات أو خطط انتقاديّة متعدِّدة، تتكون من ثلاثة أركان وهي: الهدف النّقدي الذي تتوخَّاه، والآليّة التنسقيّة التي توصل إلى الهدف، والعمليّات المنهجيّة.

أما بخصوص الهدف الذي تسعى إليه قراءة أبو زيد فهو رفع العائق الاعتقادي من خلال التَّوسل بخطة الأنسنة بهدف رفع عائق القدسيّة الذي يتمثَّل في الاعتقاد (أن القرآن كلامٌ مقدَّس)، ويظهر ذلك جليًّا لدى أبو زيد من خلال الاعتماد على آليّة تنسيقيّة تعمل على نقل الآيات القرآنية من الوضع الإلهيّ إلى الوضع البشري من خلال حذف عبارات التَّعظيم مثل: القرآن الكريم أو القرآن العزيز، أو القرآن الحكيم، أو الآية الكريمة، واستبدالها بمصطلحاتٍ جديدةٍ مكان المتداولة؛ كاستعمال مصطلح الظَّاهرة القرآنية بدلاً من مصطلح نزول القرآن، والمدونة الكبرى والنص مكان القرآن الكريم، ومصطلح العبارة مكان الآية، والتَّسوية في الاستشهاد بين الكلام الإلهي والكلام الإنسانيّ، والتَّفريق بين مستويات مختلفة في الخطاب الإلهي، كالتَّفريق بين الوحي والتنزيل، والوحي والمصحف، والقرآن والمصحف، وكذلك بين القرآن الشّفوي والقرآن المكتوب، أو بين الوحي في اللَّوح المحفوظ والوحي في اللسان العربيّ.

ومن هذه العمليّات المنهجيّة المماثلة بين القرآن والنبي عيسى u فبحسب هذه القراءة الحداثيّة المقلّدة؛ فكما أن كلمة الله جُسِّدت في عيسى بن مريم، فكذلك كلامٌ تجسَّد في القرآن، وبناء عليه فعلى المسلمين الذين ينفون عن المسيح الطَّبيعة الإلهيّة، ويثبتون له الطَّبيعة الإنسانيّة، وجب عليهم أن ينفوا عن القرآن الطَّبيعة الإلهيَّة، ويثبوا له هو الآخر الطَّبيعة البشريَّة. كما يؤكَّد على ذلك أبو زيد في كتابه «نقد الخطاب الديني» بقوله: «والمقارنة بين القرآن والسيد المسيح من حيث طبيعة "نزول" الأول وطبيعة "ميلاد" الثاني تكشف عن وجوه التشابه بين البنية الدِّينية لكل منهما داخل البناء العقائدي للإسلام نفسه، ولعلنا لا نكون مغالين إذا قلنا أنهما ليستا بنيتين، بل بنيةٌ واحدة رغم اختلاف العناصر المكوّنة لكلٍّ منهما، فـ"القرآن كلام الله" وكذلك عيسى u "رسول الله وكلمته"»[49].

إن تطبيق هذه العمليَّات المنهجيَّة التأنيسيَّة عند أبو زيد تؤدِّي إلى جعل القرآن نصًّا لغويًّا مثله مثل أي نصٍّ بشريٍّ، وتترتَّب على مثل هذه المماثلة اللُّغوية: أنّ النّص القرآني هو مجرّد نصٍّ تم إنتاجه بحسب المقتضيات والظُرُوف الثَّقافيّة التي تنتمي إليها لغته، ولا يمكن بالتَّالي أن يُفهم أو يُفسَّر إلاّ بالعودة إلى المجال الثَّقافي الخاص، فبحسب أبو زيد «إن النُّصوص الدِّينية ليست في التَّحليل الأخير سوى نصوصٍ لغويَّةٍ، بمعنى أنها تنتمي إلى بنيةٍ ثقافيَّة محدَّدة ثم إنتاجها طبقًا لقوانين تلك الثَّقافة التي تعدّ اللُّغة نظامها الدَّلالي المركزي»[50].

وبهذا ينزل النَّص القرآنيّ من رتبة التَّعلق بالمطلق إلى رتبة التَّعلق بالنِّسبي، ومن هذه النَّتائج المترتبة على خطة الأنسنة: أن يصير النص القرآني نصًّا إجماليًّا وإشكاليًّا ينفتح على احتمالاتٍ متعددةٍ، ويقتبس تأويلات غير متناهية، وفصل النّص القرآني عن مصدره المتعالي وربطه كليًّا بالقارئ الإنسانيّ، وبهذا يصبح النَّص القرآني غير مكتملٍ، ولا يبعُدُ احتمال وجود نقصٍ فيه يتمثَّل في حذف كلامٍ منسوب إلى المصدر الإلهيّ عند التَّدوين أو عند وضع المصاحف، ولا يرفع احتمال وجود زيادةٍ قد تخدم مصلحة فئةٍ بحيث تقوي مركزها أو تشرّع سلطتها.

أما بخصوص الخطة الثانية التي يعتمد عليها أبو زيد في قراءته فهي خطة العقلنة، والتي تهدف إلى رفع عائق الغيبيَّة الذي يتمثل في الاعتقاد أن القرآن وحيٌ ورد من عالم الغيب، والآليّة المتبعة في إزالة هذا العائق هي التَّعامل مع الآيات القرآنيَّة بكل وسائل النَّظر والبحث التي توفِّرها المنهجيّات والنَّظريات الحديثة، ويتم التَّعامل بواسطة عمليَّات منهجيّة تستند إلى نقد علوم القرآن؛ فأبو زيد يعتقد أن هذه العُلُوم التي اختص بها علماء المسلمين تشكِّل وسائط معرفيّة متحجِّرة تصرفنا عن الرُّجوع إلى النَّص القرآني، وتحول دون قراءة تأخذ بأسباب النَّظر العقليّ كما أكد على ذلك مرارًا في كتابه: «مفهوم النّص: دراسة في علوم القرآن»[51].

كما توسَّل أبو زيد بمناهج مقررَّة في علوم الأديان تستخدم في تحليل ونقد التَّوراة والإنجيل، ونقلها إلى مجال الدِّراسات القرآنيّة باعتبارها واحدة، كعلم مقارنة الأديان وتاريخها وتاريخ التَّفسير واللاهوت، وكذلك بالمناهج المقرّرة في علوم الإنسان والمجتمع، لأنّ مقتضياته البحثيّة لا تختلف ولا يمتنع تنزيلها على النَّص القرآني وخصوصًا "اللِّسانيات" ، و"السيميائيات" ، و"التاريخ" ، و"الاجتماع" و"علم الإناسة" ، و"علم النَّفس" ، و"التَّحليل النَّفسي".

ولا يتورَّع عن استخدام جميع النَّظريات النَّقدية والفلسفيَّة المستحدثة من دون اكتراث لمآلات هذه النَّظريات، ولا يتجاوز بعضها لبعض ولا بأُفُول بعضها، وأهمُّها: اتجاهان؛ تحليل الخطاب والاتجاهات الجديدة في النَّقد الأدبيّ المتمثلة في البنيويَّات والتَّأويليات والحفريَّات والتَّفكيكيَّات، وإطلاق سلطة العقل من دون اعتبارٍ لحدودها وآفاقها ونتائجها، وقد أدّى الاجتهاد المقلّد في تطبيق العمليّات المنهجيّة التعقيليّة إلى جعل القرآن نصًّا دينيًّا مثله مثل أي نصٍّ دينيٍّ آخر، توحيديًّا كان أم وثنيًّا، وترتب على هذه المماثلة تغييرًا لمفهوم الوحي واستبداله بمفهوم تأويليٍّ يسوِّغه العقل، فيجري التَّعامل مع الأخبار على أساسِ أنَّها أساطير، والعبادات على أساس أنها طُقُوس جامدة.

ويفضي هذا التَّأويل العقلي للوحي بحمله على معنى الموهبة الإنسانيّة والمماثلة بين النُّبوة والعبقريَّة، ومن ثم حصر مفهومه في الجانب الأخلاقيّ والمعنويّ، ويترتب عليه عدم أفضليَّة القرآن على التَّوراة والإنجيل حتى فيما يتعلَّق بالحفظ من التَّبديل.

في هذا السِّياق يقول أبو زيد: «إن كل الخطابات تتساوى من حيث هي خطابات، وليس من حقِّ واحدٍ منها أن يزعم امتلاكه للحقيقة، لأنّه حين يزعم ذلك يحكم على نفسه على أنه خطابٌ زائف»[52].

وبالنَّتيجة فإنَّ النَّص القرآن يعاني من عدم الاتساق المنطقي، من حيث سوره وآياته وموضوعاته وترتيبه، ومتناقضٌ ويخلو من الاتّساق التّاريخي يؤدي إلى اختلالات في مساق الأحداث، كما أن النَّص القرآني بحسب هذه القراءة الحداثيّة المقلّدة تطغى عليه الاستعارات والمجازات بدلاً من الأدلَّة والبراهين، ولهذا فإنّ العقل الذي ينبني عليه هذا النَّص هو أقرب إلى العقل القصصي الأسطوريّ منه إلى العقل الاستدلاليّ المنطقي، وبهذا فإنّ كل ما يصادم العقل في النّص القرآني من قضايا أو أخبار لا يعدو كونه شواهد تاريخيّة على طورٍ من أطوار الوعي الإنسانيّ تم تجاوزه، فبحسب أبو زيد «السِّحر والحسد والجنّ والشّياطين مفردات في بنية ذهنيّة ترتبط بمرحلةٍ محدَّدة من تطور الوعي الإنساني»[53].

وعلى صعيد خطة الأرْخَنة التي تستهدف رفع عائق الحكميّة الذي يتمثّل في الاعتقاد أن القرآن جاء بأحكامٍ ثابتةٍ وأزليّة، فإن الآلية التنسيقيّة التي يتوسل بها لإزالة هذا العائق هي وصل الآيات بظروف بيئتها وزمنها وبسياقاتها المختلفة، حيث يقول أبو زيد: «نكتفي هنا بالتَّوقف عند مستويات السياق المشتركة والعامة جدَّا مثل السياق الثقافي الاجتماعي، والسياق الخارجي (سياق التَّخاطب) ، والسياق الدَّاخلي (علاقات الأجزاء) ، والسِّياق اللُّغويّ (تركيب الجملة والعلاقات بين الجمل) ، وأخيرًا سياق القراءة، أو سياق التَّأويل»[54].

ويتمُّ هذا الوصل بواسطةِ عمليَّات منهجية خاصة كتوظيف المسائل التّاريخية المسلّم بها في تفسير القرآن كأسباب النُّـزُول، والنّاسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والمكيِّ والمدني، ومسألة التّنجيم، حيث قام أبو زيد بتحميل هذه المسائل بتقرير البنية التّاريخية الجدليّة للآيات القرآنية لاكتساب شرعيّة ممارسة النّقد التّاريخي للآيات، متجاوزًا حدود التّفسير والفقه، وإضفاء النِّسبية على آيات الأحكام، وبهذا لا يمكن أن تَحْمل هذه الآيات معانٍ مستقرّة ولا مطلقة، ولا تقتصر صفة التّاريخيّة على آيات العبادات والاعتقادات، لأنّ القرآن كما يؤكِّد أبو زيد تابع لمستوى المعرفة للعصر الذي نزلت فيه، ولأولئك الذين توجَّه إليهم الخطاب، ولـمّا كان وعيهم دون مرتبة الوعي النَّقدي لزم أن تكون بعض هذه التّصورات ذات صبغةٍ أسطوريّة.

ولا يخفى على أحدٍ أن تطبيق هذه العمليّات المنهجيّة التّاريخيّة تؤدي إلى جعل القرآن عبارةً عن نصٍّ تاريخيٍّ مثله مثل أيّ نصٍّ تاريخيٍّ آخر، ويترتّب على ذلك نتائج خطيرة مثل:

1- إبطال المسلمّة القائلة بأن القرآن فيه بيان كلِّ شيءٍ.

2- لا يتضمّن النّص القرآني تمام التَّشريع.

3- إن آيات الأحكام تصبح بمنزلة توجيهاتٍ لا إلزام معها، واعتبارها توصيات نمطيّة لا تحمل صبغة القوانين التَّنظيمية.

4- ينحصر القرآن في الأخلاقيَّات الباطنيّة في صورة نصائح وإرشادات موجّهة بالأساس إلى ضمائر المسلمين وسرائرهم ليس أكثر.

ومن هنا فإنّ الدّعوة إلى تحديث الدِّين عند أبو زيد تعني الانسجام مع فلسفة الحداثة الغربيّة، ولا يخفى على من شغلته أمانة العلم والتَّكليف أن هذه القراءة التي يمارسها أبو زيد على التُّراث الإسلاميّ وأساسه النَّص القرآني لا تعدو كونها تطبيقاتٍ فجّة لواقع الحداثة الغربيّ تتَّسم بالتَّقليد والانفصال، ولا تتمتّع بالاجتهاد والاتّصال، وهي نتيجةٌ طبيعيةٌ تتَّسق منطقيًّا مع المبادئ الضَّابطة للواقع الحداثيّ الغربيّ، الذي يستند إلى مسلّمات:

·         وجوب الاشتغال بالإنسان، وترك الاشتغال بالإله من أجل التَّصدي للوصاية الرّوحيّة الكنسيّة.

·         وجوب التَّوسل بالعقل، وترك التَّوسل بالوحي، من أجل التَّصدي للوصاية الثقافيّة للكنيسة.

·         وجوب التَّعلق بالدُّنيا وترك التَّعلق بالآخرة، من أجل التَّصدي للوصاية السِّياسية الكنسيّة.

ولا يخفى ما في هذه الإسقاطات من عيوبٍ منهجيّة كفقد القدرة على النّقد، وضعف استعمال الآليات المنقولة، والإصرار على الآليات المتجاوزة، وتهويل النَّتائج المتوصَّل إليها، وقلب الحقائق الخاصة بالقرآن الكريم، وتعميم الشَّك على كلَّ مستويات النَّص القرآني كما بيَّن ذلك أستاذنا المفكر المغربيّ الإسلاميّ الأستاذ طه عبد الرحمن[55].

الخاتمة:

لا يخفى على أحد اليوم أن النصَّ سواءٌ أكان قرآنيًّا أم حديثيًّا أم تراثيًّا شكَّل أحد أهمِّ الانشغالات العربية والإسلامية في العصر الحديث، وذلك نظرًا لما يتمتع به النص من طاقةٍ خلاقة في تشكيل الواقع والمستقبل، ولا عجب إذن أن يطلق على الحضارة الإسلامية بأنها حضارة نص، وفي هذا السياق ظهرت في العالم العربي والإسلامي جملةٌ من المشاريع تشتغل على النصّ قراءة وتأويلاً من أجل النهوض بالواقع العربي والإسلامي لإنجاز حداثةٍ إسلامية جديدة، تساهم في الخروج من واقع التأخر التاريخي، وقد اشتدت الحاجة لإعادة النظر في مفهوم النص عقب الفشل الذريع الذي طال مشاريع التنمية والتحديث، وانتكاس النهضة.

ولعل السؤال المركزي لانشغالات المفكرين كان هو: كيف استطاعت حضارة تنبني على النص أن تنتج نهضةً تاريخيّة لا مثيل لها في الماضي، وكيف تحول النص في الحاضر إلى عائقٍ يؤشر على التخلف بحسب بعض القراءات الموسومة بالحداثية، وقد ازدادت الحاجة لإعادة النظر في مفهوم النص قراءةً وتأويلاً عقب أحداث 11 من أيلول (سبتمبر) 2001م، إذ أصبح السؤال يتمحور حول تفرد النص الإسلامي بإنتاج العنف والتطرف، ومقاومته للاندماج في القيم الكونية للحضارة الحديثة، وظهرت في هذا السياق جملة من الكتابات العدائية ترتكز إلى قراءات استشراقية وثقافوية ذهبت إلى الرَّبط بين النص الإسلامي والعنف.

وقد أدت هذه التحديات التي تواجه الأمة العربية والإسلامية إلى بروز مقاربات متعددة تتعلق بالنَّص قراءةً وتأويلاً يمكن تصنيفها إلى ثلاثة مقارباتٍ منهجية للإصلاح، وهي:

أولاً: الإصلاح من داخل المرجعيَّة الإسلاميّة، باستثمار مقاصد النَّص ومساحة الاجتهاد الواسعة فيه، من خلال تجديد أدوات وآليات قراءته وتأويله كقراءة طه عبد الرحمن، ورضوان السيد، وطارق رمضان، وطارق البشري، ومحمد سليم العوا، وغيرهم.

ثانيًا: ضرورة معالجة النصِّ الإسلاميّ، داخل التَّقليد الكتابيّ الذي ينتمي إليه، أي التَّقليد اليهوديّ - المسيحيّ، مما يعني عمليًّا إخضاع هذا النَّص لمناهج النَّقد والتَّأويل التي طُبِّقت على العهدين القديم والجديد، لغرضين مترابطين اثنين هما:

أ‌- من جهةٍ تبيان تاريخيته، والكشف عن حدود مجاله المرجعيّ.

ب‌-    ومن جهةٍ أخرى كسر قداسته، وتقويض بنيته الوُثُوقيّة، لفسح المجال أمام القيم الإنسانيّة التَّحديثيَّة التي هي شرط الانتماء للعصر، والاندماج في المنظومة الكونيَّة؛ كقراءة الطيب تيزيني وحسين مروة عبد الله العروي، وغيرهم، كما هو مبين في بحثنا بالتفصيل.

ثالثًا: تطبيق مناهج العُلُوم الإنسانيّة المعاصرة، وفلسفات التَّأويل الجديدة على هذا النَّص، من حيث هو خطابٌ لغويٌّ يستجيب فيما وراء طابعه المقدَّس الذي يقرُّ به المؤمنون لآليات التَّفكيك والقراءة التي طُبِّقت على مختلف النُّصوص، بما فيها النُّصوص ذات الطبيعة الميثيَّة؛ كقراءة محمد أركون ومدرسته من التوانسة كعبد المجيد الشرفي، ويوسف صديق، وكذلك نصر حامد أبو زيد، وغيرهم، وقد بينا في البحث الأسس والمنطلقات والمبادئ التي انبنت عليها هذه القراءات التي تعتمد على ثلاث خطط للقراءة والتأويل؛ وهي: خطة العقلنة والأنسنة والأرخنة.

إذا سلمنا بأن القراءة الحداثية للقرآن الكريم لم تحقق الهدف المنشود التي توخت إنجازه، ولا المقاصد الشريفة التي سعت إلى إحداثها في العالم العربي من التَّحرير و التَّنوير، وتَبَيَّن أنها جلبت مزيدًا من الاستلاب و الظُّلمة بسبب اعتمادها على مناهج حداثيّة مقلدة للنسق الغربي، وإسقاطها آليًّا على القرآن الكريم، الأمر الذي أدى إلى التشكيك في صحة النص القرآني وأصله الإلهي وقداسته وتمام تشريعه وصلاحيته , وإذا تقرر أنه لا سبيل إلى التحقق بالحداثة إلا بإنجاز تحرُّرٍ حقيقي من الوصاية والهيمنة للدخول في أفق الإبداع, فما هي آليات القراءة المبدعة للقرآن الكريم إذن؟

لا بد من التأكيد ابتداءً أنه لا سبيل للمسلمين من أجل الدخول في أفق الحداثة و إنجاز حداثة حقيقية مبدعة من تحقيق قراءة جديدةٍ للقرآن الكريم باعتباره أساس وجود الأمة الإسلامية، وسر صناعة تاريخها, الذي دشن الفعل الحداثي الإسلامي الأول، ومن هنا فان تدشين الفعل الحداثي الإسلامي الثاني لا يتحقق إلا بإبداع قراءة ثانية تعمل على تجديد الصلة بالقراءة النبوية الأولى، وتفجر الطاقات الإبداعية في عصرنا كما قرئت في العهد النبوي.

وإذا  كانت الحداثة في المجتمعات الغربية أُنجزت على أساس مواجهة المؤسسات الكنسية التي مارست وصايتها على الدين والثقافة والسياسة، وتسببت في وقوع حروبٍ دينية مزقت المجتمع, فإن الحداثة الإسلامية قامت على النقيض من مقتضيات الحداثة الغربيّة التي قامت على التّصارع مع الدين، وأنجزت إبداعًا منفصلاً على أساس القطيعة؛ فالحداثة الإسلامية الأولى قامت على أساس التفاعل مع الدين, ولا بد للحداثة الإسلامية الثانية أن  تسلك نفس المنهج التفاعلي إذا أرادت إنجاز  أبداعٍ متّصل.

هذا الإبداع الموصول يقوم على مقاصد و غايات وآليات غفلت عنها القراءات الحداثية المقلِّدة تارةً، و تنكرت لها تارة أخرى على الرّغم من اقترابها ظاهريًّا؛ فالخطط الإبداعية المتصلة للقراءة لا تقصد إلغاء القداسة باعتباره عائقًا معرفيًّا، وإنما تهدف إلى إلغاء كل تقديسٍ في غير موضعه كتقديس الذات أو الفرد, وبالتالي فإن خطة الأنسنة الإبداعية إنما تكون بقصد تحقيق "الكرامة الإنسانية" , فانتقال الآيات القرآنية من الوضع الإلهي إلى الوضع البشري يحقق كرامة الإنسان, وهو ما يعزز التّفاعل الديني؛ فالقرآن إنما هو وحي نزل بلسان الإنسان العربي، وان كان خطابه يتوجه إلى الإنسانية عامة, وبهذا لا جدال بأن القرآن إنما هو وحي اتخذ في شكل تبليغه وتحققه اللِّساني وضعًا إنسانيًّا, وهو ما يعيد الاعتبار للإنسان ليس بالتّخلص من سلطة الإله كما هو شأن القراءة المؤنسنة التي وقعت في رقِّ التقليد، وإنما بموافقة الإرادة الإلهية التي أرادت أن يكون الإنسان خليفةً في تدبير شؤون العالم, فخطة الأنسنة المبدعة تعمل على إعادة صلة الإنسان بخالقه وتحقيق كرامته, وتكشف عن مظاهر تكريم الإنسان وأسبابه ومراتبه في القرآن، وتستخرج الأدلة التي تؤكد على مبدأ الاستخلاف.

ولا تقصد خطة التعقيل الإبداعية إلغاء مفهوم الغيب كما فعلت القراءة المستلبة، وإنما عملت على توسيع مفهوم العقل في التعامل مع الآيات القرآنية، وذلك باستثمار وسائل النظر والبحث التي وفرتها المناهج والنظريات الحديثة, فالتعامل العلمي مع الآيات القرآنية يساهم في الكشف عن بعض المعالم الخفية المميزة للعقل الذي جاء به القرآن، وهو عقل الآيات وليس عقل الآلات والأدوات, وعقل القيم لا عقل النِّسب والعدد, الأمر الذي يوسع آفاق العقل بإدراك أسرار التوجهات القيميّة للإنسان والأسباب الموضوعية للوقائع, ناقلاً إياه من الطور المادي الخالص إلى مزاوجة المادي بالمعنوي.

وهكذا فانّ العمليات المنهجية التي تهدف إلى تحقيق العقلانيّة المبدعة من خلال قراءة النص القرآني تعمل على توسيع آفاق العقل باستثمار مبدأ التَّدبر الذي أرشدت إليه الآيات بوصل الظواهر المختلفة بالقيم والأخلاق، والأحداث بالاعتبار .

وإذا كانت القراءة الحداثية المقلِّدة للنسق الغربي للحداثة اعتمدت التَّاريخانية المنقولة من أجل إلغاء الأحكام  الشرعية باعتبارها عائقًا؛ فإن القراءة الإبداعية تهدف إلى ربط الآيات القرآنية بظروفها البيئية والزمنية، وسياقاتها المختلفة من أجل ترسيخ الأخلاق  والقيم, وهذا الوصل يعمل على تقوية التفاعل الديني؛ فالسياقات والظروف المخصوصة التي وردت فيها الآيات القرآنية ما هي إلا تجليات للتحقق الأمثل للمقاصد و الغايات التي جاءت بها هذه الآيات, ويعني هذا أنه كلما تجددت الظروف والسياقات لابد من تجدد تحقق هذه القيم التي تعمل على تجديد الإيمان بها, فالآيات القرآنية محفوظة بحفظ قيمها في مختلف الأحوال والأطوار, وبذلك فالتاريخ لا يستعيد اعتباره بإلغاء الأحكام، وإنما بتوسيع مفهوم الحكم بالمزاوجة بين الوجه القانوني والأخلاقي،مع التأكيد على أولوية الجانب الأخلاقي باعتبار أن الأخلاق ضرورات لا كمالات تؤسس لرقيِّ الإنسان وبناء حضارته،كما بين ذلك ابن خلدون وغيره من علماء الإسلام, وبناءً على ذلك فان الانشغال بالسلوك في الحياة في خطة القراءة القرآنية التّاريخية الإبداعية تتجاوز التاريخية التي وقعت في التّقليد من خلال العناية بالسلوك الدنيوي، باعتبار أن الأخروي عائق في سبيل تحقيق الحداثة, وتستند القراءة التاريخية المبدعة إلى عمليات منهجية تكشف عن مختلف أشكال التَّخلق ومواضعه ونماذجه ودرجاته في النص القرآني، واستخراج الأدلة التي ترسخ مبدأ الاعتبار التي دعت إليه الآيات القرآنية, فالأحداث التاريخية التي تذكرها هذه الآيات ليست مجرّد وقائع تنبني على أسبابٍ موضوعية، وإنما هي موجهة لتحقيق مقاصد وغايات وقيم مخصوصة تشكِّل عِبرا للإنسان للعمل بها في تغيير نمط سلوكه  ومجرى حياته.

فالنص القرآني الخاتم يمتد في الزمان، ولا بد أن نبحث في الآيات القرآنية لا عن علامات الماضي فنقع في الماضوية المضرة، و إنما يجب البحث عن علامات الحاضر لتحقيق الاهتداء في القادم, في سبيل صناعة تاريخيّة مستقبليّة, و بهذا يصبح النص القرآني نصًّا راهنًا راهنيَّةً دائمة لا تنقطع, فقد اختص القرآن بقيم أخلاقية وروحية عليا.

و من المعلوم أن القيم لا تتأثر بتغير الأزمان كما هو شأن الوقائع المتغيرة، بل إن القيم هي التي تؤثر في الزمان و تغيِّرُه، وتطبيقها هو الأساس في صناعة التَّاريخ و الحضارة.

إن تحديث الفكر الإسلامي لا بد أن يمر عبر تحقيق قراءة حداثيّة للآيات القرآنية تتسم بالإبداع والجدِّة, ولا يكون الإبداع حقيقيًّا إلا إذا كان إبداعًا موصولاً يأخذ بأسباب وآليات إنتاج التراث التفسيري والثقافي الإسلامي، وإذا كانت القراءة الإبداعية تتفق مع خطط القراءة المقلدة في بعض جوانبها التنسيقية؛ فإنها تختلف عنها بما تحققه من ترشيد التّفاعل مع النص القرآني، والقيام بتدشين أهداف نقديَّة تحقِّق مقاصد تكريم الإنسان بدلا من رفع القداسة, و تعمل على توسيع آفاق العقل بدلاً من إقصاء الغيب, وتشدد على ترسيخ الأخلاق بدلاً من تعطيل الأحكام الشرعية, تأسيسا على مبادئ الاستخلاف والتدبر والاعتبار .       

الهوامش:

[1] عبد الإله بلقزيز: «أسئلة الفكر العربي المعاصر» ، مطبعة النجاح الجديدة، دار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى، 2001م، ص 86.
[2] المرجع السابق، ص87.
[3] د. محمد جابر الأنصاري: «مساءلة الهزيمة» ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2001م، ص12.
[4] د. عبد العزيز حمودة: «المرايا المقعرة» ، عالم المعرفة، مطابع الوطن، الكويت، أغسطس آب، 2001م، ص28.
[5] د. السيد ولد أباه: «عالم ما بعد 11 سبتمبر 2001: الإشكالات الفكرية والاستراتيجيّة» ، الدار العربية للعلوم، بيروت، الطبعة الأولى، 2004، ص104.
[6] المرجع السابق، ص104- 105.
[7] حميد سمير: «الهيرمنيوطيقا والنَّص القرآني: نقض وتجريح» دار البيارق، عمّان، ص3.
[8] ادوارد سعيد: «الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء» ترجمة كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، الطبعة الثانية، 1984، ص55.
[9] إدريس هاني: «خرائط أيديولوجية ممزقة» مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 2006، ص173.
[10] طه عبد الرحمن: «روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية» المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء - بيروت، الطبعة الأولى، 2006، ص175- 176.
[11] السيد ولد أباه: «أزمة التنوير في المشروع الثقافي العربي المعاصر: إشكالية نقد العقل نموذجًا»، ضمن «الثقافة والمثقف في الوطن العربي» مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، 1992،ص198.
[12] للمزيد حول الفكر الإصلاحي، انظر بحثنا في مؤتمر «الفلسفة في الفكر الإسلامي: قراءة منهجية ومعرفية» نظَّمها المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وهي  بعنوان: «فلسفة الأنوار والفكر الإصلاحيّ العربيّ الإسلاميّ».
[13] انظر محمد عابد الجابري: «الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية» مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ص 62.
[14] علي عبد الرازق: «الإسلام وأصول الحكم» الطبعة الثالثة، 1925، ص65.
[15] علي أومليل: «سؤال الثقافة: الثقافة العربية في عالم متحول» مركز الثقافي العربي، الدار البيضاء - بيروت، الطبعة الأولى، 2005، ص 23.
[16] طه حسين: «مستقبل الثقافة في مصر» الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1993، ص33.
[17] حسن حنفي: «في الفكر العربي المعاصر» ص 27.
[18] حسن حنفي: «من العقيدة إلى الثورة» المركز الثقافي العربي، بيروت، 1999، ج1/ص19.
[19] ياسين الحافظ: «الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة» ضمن الآثار الكاملة، دار الطليعة، بيروت، 1979، ص276.
[20] عبد الله العروي: «العرب والفكر التاريخي» دار الحقيقة، بيروت، الطبعة الثالثة، 1980، ص49.
[21] المرجع السابق، ص146.
[22] السيد ولد أباه: «أزمة التنوير في المشروع الثقافي العربي المعاصر: إشكالية نقد العقل نموذجًا» ، ضمن «قضايا التَّنوير والنَّهضة في الفكر العربي المعاصر» مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، 1999، ص 99.
[23] عبد السلام بنعبد العالي: «الميتافيزيقا: العلم والأيديولوجيا» ، دار الطليعة، بيروت، 1981، ص134.
[24] ميشيل فوكو: «حفريَّات (= أركيولوجيا) المعرفة)» ، ترجمة: سالم يفوت، المركز الثقافي العربي، بيروت - الدار البيضاء، 1986، ص13.
[25] محمد عابد الجابري: «الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقديّة» ، المركز الثقافي العربي، بيروت، ص33.
[26] المرجع السابق.
[27] د. محمد عابد الجابري: «نحن والتراث» المركز الثقافي العربي، بيروت - الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1980، ص8.
[28] المرجع السابق ص 10.
[29] المرجع السابق ص12.
[30] المرجع السابق ص13.
[31] د. محمد عابد الجابري: «نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي» ، المركز الثقافي العربي، بيروت - الدار البيضاء، 1986، ص 19-21.
[32] المرجع السابق: ص 21-25.
[33] المرجع السابق ص: 25-26.
[34] د. محمد عابد الجابري: «الخطاب العربي المعاصر» ، مرجع سابق، ص 12.
[35] د. محمد عابد الجابري: «مدخل إلى القرآن الكريم» ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، 2007، ص327.
[36] إبراهيم أعراب: «سؤال الإصلاح والهويّة: من السياق السلفي إلى مشروع الحداثة» أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2007، ص300.
[37] محمد أركون: «تاريخية الفكر العربي الإسلامي» ترجمة: هاشم صالح، مركز الإنماء القومي، بيروت، الطبعة الأولى، 1986، ص15.
[38] السيد ولد أباه: «أزمة التنوير في المشروع الثقافي العربي المعاصر» ، مرجع سابق، ص 107.
[39] محمد أركون: «تاريخيّة الفكر العربي الإسلامي» ، مرجع سابق،  ص 16.
[40] محمد أركون: «الفكر الإسلامي: قراءة علمية» ، مركز الإنماء القومي، بيروت، 1987، ص 32- 35.
[41] المرجع السابق، ص 35-44.
[42] المرجع السابق، ص 44 - 47.
[43] محمد أركون: «قضايا في نقد العقل الديني: كيف نفهم الإسلام اليوم؟» ترجمة وتعليق: هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 1998، ص 238.
[44] المرجع سابق، ص 238.
[45] محمد أركون: «القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني» ، ترجمة وتعليق: هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 2001، ص6.
[46] محمد أركون: «الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي» ترجمة وتعليق: هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 2002، ص 9.
[47] محمد المزوغي: «العقل والتاريخ منابع إسلاميات محمد أركون» المستقبل العربي، العدد: 342، آب أغسطس 8/2007، السنة الثلاثون، ص 45- 46.
[48] د. نصر حامد أبو زيد: «مفهوم النص: دراسة في عوم القرآن» المركز الثقافي العربي، بيروت - الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 1994، ص11.
[49] نصر حامد أبو زيد: «نقد الخطاب الديني» ، مكتبة مدبولي، القاهرة، الطبعة الرابعة، 2000، ص204- 205.
[50] المرجع السابق، ص203.
[51] نصر حامد أبو زيد: «مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن» ، مرجع سابق، ص13- 17.
[52] نصر حامد أبو زيد: «النص والسلطة والحقيقة: إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة» المركز الثقافي العربي، بيروت - دار البيضاء، الطبعة الرابعة، 2003، ص8.
[53] نصر حامد أبو زيد: «نقد الخطاب الديني» ، مرجع سابق، ص212.
[54] نصر حامد أبو زيد: «النص والسلطة والحقيقة: إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة» ، مرجع سابق، ص96.
[55] طه عبد الرحمن: «روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية» مرجع سابق، ص 188- 190.

 

* المصدر: الملتقى الفكري للإبداع


blog comments powered by Disqus