* النقد الذاتي
* البرامج * العنف
نزعت بعض الحركات الإسلامية ( الجماعات الإسلامية ) للعنف كما في مصر والجزائر وذلك كوسيلة لتغيير الأنظمة العربية واستهدفت في ممارستها العنف مسئولين في الأنظمة الحاكمة ، سياح ، مواطنين ، بينما نزعت بعض الحركات الإسلامية للعنف كما في لبنان وفلسطين من أجل عملية تحرير وطني ويمكن استبدال مصطلح عنف هنا بمصطلح مقاومة مشروعة .
فالمجتمعات العربية الإسلامية المعاصرة عانت كثيراً من ظاهرة العنف الديني ، التي اختلفت من مجتمع لآخر ، فهناك التي عانت منها بقوة مثل مصر والجزائر ، وهناك التي عانت بصورة أقل من ذلك كما هو في الخليج إلى فترة قريبة ، ويعود سبب اختلاف المعاناة لاختلاف " مقدار " العنف الممارس والذي يمكن إرجاعه لعوامل متعددة أبرزها العوامل السياسية والثقافية والفقهية عند الجماعات الإسلامية ، والعاملان الأمني والسياسي لدى أنظمة الحكم .
من المهم البدء بالإشارة إلى أن هناك شخصيات إسلامية معروفة أدانت العنف الذي مارسته بعض الجماعات الإسلامية ، وهذا ينقض كثير من مواقف بعض خصوم الحركات الإسلامية الذين يرون أنه لم يكن هناك اعتراض على عنف بعض الجماعات الإسلامية ، ومن هنا يقع بعض خصوم الحركات الإسلامية في خطأ التعميم بقولهم أن كل الحركات الإسلامية تمارس العنف ، فهناك قلق حقيقي عند الشخصيات الإسلامية من العنف الموجود في الساحة الإسلامية لعدم وجود مبررات حقيقية له ، لأنه يتوجه لمجتمعاتنا في الأول والأخير ، ويقع على أفراد أبرياء لا علاقة لهم بما يحصل ، ويقدم صورة سيئة للإسلام وللمسلمين ، يقول الشيخ يوسف القرضاوي " لماذا التركيز على العنف الذي يقع في بلادنا الإسلامية ، وإظهار إن العنف كأنه أصبح إسلامياً ؟ فهذه .. لذلك طرحنا في هذه القضية لننصف الإسلام حتى نبين أن الإسلام هو دين السماحة ، ودين السلام ، ولا يعادي إلا من يعاديه ، ولا يقاتل إلا من يقاتله ، وأن هذه الجماعات آفتها في فكرها ، في فهمها ، الأساس يعني إنهم ليست آفتهم فساد الضمير إنما فساد العقل ، فساد الفهم ، وهذا ما سنبينه نرجو أن نبينه - إن شاء الله - في هذه الحلقة والحلقة القادمة .
عندهم خلل في الفقه ، الجهاد ، والقتال في الإسلام ، عندهم خلل في فقه الخروج على الحكام ، عندهم خلل في فقه التكفير من يُكفَّر ومن لا يُكفَّر ، عندهم خلل في فقه معاملة أهل الذمة ، عندهم خلل في فقه معاملة الآخرين من ضيوف المسلمين اللي بيسميهم الفقه الإسلامي المستأمنين ، عندهم خلل في فقه دار الإسلام ودار الحرب أو دار الكُفر " ( 10 ) .
ومن الأهمية إلقاء ضوء على بعض المسائل المتداخلة مع مسألة العنف ، لنستطيع أن نحدد ما هي الممارسات العنفية ، وننطلق من ثم لدراسة أسباب عنف بعض الجماعات الإسلامية وما له علاقة بذلك ، وسوف نبدأ بالعنف الذي يعرف بأنه " كل سلوك - فعلي أو قولي - يتضمن استخداماً للقوة أو تهديداً باستخدامها لإلحاق الأذى والضرر بالذات أو بالآخرين ، وإتلاف الممتلكات ، لتحقيق أهداف معينة .
وعلى ضوء هذا التعريف ، فإن العنف قد يكون سلوكاً فعلياً ( استخدام فعلي للقوة ) ، أو قولياً ، مجرد تهديد باستخدامها ، وممارسة الضغط النفسي والمعنوي بأساليب مختلفة . وأنه يقوم على أساس إلحاق الأذى والضرر والإتلاف المادي والمعنوي بالنسبة إلى الأشخاص والممتلكات وذلك للتأثير في إرادة المستهدفين . أي أنه يتضمن معنى الإكراه والإرغام . كما أن السلوك العنيف قد يكون فردياً أو جماعياً ، منظماً أو غير منظم ، علنياً أو سرياً ، صريحاً أو كامناً . ومن هنا تتعدد صور العنف وأدواته وتتداخل " ( 11 ) .
بعض الجماعات الإسلامية مارست العنف وبررته بأنها تمارس الجهاد ، ويختلف الجهاد عن العنف بأن الجهاد بالمفهوم " الحربي " لا يوجه لأفراد المجتمع ، فليس بالضرورة أن يستخدم في الجهاد " القتال " ضد أفراد المجتمع بل يكون بالكلمة والدعوة الطيبتين والعمل المؤثر ، وهنا تنبثق أهمية تمييز المصطلحات التي استخدمتها الجماعات الإسلامية في ممارستها العنف لكي يتم تفكيك خطابها " اتفقت كلمة فقهاء المسلمين على أن الجهاد بالمعنى المصطلح عليه فقهياً لا يكون إلا ضد الكفار الذين لا تربطهم مع المسلمين علاقات تعاهد أو هدنة ، والذين لا يسكنون أو يعيشون بين المسلمين بمقتضى علاقات الذمة أو ما يقوم مقامها .
وأما المسلمون ، وهم كل مَنْ شهد الشهادتين ، ولم ينكروا ضرورياً من ضروريات الدين على نحو يستلزم تكذيب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وجحد الرسالة والنبوة ، بأن كانوا متأوّلين في إنكارهم لما أنكروه ، فإن هؤلاء جميعاً مسلمون ، وهم جزء من الأمة الإسلامية بالمعنى السياسي – الاجتماعي .
ولا يشرع الجهاد – بالمعنى المصطلح عليه – ضد المسلمين بوجه من الوجوه إلا من نحو من التجوز ، كما في إطلاقه في كلمات بعض الفقهاء على قتال البغاة ، وعلى بعض الموارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكنه – كما قلنا – إطلاق مجازي ، فلا تثبت في موارد قتال البغاة ، ومورد الأمر والنهي أحكام الجهاد المصطلح ولا آثاره كما هو مقرر في محله من الفقه .
وأما المنافقون فقد جرت سيرة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على معاملتهم في الشأن السياسي التنظيمي معاملة المسلمين ، وثبتت السنّة الشريفة على ذلك ، وظواهر القرآن الكريم تقضي به ، فما داموا مسالمين يعايشون المسلمين ولا يشهرون عليهم حرباً ولا يبغون فساداً في الأرض ، ولا يرتكبون ما يوجب الحدّ فإنهم عوملوا كما ينبغي أن يعاملوا باعتبارهم مسلمين جزءاً من الأمة بالمعنى السياسي – الاجتماعي التنظيمي " ( 12 ) والحديث عن مقاومة الحكام الظالمون في المجتمعات الإسلامية له مقام آخر .
يختلف العنف عن التطرف ، فهناك من يرى أن التطرف هو المقدمة الضرورية لمن يمارس العنف ، حيث يكون التطرف في العقل والفكر ومن ثم يتحول إلى فعل عنف ، ويرى عبد الإله بلقزيز في ذلك بأنه ليس شرطاً ضرورياً من يمارس العنف أن يكون متطرفاً ، فيمكن أن يكون الفرد / الجماعة عنيف ( ـة ) ولكنه ( ـا ) غير متطرف ( ـة ) ، ويمكن أن يكون متطرف ( ـة ) ولكنه ( ـا ) غير عنيف ( ـة ) ، فهما لا يتلازمان تلازماً ماهوياً ولا تقوم بينهما – حكماً – علاقة طردية ثابتة ، وهذا لا ينحصر فقط في الحركات الإسلامية بل على قوى كثيرة عربية كانت متطرفة ولم تمارس العنف أو كانت عنيفة ولم تكن متطرفة " ... الشيء نفسه يصدق على حركات إسلامية معاصرة في البلاد العربية . مارس بعضها عنفاً مسلحاً قوياً ، مثل " حزب الله " و " حماس " و " الجهاد الإسلامي " ، دون أن يكون متطرفاً ؛ فيما أحجمت جماعات إسلامية كثيرة عن حمل السلاح ، أو عن ممارسة العنف ( جماعة " التبليغ " مثلاً ) ، مع أنها متطرفة تطرفاً شديداً في المبادئ التي تعتمد ، وفي المواقف التي تتخذ !
الفارق قائم بين العنف والتطرف إذا : في التجربة المادية ، كما في التعريف النظري . وليس موطن الاختلاف بينهما في أن الأول ( = العنف ) أسلوب في العمل ، والثاني طريقة في التفكير ، فقط ، بل في أن الأول نسبي الدلالة ، بينما الثاني مطلقها . فالعنف _ في التعريف المدني _ هو كل سلوك ( سياسي أو اجتماعي ) يجنح نحو تحصيل الهدف بواسطة استعمال القوة : المادية أو الرمزية ، وحَمْلِ الخصم _ بالضغط والإكراه _ على التسليم بمطالبه . وقد يكون هذا العنف مشروعا وقانونيا : من قبيل العنف الشرعي الذي يحتكره " الحق العام " ( أي الدولة ) ، أو العنف الوطني ضد الاحتلال واغتصاب الحقوق ، أو العنف المدني _ الاجتماعي ضد التسلط والدكتاتورية وهضم الحقوق والحريات . كما قد لا يكون مشروعا : مثل الاعتداء على الحقوق العامة ، وعلى حريات الأفراد والجماعات ، وعلى السلم المدني والاستقرار الاجتماعي ، وعلى الحق المقدس في الحياة ... الخ . في كل حال ، يتحدد معنى العنف ، وطبيعته ، ومضمونه ، بنوع الأهداف التي تؤسسه وتسوّغ له .
أما التطرف ، فهو – في حسبان التعريف النظري – كل جنوح نحو التعيير عن أفكار ، أو مبادئ ، أو مواقف ، ينوء الواقع الموضوعي بحمل إمكانياتها ، وتتعدى فيه منطقة الممكنات ، بل والضروريات ؛ أي جملة ما يقع تحت اسم الغلو أو المغالاة في اللسان العربي الكلاسيكي " ( 13 ) .
وحسب تعبير إبراهيم العبادي " ليس العنف مرفوضاً على الدوام " ويرى أن هناك اتفاق بين التشريع الإسلامي والتشريع الوضعي في ذلك ، لأن هناك حالات تبرر العنف كنظام سياسي مستبد أو اختلالات اقتصادية واجتماعية حادة ، " ليس العنف مرفوضاً على الدوام ، وهذه الحقيقة غير مختلف عليها بين التشريع الديني ( الإسلامي ) والتشريع الوضعي ، فالفقه الإسلامي يبيح اللجوء إلى العنف بشروط لمواجهة الحاكم الظالم ولممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدفاع عن حقوق الشعب والتشريع والعقيدة الإسلامية . أما التشريع الوضعي ، فإنه لا ينكر حق اللجوء إلى العنف ، لأن العنف ليس ظاهرة سلبية أو مريضة على الدوام ، بل في بعض الأحيان يكون ضرورية تاريخية ، وفي هذا الإطار يمكن فهم التحولات الثورية الكبرى في تاريخ الإنسانية التي لم تكن لتحدث لولا وجود درجة من العنف ، وهكذا ، يظل العنف السياسي أحد أساليب ، بل ربما الأسلوب الوحيد للتغيير السياسي والاجتماعي عندما ى توجد مسالك سلمية وفعالة للتغيير ، ومن هنا فإن قبول أو رفض العنف السياسي ليس قضية أخلاقية فحسب ، ولكن يتوقف على الموقف والموقع من النظام السياسي . ف ( قد ) تراه القوى المعارضة للنظام والراغبة في التغيير السياسي والاجتماعي أسلوباً شرعياًَ لتحقيق التغيير المنشود .. وفي مثل هذه الحالات ( نظام سياسي مستبد ، اختلالات اقتصادية واجتماعية حادة ، مستعمر أجنبي ) يكون العنف السياسي الشعبي رد فعل لعنف آخر هيكل أو بنياني رمادي تمارسه السلطة المستبدة أو النظام المستعمر " ( 14 ) .
لم يخلو تاريخنا الحديث من ممارسات عنفية وكان أبرزها مقاومة المستعمر ، ولكننا ننطلق من مرجعية تبيح لنا أن نقاوم عن حقوق الأرض والوطن والمجتمع المغتصبة أو المستعمرة حتى لو تم اللجوء لعنف يقصد المستعمر الذي يعبر عنه في الأدبيات الخاصة به أو الإعلام الذي يتبناه بالمقاومة المشروعة ، فهناك حديث شريف مضمونه أنه من مات عن ماله أو أرضه أو عرضه فهو شهيد ، ومن هنا فنحن سوف نستبعد من حديثنا المقاومة المشروعة التي تلجأ للعنف من أجل طرد المستعمر ، وهنا تبرز إشكالية ، وهي أن بعض من الإسلاميين أو القوميين يرون أن الوجود الأمريكي في المنطقة استعماراً وهي تحاول زيادة الهيمنة على هذه المجتمعات وبالتالي لابد من المقاومة حتى لو استلزم ذلك العنف .
هناك أهداف من ممارسة بعض الجماعات والحركات الإسلامية للعنف منها أهداف سياسية تتمثل في الضغط على الحكومات لكي تمارس التغيير ، ومنها دينية واجتماعية وذلك بمحاولة الانفراد بقيادة المجتمع وردعه عن المحرمات المرتكبة .
أما أسباب العنف ، فهناك أسباب عامة ، والمقصود بعامة أن العنف لا ينحصر فقط في الجانب المادي الملموس فيمكن أن يكون معنوي – كما ذُكر في التعريف أعلاه - وكذلك لا ينحصر فقط في الحركات الإسلامية بل هناك كثير من القوى تمارس العنف ، فأسباب العنف مهما كان مصدره إما داخلية عند من يمارس العنف من قبيل رفض الرأي الآخر وانعدام الحوار والانفتاح على الآخرين أو بين أفراد المجتمع ، والاعتقاد بامتلاك الحقيقة والصواب ، وهناك سبب مهم ويمكن أن ينضوي تحته أسباب كثيرة للعنف وهو العامل الثقافي ، ولكن بالمعنى العام فللثقافة دورها المهم في لجم العنف بالمعنى العام وإقصائه من النفس ، ولكن ليست كل ثقافة قادرة على لجم العنف فهناك ثقافات تسهم في تكريس العنف ، كثقافة التبعية للآخرين ، وهناك ثقافة تدعي أنها ضد العنف وتحاربه ولكنها هي من تغذيه ، فإذاً غياب الثقافة يسمح للعنف بالبروز ، ولا يختلف المثقفون من أن غياب الثقافة في المجتمعات العربية يعني بروز العنف ، وهناك أسباب من خارج منظومة ممارس العنف كالاستبداد السياسي وإنكار أنظمة الحكم الحريات والحقوق ، والانهيار الاجتماعي ، والتدهور الاقتصادي كل هذه الأسباب مساعدة في بروز وتغذية العنف .
وبالإضافة لهذه الأسباب هناك أسباب تختص بالجماعات الإسلامية منها عدم الفهم الدقيق لمقاصد الفقه الإسلامية وكيف يتعامل مع النفس البشرية ، وهذا يؤدي أن تشدد الذات على نفسها بدلاً من تيسر الذات على نفسها ، وكذلك اختزال الجماعات الإسلامية العنفية السياسة فقط في الوصول للسلطة وعدم الاهتمام بالجوانب الأخرى ، والاستعجال في الوصول إلى نتائج المطلوبة وعدم ترك عامل الزمن ليقوم بدوره لإنضاج الظروف اللازمة لنجاح الحركات الإسلامية " يمثل فقدان الإحساس بالزمن وقيمته وأثره في التحولات السياسية والاجتماعية والعقدية أحد أبرز مشكلات الحركة الإسلامية المعاصرة ، وخاصة في مصر ، لقد كانت السمة الغالبة على تصرفات أجيال الحركة الإسلامية هي سمة العجلة والتسرع واستعجال الثمرة والضجر من طول الطريق وعدم الصبر على عوائقه وتصور إمكانية القفز على معطيات الواقع لاختصار الطريق ، ولعل ذلك كان السبب الأهم في اندفاع فصائل من الحركة الإسلامية إلى العنف المسلح في الحالة المصرية ، دون نظر دقيق وراشد وعاقل في معطيات الواقع وفي آفاق التجربة وحساباتها " ( 15 ) فالجماعات الإسلامية التي كان العنف في بنيتها كان ذلك نتاج القراءة الخاطئة لممارسي العنف للفقه الإسلامي وتحديداً في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، التي من أسباب عدة منها أنه لم يقم بدراسة مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من هو كفؤ لها ، أو الاعتماد في دراستها على آراء فقهاء ذوو نظر ضيق لمفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو عدم فهم الظرف التاريخي الذي أفتى فيه فقهاء لمسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاولة تطبيق ما عاشه هؤلاء الفقهاء على واقعنا المختلف عنهم . ونتيجة لحصر الجماعات الإسلامية الفقهاء في عدد معين منهم ولم يتم الاعتماد على غيرهم تم تغييب دور العلماء الواعين في مثل هذه المسائل الحساسة ، والتي أدى تغييب آراءهم الفقهية المناهضة لممارسي العنف من الجماعات أو الحركات الإسلامية ، فرغم الإدانة التي سبق ذكرها من عدد من الشخصيات الإسلامية إلا أن العنف بحاجة لتحجيمه أكثر ومن هنا حيث لم تعد البيانات وآراء وفتاوى الفقهاء كافيه للجم العنف الذي تمارسه بعض الجماعات الإسلامية ، مما يلزم أن يكثف العلماء والفقهاء التأكيد على عدم استخدام العنف كوسيلة للتغيير فلا حاجة تستدعي لممارسة العنف اساساً ، وثانياً أن هناك خطاب تحريضي يمارسه إعلام أو من رموز في أنظمة حكم أو مثقفين من تيارات أخرى بأن الحركات الإسلامية خطر على هذه المجتمعات لأنها تمارس العنف .
هنا نقطة مهمة مرتبطة بمن مارس العنف فالملاحظ أن أغلب ممارسي أو منظري العنف في الجماعات الإسلامية ليسوا من خريجي المدارس الدينية بل هم من خريجي جامعات العلوم التطبيقية ، ففي مصر على سبيل المثال أغلب ممارسي العنف من الجماعات الإسلامية لم يتخرجوا من المعاهد الدينية كالأزهر الشريف ، صحيح أن علاقة الأزهر بالسياسة ليست وثيقة ولكنه لا ينتج شيوخ متطرفين أو يمارسون العنف .
ويعتبر العامل الأمني أحد الأسباب المهمة التي جعلت الأنظمة العربية تمارس العنف ضد القوى المعارضة ، وهذا يعتبر أحد الأسباب القوية في ممارسة بعض الجماعات الإسلامية العنف ، فعنف الدولة وجه لقوى سياسية بما فيها الإسلاميين في مرحلة سابقة بصورة غير مبررة ولا زالت تمارسه بعض الأنظمة الحاكمة ، فكثير من أبناء الحركات الإسلامية قُتل وسُجن وأُعدم ومن فقد إنسانيته في السجن ، ولم ينحصر أبناء الحركات الإسلامية فقط من ذوي التوجه الراديكالي بل هناك كثير من الإسلاميين المعتدلين قُتلوا في السجن ، وهذا بالتأكيد لا يبرر عنف الجماعات الإسلامية ، ولكن بكل تأكيد يؤثر في سلوكيات من خرج من السجن ، والممارسات التعذيبية لأغلب الأنظمة العربية تجعل من لا يستطيع التحكم بنفسه يستخدم العنف ، وكذلك احتكار الأنظمة العربية كل شيء في هذه المجتمعات أو تغول الدولة وعدم السماح بوجود أي قناة للتغير مما قد يجد البعض أن لا مخرج مع هذه الأنظمة سوى العنف " فالنظام السياسي هو البادئ بالعنف ، ليس ضد الحركات الإسلامية وحدها بل ضد جميع حركات المعارضة إسلامية وقومية وليبرالية . والعنف من حيث هو مقدمة يولد العنف من حيث هو نتيجة ، والعنف من حيث هو فعل يولد العنف من حيث هو رد فعل وانفعال " ( 16 ) والمشكل أن بعض الأنظمة العربية لا زالت تصر على التعامل مع الحركات الإسلامية في بلدانها على أنها تنتهج العنف ولا تفرق في ذلك بين مختلف الحركات الإسلامية وأنها تقدم العامل الأمني حتى على العامل السياسي فهي لا تستخدم العامل السياسي لحل لمشكل المعارضة في دولها .
وهناك لبعض المثقفين في مجتمعاتنا دور في هذا العنف ، فالبعض منهم مارس عنف رمزي ضد الإسلاميين ، فبعض المفكرين والمثقفين الذين يدعون أنهم يقفون في مواجهة الممارسات العنفية الحركات الإسلامية يمارسون العنف ضد الإسلاميين كوصف التيار الديني ليس فحسب الحركات الإسلامية بأنها تيار ظلامي ، والوصف بالظلامية عنف لأنه يلحق ضرر معنوي للتيار الإسلامي ، وهناك نخب علمانية دعمت أو أيدت العنف الممارس على حركات الإسلامية أو إسلاميون ليسوا حركيين " ومنذ الآن قبلت التيارات التي تدّعي العلمانية ، في بلدان عربية عديدة ، وفي أغلب الأحيان ، أن تصادق على منطق العنف والقمع الشامل تجاه الإسلاميين إن لم تتمن هذا القمع وتدعو إليه . وهي لا ترى مانعاً من تجاهل المجازر أو عدم الإشارة إليها عندما يكون ضحاياها هنا أو هناك من الإسلاميين ، وذلك عندما لا تشارك في التغطية عليها أو نفي حصولها أو التقليل من أهميتها أو تبريرها ، كما حصل مع أحداث حماة عام 1982 ، باسم التقدم والدفاع عن قيم الحداثة والعصرية " ( 17 ) .
ولا تخلو المجتمعات العربية من عنف ، ففي البيت والمؤسسات التعليمية والشارع وفي الحياة التجارية ، وحتى في المؤسسات السياسية بما فيها البرلمان يوجد العنف بقوة ، فحياة المجتمعات العربية بحاجة لحل إشكالية العنف ، وفي هذا السياق يقول الصحفي العربي المعروف رياض نجيب الريس في كتابه رياح الشمال أن مصر أُصيبت بمشكلتين كبيرتين منذ حكم أسرة محمد علي وإلى ما قبل ثورة 52 هي الفساد والعنف ، بل أن بعض القوى السياسية في مصر مارست العنف في فترات من التاريخ المصري الحديث ، فهل يمكن أن نفصل العنف الذي تمارسه الجماعات الإسلامية عن ذلك ؟
وكذلك لا تنحصر مشكلة العنف في مجتمعاتنا بل تعتبر مشكلة عالمية ، و من يستطيع أن ينفي العنف الاجتماعي أو إرهاب العصابات في دول كأميركا ؟ التي تعتبر في نظر الكثيرين الدولة الأكثر تقدماً ، أو ينفي العنف السياسي الموجود في منظمات في بريطانيا كالجيش الأيرلندي ؟
تراجعت معظم الجماعات الإسلامية عن ممارسة العنف ، وسبب ذلك أن الجماعات الإسلامية التي راهنت على العنف وصلت لطريق مسدود بممارستها العنف ، ولعل ما طرحه القادة التاريخيين للجماعة الإسلامية في مصر من التراجع عن ممارسة العنف وإصدار أربعة كتب حول هذه المراجعة قضية أصبحت معروفة ، بل أنهم مستعدون لتعويض الذين تضرروا من عنف هذه الجماعة خير دليل على أن العنف لم يستخدم في مكانه . ولكن لا يعني تراجع الجماعات الإسلامية عن ممارسة العنف أن ظاهرة العنف قد انتهت ، فهي معرضة لأن تخرج في الأزمات في المجتمعات التي لم تحل إشكالية العنف من أسبابها ، فعلى أنظمة الحكم العربية إطلاق الحريات لأفراد هذه المجتمعات لكي يعبروا عن آراءهم ديمقراطياً وإعطائهم حقوقهم الإنسانية لكي لا يلجأ أفراد من المجتمع للعنف ، وعلى نخب المجتمع حل الأزمات الحادة التي تعيشها مجتمعاتنا التي قد تؤدي لحروب أهلية أو انفجارات اجتماعية ، ومعروف أن الأزمات الاجتماعية تهيأ للعنف بيئة بلا حدود ، ولعل ما يحدث في الجزائر التي نسأل الله أن يخرج الشعب الجزائري مما يعانيه تعتبر مأساة بكل المعايير نتيجة لعدم توقف حركة العنف في المجتمع الجزائري . وعلى الحركات الإسلامية القضاء على هذا العنف وذلك بإيصاله إلى أدنى درجاته بحيث لا تجعله مؤثراً أو واضحاً تمهيداً للقضاء عليه ، وذلك بمحاصرة التطرف والعنف من داخل الفكر الإسلامي ومن داخل الحركات الإسلامية تحديداً ، وإن كان هذا المطلب يتسم بالمثالية لأنه لا يمكن القضاء علي العنف نهائياً ولعل الأحداث المعاصرة قد أثبتت أن العنف لا يمكن زواله نهائياً فهو دائم التجدد ، ولكن تبقى محاصرته وعدم ترك المجال له لكي يتقدم وينتشر ذات أهمية كبرى ، على أن يكون ذلك بطرق سلمية لا كما يقوم بعض المثقفين والإعلاميين والصحفيين من تأجيجه سواء باستفزاز بعض البسطاء من أتباع التيار الإسلامي أو بتحريض الأنظمة الحاكمة على الحركات الإسلامية ، أو ما تقوم به وزارات الداخلية في كثير من الدول العربية من حملات اعتقال .
ينتج العنف العديد من المشاكل ، فهو يؤدي لمصادرة حقوق الآخرين في الوجود فلا يسمح بأي فسحة ليكون للآخرين دور سواء كان رأياً أو فعلاً ، فهو يمارس ضد أفراد المجتمع ، ولا يأمن أحد من أفراد المجتمع على نفسه لأنه قد يتعرض للعنف في أي وقت ، وقد ينتقل العنف للداخل على من يمارس العنف الذي لا يقف عند المستهدفين بل قد يصل لمن يتبنى العنف ويكون ضحية له أو قد يكون " جزاءاً " له .
قد يمارس العنف عند الحركات الإسلامية بصورة معنوية من قبيل عدم تسامح بعض أفرادها مع المختلفين في الرأي أو الذين لديهم ممارسات لا تقبل بها الحركات الإسلامية ، وهذا يحتاج لإعادة نظر من قبل الحركات الإسلامية ، فلا بد من رفع سقف حرية التعبير والتسامح وتقبل الآخرين .
أثر العنف الذي مارسته بعض الجماعات والحركات الإسلامية أو التي ما زالت تمارسه بإلحاق أضرار بالمسلمين بصورة عامة وبالإسلاميين بصورة خاصة ، فلم ينتدب المجتمع الجماعات الإسلامية كي يقوموا بهذه التصرفات والسلوكيات غير السوية ، وبالتالي لا يملكون شرعية بممارسة هذا العنف ، بل يمكننا القول أن العنف لم يقتصر على المسلمين بل طال غير المسلمين من الذين لا ذنب لهم سوى أنهم جاءوا سائحين أو عاملين في هذه المجتمعات .
لو وجهت الجماعة الإسلامية المجهود الذي بُذل في العنف من أجل بناء الأفراد الذين مارسوا العنف في أعمال مفيدة لتطوير هذه المجتمعات لكن أجدى وأرضى لله ، فالممارسات العنفية كالاغتيال بحاجة إلى جهود وتركيز ونفسيات وأعصاب فلو حولت من أجل كتابة دراسة أو مذاكرة درس ، أو تقديم خدمة اجتماعية أو تطوير مهارة ما أو غيره من الأمور الخيرة لكان أفضل بكثير . فكما يرى المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين أنه نتيجة استخدام العنف المسلح نتجت ممارسات أضرت ليس فقط على من استخدم العنف بل على المشروع الإسلامي الكلي أو الجزئي " والأمثلة على ما ذكرنا في الحركة الإسلامية وغيرها كثيرة . وإذا استعرضنا تجارب العنف المسلح الذي خاضتها الحركة الإسلامية في العقود الأخيرة ، ضد الآخرين وضد بعضها البعض فسنرى أن العنف المسلح لم يؤد إلى أي انتصار سياسي حقيقي .
في كل هذه التجارب فشل العنف المسلح في تحقيق أي انتصار للإسلام والمشروع الإسلامي الكلي على مستوى العالم الإسلامي ، أو الجزئي في بلد الحركة الإسلامية التي تمارس العنف المسلح ، بل لقد فشل هذا الأسلوب في تحقيق أي مكسب دعائي أو تعبوي ذي شأن .
ولم يقتصر الأمر في عاقبة هذا الأسلوب على الفشل وعدم الجدوى ، بل تعداه إلى إنزال أضرار فادحة بالمشروع الإسلامي الكلي والجزئي " ومن هذه الأضرار تهمة الإرهاب وإرهاب المجتمع الأهلي وعزلة الحركة الإسلامية عن المجرى السياسي العام وتحالفات بعض الحركات الإسلامية مع الأنظمة والشرذمة والتشتت ( 18 ) .
ومن هنا فإن وصف ممارسة العنف من بعض الحركات الإسلامية تعتبر جريمة وليست خطيئة ، ولأن جزء من هذا العنف وجه لأفراد المجتمع ولم يكن مواجهات مع أفراد الجهات الأمنية ، فيمكن أن يوصف بأنه إرهاب لأن أفراد المجتمع لم يصبحوا في مأمن من هذا العنف . * النقد الذاتي
لا تعيش الحركات الإسلامية في جزيرة منعزلة عن المجتمعات التي تعيش فيها بحيث لا تتأثر بما يتأثر هذا المجتمع من سلبيات أو إيجابيات ، أو لا تؤثر في هذه المجتمعات سلباً أو إيجاباً ، أو أن الحركات الإسلامية حققت حضور واضح في المجتمعات العربية الإسلامية المعاصرة من دون ارتكاب الأخطاء ، أو تمتلك منهجية في التفكير والعمل تخلصها من الوقوع في الأخطاء ، ولأنها تعمل فمن الطبيعي أن تقع في الخطأ ، ولأنها تجتهد في مسألة ما فيمكن إن تخطئ وتصيب ، وما قد يُبني على مقدمات غير سليمة أو مسلمات غير دقيقة بالضرورة أن تكون له نهاية غير سليمة مهما بقي في نظر البعض أنه سليم وإن طال زمنه ، وواقعاً وقعت الحركات الإسلامية في أخطاء مختلفة المقدار والحجم ، ومن هنا تحتاج الحركات الإسلامية لعملية نقد ومراجعة لما وقعت فيه من أفكار أو ممارسات خاطئة ، وتحتاج لهذا النقد كي لا تركن لم تم إنجازه وتعتقد أنها حققت ما لا يمكن تجاوزه ، فالنقد مسألة مطلوبة في أبسط الأشياء التي يمارسها الناس في حياتهم اليومية ، فضلاً على الممارسات الاجتماعية والسياسية .
يمكن تقسيم النقد الذي يوجه للحركات الإسلامية إلى نوعين الأول : نقد يأتي من خارج الحركات الإسلامية وهو ينقسم لشريحتين الأولى تضم مثقفين وسياسيين ومحللين وأكاديميين لا يحملون مشاكل مع التيار الإسلامي ولكن لديهم اختلاف في الرؤى حول مسائل فكرية أو عملية ، ويدخل ضمن هذا القسم شخصيات لا تنتمي لنفس مجالنا الحضاري أو التاريخي ونقصد هنا تحديداً مراقبين وصحفيين وباحثين ممن لديهم اهتمام بمختلف شئون هذه المنطقة . والشريحة الثانية تضم مثقفين وسياسيين ومحللين وأكاديميين لا يتفقون ليس مع الحركات الإسلامية بل حتى مع التيار الإسلامي في بعض أو أغلب أطروحاته ، وبعضهم يعيش صراع مع التيار الإسلامي وفي أحيان كثيرة لم يستطيعوا تجاوز هذه المشاكل لتضفي على نقدهم الموضوعية المطلوبة في نقده للحركات الإسلامية ، ويمكن إطلاق لفظ خصم على البعض منهم . أما النقد الثاني فهو يأتي من داخل الحركة الإسلامية ، ويصطلح على تسمية هذا النوع من بالنقد الذاتي ، وهذا النقد هو الأساس الذي ينبغي التركيز عليه كثيراً ، لأنه أقرب للذات لأنه يريد إصلاحاً ويسعى لتحقيق أهداف وتطلعات الحركات الإسلامية والمجتمعات التي تعمل من أجلها ، ولا شك بأن الحركات الإسلامية بحاجة للإطلاع على كل أنواع النقد الموجه من خارجها ، لأنه لن تكون الحركات الإسلامية قادرة على ممارسة نقد ذاتي فعّال من دون معرفة النقد الموجه لها من خارج هذه الحركات ، وتتضمن معرفة النوع الأخير من النقد أهمية التمييز بين النقد الموضوعي والبناء وما يخالف ذلك ، فالنقد الممارس على الحركات الإسلامية متعدد الحالات ففيه النقد الموضوعي الذي قد يكون مصدره الذات أو مصدره الآخر أو النقد غير الدقيق وقد يكون من داخل أو خارج الحركات الإسلامية ، يقول د. رضوان السيد حول بعض النقد الممارس من قبل البعض " يرى متأملو الإسلام من العرب العلمانيين وغيرهم أن هناك ثلاثة أمور تستدعي الاستنكار في الإسلام السياسي المعاصر: دمج الدين في الدولة ، والانغلاق تجاه العالم ، واعتبار الجهاد أو ما يماثله من أساليب مآل التواصل أو القطيعة داخل المجتمعات الإسلامية وخارجها " ويواصل فكرته " وهكذا تستعاد النظريات التآمرية القديمة التي اختلقها البيزنطيون في القرنين الثامن والتاسع للميلاد ، فيكررها الأصاليون من الدارسين الغربيين ، ثم تصل إلى أيدي العرب فيعودون لتكرارها باعتبارها قراءة من عندهم للمصادر . لكن في الوقت الذي قد يقوم فيه الدارس الغربي الجادّ بدراسة بحتة عن مصادر السيرة النبوية ، فإن الدارس العربي الخائف من الحركات الإسلامية ، والمعادي لها ، والذي يعتبر أن رؤيتها للإسلام رؤية صحيحة للأسف ، يستخدم دراسات الأصول بطريقة أداتية وغير جادة . فبعد نموذج أو نموذجين مأخوذين من المصادر ، وسبق له أن رآهما في بعض الدراسات الغربية ، يعمد للقفز إلى الإسلام المعاصر باعتباره قد جلب الدليل الذي لا يُدحض على سلامة التصور الذي يعتنقه لإسلام الصحوة أو الإسلام السياسي . والواقع أن خطل الدارسين الأجانب والعرب للإسلام السياسي ، يتمثل في اعتبارهم له إسلاماً رجعياً أو تاريخياً أو في أحسن الحالات ثورة مضادة تقليدية . وهكذا فهم لا يميزون كثيراً في طرائق استخدام النصوص المرجعية بين التقليديين والإصلاحيين والأصوليين . ثم إنهم لا يقرؤون ظاهرة الحركات الإسلامية قراءة سوسيولوجية دقيقة ، بل يهتمون لاستخدام تلك الحركات للقرآن والسنة وبعض النصوص الوسيطة مثل نصوص ابن تيمية وابن كثير .
والمعروف أن تلك الاستخدامات رمزية وأيديولوجية في أغلب الأحيان ، ولا تفسر أصول فكر الجماعات المعاصرة . ثم إن الرؤية التي تتضمنها تلك النصوص والاقتباسات هي واحدة من عدة رؤى داخل الإسلام القديم ، وداخل الإسلام المعاصر ، فلماذا يجري حصرُ الإسلام الوسيط الشاسع الآفاق في كلام قاله حسن الترابي أو القرضاوي ، لا لشيء إلا لأن ذلك يبدو متلائماً أو متناسقاً من الناحية الظاهرية . فإذا كان فهم بعض تيارات الإسلام الوسيط ممكناً بالعودة إلى النصوص ، فإن فهم الحركات الإسلامية الحديثة والمعاصرة ، غير ممكن إلا باللجوء إلى مناهج العلوم الاجتماعية .
وإذا كانت الرؤى العلمانية والثقافوية للإسلام الوسيط والمعاصر ما بين الستينيات والثمانينيات ، ناجمة عن صراعات ثقافية وسياسية داخلية ، أو أن أساسها داخلي ، فإن الرؤى الحالية ، سواء أكانت من جانب الانثروبولوجيين أو المستشرقين الجدد أو الاستراتيجيين ، هي رؤى متأثرة إلى حد كبير بما يجري من صراع قبل أحداث 11 سبتمبر وبعدها . فقد تطورت أطروحات ومراجعات شاملة ، تُدين الإسلام السياسي والثقافي المعاصر ، لكنها تعودُ بجذوره أو جذور رؤيته إلى الدين الإسلامي " ( 19 ) .
ستركز هذه الدراسة على النقد الذاتي لأن من أهداف الدراسة كما ذُكر في المقدمة هو توجيه النقد بصورته الأساسية للحركات الإسلامية ، وباعتبار أن الحركات الإسلامية حركات متشعبة وكثيرة ، فقد مورس نقد بين الحركات الإسلامية بعضها على بعض ، ولمعرفة مدى أهمية النقد الذاتي لدى الحركات الإسلامية .
لا يتعلق النقد الذاتي بنقد الرؤى والأفكار فقط بل نقد تطبيقها ، لأنه لا قيمة عملية لأفكار لا يمكن تطبيقها ، فالمراهنة على الممارسات هو أكثر أهمية من المراهنة على الأفكار ، فهناك الكثير من الخطابات التي تدعي شيء وتمارس خلافه .
أحد مضامين النقد الذاتي للحركات الإسلامية أن صاحبة الخطأ والمسئولة عنه هي الحركات الإسلامية لا الآخرين من القوى ، وهذه تعتبر من أهم نقاط النقد الذاتي فمن دون أخذها في الاعتبار ينحرف مسار النقد بعيداً ، وسوف تجعل هذه النقطة العلاقة بين الحركات الإسلامية بالآخرين أقرب للموضوعية وتتجه لأن تكون أقل تشنجاً وعداءاً فلا يُحمل الآخر ما لم يقم به ولا تُضخم الذات بتعاليها عن الخطأ ، وقد يكون النقد الذاتي مراجعة أو تراجع عن الفكر والممارسة ، فالمراجعة أقل وطأة من التراجع ، حيث تكون المراجعة تغيير المواقف أو الأفكار وهي مرحلة متقدمة في النقد الذاتي ، بينما يمكن وصف التراجع بانقلاب على فكر وممارسة الذات ، حيث يكون فيه تغيير شامل للفكر المحمول والتخلص منه نهائياً
ويوضح جمال سلطان أهمية النقد الذاتي ، وأنه لا يمكن أن يشمل مسائل معينة محددة فقط دون غيرها ، فهناك مسائل كثيرة بحاجة لنقد ذاتي " أن فكرة " المراجعات " في الحركات السياسية والدينية والاجتماعية ، هي فكرة مطردة ، ووجودها حية ، هو شرط حياة الحركة أيا كان محتواها ، والحركة أو الجماعة التي تتوقف عن المراجعة وإعادة التقويم في مسيرتها ومنهجها هي حركة جامدة فاقدة للأهلية الاجتماعية ومنعدمة الأفق ، مهما تضخم جسدها أو إمكانياتها ، بل أن الجسد والإمكانيات تتحولان إلى عبء عليها وليس قوة دفع ، أنه لمخطئ - بلا ريب – من يتصور أن المراجعة في الحركة الإسلامية تحديداً تتعلق بالعنف أو الغلو أو نحو ذلك ، المراجعات هي مطلب شرعي وإنساني ومنطقي ، لتقويم المسيرة ، وإعادة بلورة الأهداف ، وإعادة النظر في المناهج ودقتها ، وإعادة تقييم الوسائل والآليات وجدواها ، وكذلك إعادة النظر في " كفاءة " القائمين على العمل من عدمه ، إذ أنه لا يكفي أبداً أن تكون " الثقة " والنزاهة الشخصية متوفرة لكي يكون الشخص " كفؤاً " للعمل ، وإنما للكفاءة شروط فنية وإنسانية وشرعية ، بدونها يصبح الشخص عبئاً على الحركة ، بل وربما كارثة عليها وعلى أبنائها ، ولا يغفر له ، ولا لمن ولاه أبداً ، توافر الثقة ، أو النية الطيبة ، أو الثبات في الملمات " ( 20 ) .
المتتبع لتاريخ وخطاب الحركات الإسلامية بصورة جيدة لا سيما في خطابها الجديد يقر بأن هناك نقد ذاتي لهذه الحركات ، فليس المهم أن الحركات الإسلامية قد وقعت في أخطاء على مستوى النظر أو العمل ، ولكن الأهم ألا تُصر وتمضي على هذه الأخطاء ، أولا تريد أن تسمع نقد لهذه الأخطاء أو تعترف بأنها قد أخطأت ، فالأخطاء واردة مادام هناك فعل فالذي لا يعمل لا يخطأ ومن لا يخطئ لا يعمل ، ويخفف من حدة هذا أن الحركات الإسلامية رغم وجود أخطاء كبيرة وقعت فيها في مرحلة تاريخية ، لا زالت تقاوم من أجل تحقيق أهدافها التي نشأت من أجلها ، فلا تجانب الحركات الإسلامية الصواب عندما تدعي أنها في العقدين الأخيرين استطاعت تجاوز بعض الأفكار التي كانت تنظر إليها في العقود السابقة في العديد من أفكارها ومواقفها ، يصف الشيخ القرضاوي بعض ما كان موجود لدى الحركات الإسلامية في فترة سابقة " يجب أن نعترف أن الفترة الماضية – وخصوصاً في الخمسينات والستينات – كانت مجالاً خصباً لانتشار نوع من الأفكار السوداء في الساحة الإسلامية .
فقد غلب الفكر الذي ينزع إلى الرفض والتشاؤم والاتهام وسوء الظن بالآخرين على اختلاف نزعاتهم واتجاهاتهم ، حتى المسلمين منهم .
أجل ، راجت فكرة التفسيق والتبديع ، بل التكفير .. وساعد على ذلك الجو الخانق الذي كانت تعيشه الحركة الإسلامية ورجالها ودعاتها ، الذين نُصبت لهم المشانق جهرة ، أو قُتلوا بأدوات التعذيب خِفية ، أو صُبَّت عليهم ألوان التنكيل والتشريد من كل جهة . في حين فتحت الأبواب أمام الشيوعيين والعلمانيين وكل خصوم الإسلام " ( 21 ) .
لا يمكن النظر إلي تغيير بعض وجهات نظر الحركات الإسلامية على أنه تكتيك فقط كما يصوره البعض ، بل أن هناك تغيير فعلي في وجهات النظر ، فعلى سبيل المثال عندما يهتم الإسلاميون بالحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية أو العلاقة بالآخر سواء في أدبياتهم أو ممارساتهم فلأنهم وعوا أهمية هذه المسائل لمجتمعاتنا كي يتخلص من مشاكل أعاقته كثيراً ، فليست المرحلة التاريخية التي ينفرد قطب واحد ذو منهج ليبرالي يفرض على المجتمعات مثل هذه المسائل رغم أهمية هذا العامل هي جعلت الحركات الإسلامية تنحو للنظر في هذه المسائل ، بل أن هناك تعبيرات عن الديمقراطية وحقوق الإنسان قبل انهيار نظام القطبية الثنائية التي كان متمثل في قطب ذو توجه اشتراكي ، فليس صحيحاً ما يروج له البعض من أن الحركات الإسلامية تنظر للديمقراطية كتكتيك تستفيد منها للوصول للحكم ثم تنقلب على الديمقراطية ، صحيح خرجت تصاريح بهذا المعنى ولكن لا يمكن تعميمه على كل الحركات الإسلامية ، والذي يؤكد ذلك أن الإسلاميين استفادوا من الديمقراطية المتواضعة في مجتمعاتنا ، فهم أكثر الناس اضطهاد من قبل الأنظمة الحاكمة في الدول العربية على مر تاريخنا المعاصر ، حيث عانى الإسلاميون من الضغط على حرياتهم وفقد الكثير من حقوقهم ، كل هذا يؤكد أن هناك قناعة حقيقية من تغيير الحركات الإسلامية وجهات نظرها .
وللتأكد من قيام الحركات الإسلامية بممارسة نقد ذاتي ننظر هل حدث تطور في فكر وممارسات الحركات الإسلامية ؟ ويُنظر كذلك إلى أدبياتها في مختلف القضايا ؟ ويُنظر هل استطاع مفكرو هذه الحركات الوصول إلى صيغ وأطروحات جديدة تختلف عن الإطروحات السائدة ؟ وهل حدث اختلاف بين الطرح السابق والطرح الجديد ؟ .
وقبل الحديث عن مظاهر التطور الحركات الإسلامية يلزم تحديد مصطلح مهم في مسائل النقد الذاتي وهو مفهوم التطور ، يُعرف مصطفى الفيلالي التطور على أنه " لا مناص قبل هذا وذاك من الإشارة إلى ما نعنيه بالتطور دفعاً لك لبي اجتناباً للأحكام المعيارية . المدلول المتعارف هو انتقال ظاهرة من حال إلى سابقة إلى أخرى لاحقة في اتجاه طردي ينتقل بها من حال إلى حال أحسن منها " ويشرح مضمون هذا التطور " فالتطور عملية تحوير للعناصر القائمة أو عملية إضافية إليها وليس عملية محو أو إجهاض لهذا الموجود الحي . ويكون التطور متدرجاً إذا كان نصيب الجديد المضاف يمثل مقادير قليلة أو تحويرات جزئية قياساً إلى الرصيد السابق ، ويصبح التطور ثورياً انقلابياً إذا هو جعل نصيب الجديد يطغى على نصيب القديم ، وأخيراً لا يجوز تشبيه التطور بعملية إضافة فيزيائية للاجرام كإضافة الزيت إلى الماء يتعايشان في الإناء الواحد منفصلين ، بل أن التطور أشبه بالعملية الكيميائية التي تتمازج فيها الأجرام تمازج تغيير يفضي إلى إنشاء تركيبة جديدة " ( 22 ) .
طرح زكي أحمد عدد من المسائل التي يرى أنها دليل على وجود تحولات في الحركات الإسلامية عما كان عليه في السابق " اتجاهات التحول داخل الحركة الإسلامية ليست واحدة ، بل تتفاوت من حركة إلى أخرى ، وقد تتوافق أو تتباين ، بحسب نضج الحركة وقوتها وخطتها وفكرها . ومن خلال الرصد والتحليل نكتشف أن هناك جملة من التغيرات تكاد الحركة الإسلامية المعاصرة تقترب منها وتتوافق عليها وإن كان في الإجمال وليس التفصيل ، وعند عدد من الجماعات وليس كلها " ويطرح عدد من المتغيرات واتجاهاتها في السنوات القليلة الماضية داخل الحركة الإسلامية منها الموقف من الرأي الآخر ، والموقف من الديمقراطية ، والموقف من العنف ، والتنازل عن العنوان الإسلامي ، والتحول إلى حزب سياسي ، وتحولات في منهج التغيير ( 23 ) ، راجعت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا خلال السنوات الماضية بعض مواقفها من الآخرين ، وكذلك راجعت الجماعة الإسلامية في مصر موقفها من العنف كم سبق ذكره ، وحزب الله اختلف طرحه في التسعينات عن طرحه في الثمانينات ، وحركة النهضة التونسية تنازلت عن العنوان الإسلامي ، وبعض الحركات السلفية في بعض الدول تشارك سياسياً في دولها ، وجماعات سلفية مصرية تحاول إنشاء أحزاب سياسية إسلامية ، وتشكل بعض الحركات الإسلامية تحالفات مع غيرها من القوى .
مارس إسلاميون نقد ذاتي لكبار منظري الحركات الإسلامية من قبيل سيد قطب والمودودي ، وهذا النقد لا يقل عن النقد الذي وجه لهؤلاء من خارج التيار الإسلامي ، ولعل كتاب قضاة لا دعاة دليل على ذلك ، وكذلك مارست الحركات الإسلامية ومارس إسلاميون نقد تجاه حركات إسلامية أخرى قد لا يكون النقد الموجه باسم حركات إسلامية ولكنه نقد لما تحمله هذه الحركات من أفكار .
فبسبب النقد الذاتي استطاعت الحركات الإسلامية التقدم خطوات نوعية في تفكيرها وممارساتها تجاه المجتمع وممارساتها السياسية ، فاتساع وتنوع الحركات الإسلامية أوجد حالة نقد ذاتي داخل الحركات الإسلامية مما وفر فيما بعد ديناميكية داخل الحركات الإسلامية ، ولو استطاعت الحركات الإسلامية أن تلملم ذاتها أكثر لاستطاعت أن تتجاوز الكثير من ضعف المواقف والأفكار ، ويبقى أن النقد الذاتي عملية مستمرة فمتى ما توقفت حدث جمود يصل أحياناً لشلل يصيب الحركات الإسلامية ، قد يتسارع النقد الذاتي في مرحلة وقد يبطأ ، ولكن من المهم إبقاء جذوته بقوة .
هناك مجالات كثيرة بحاجة إلى نقد ذاتي أكثر فالواقع الذي نعيشه معقد وبحاجة إلى جهود جبارة ، قد يُبذل الكثير من الجهود ولكن تبقى الحالة العربية بحاجة إلى عطاء أكثر ، فقد يكون هناك نقد ذاتي ولكن غير كافٍ على سبيل المثال مسألة الوحدة الإسلامية بين المسلمين بحاجة إلى إعادة نظر من قبل الحركات الإسلامية لماذا هذا التشرذم الإسلامي ؟ هناك حاجة إلى جهود جبارة حقيقية صادقة لإيجاد حلول لهذه الإشكالية العويصة التي تستعصي على الحل ، ولماذا لم تتمكن هذه الحركات من الإسهام في تكريس هذه الوحدة المنشودة ، كذلك مفهوم القيادة وكيف تمارس القيادات الإسلامية أدوارها القيادية لا سيما في مؤسساتها التنظيمية ، أو التمحور حول أفراد أو غياب القيادات الفكرية والتركيز فقط على القيادات السياسية ، وكذلك مفهوم السمع والطاعة التي مورست في كثير من الأحيان في داخل الحركات الإسلامية بصورة سلبية ، كذلك لابد من اتساق النقد الذاتي في داخل الحركات الإسلامية ففي الوقت التي تتغير البنية التنظيمية لابد أن يتزامن معها تغير في البنية الفكرية للحركات الإسلامية ، وهناك تقع حاجة تغليب فقه التحضر والتعارف على فقه المغالات والتقوقع والانعزال ، مسائل التنظيمات المسلحة والسرية بحاجة أن تراجع ، ولا ينحصر النقد الذاتي في هذه المسائل بل هناك أمور أخرى تحتاج لمثل هذا النقد .
هناك نقطة مهمة في مسألة النقد الذاتي للحركات الإسلامية ، وهي أنه رغم قيام حركات إسلامية بالسعي نحو مراجعة الذات والتأكيد على قضايا عدة تتشارك فيها مع غيرها من القوى ، إلا أنه يقع على هذه القوى دور مهم كاستجابة لما يقوم به الحركات الإسلامية من تبني مواقف وأفكار تهم هذه المجتمعات ، فهناك جزء مهم من كل تيار إما لا تصدق ما تقوم به هذه الحركات الإسلامية من نقد ذاتي ، حيث يسميه البعض بتراجع الحركات الإسلامية عن أفكارها ، أو أنها لا تريد أن تصدق ذلك ، أو لا تقوم بالحد الأدنى المطلوب منها لكي تستطيع الحركات الإسلامية من المضي قدماً تجاه ما هي مطالبة به وهذا أمر مهم وهو الذي يمثل استجابة القوى ، ومن ثم فهنا يطرح سؤال إلى متى تظل رموز من التيارات الأخرى الإحجام عن القيام بدور حيال ذلك ، والسؤال الأهم من ذلك كيف ستكون ردة فعل حركات عندما لا تجد من يصدقها أو يحاول أن يعمل معها من أجل تحقيق ما تسعى إليه هذه المجتمعات ؟ . * البرامج
سنبدأ بنقد يهم هذه الفقرة والفقرتين التاليتين ، يثير هذا النقد بعض الإشكاليات الموجه على الحركات الإسلامية ، طرح د. الحبيب الجنحاني في منتصف الثمانينات مسألة حول علاقة الجماهير المسلمة بالحركات الإسلامية ولا سيما في المجتمع السوري فهناك مفارقة فالجماهير يعترفون بدور الحركات الإسلامية المهم ولكنهم يخشونها كثيراً ولا سيما عندما تصل للحكم " إن كثيراً من الناس ، وكثيراً من المسلمين أنفسهم يقفون من الحركات الإسلامية موقف حذر وتردّد ، إن لم نقل رفض وعداء ، خصوصاً في صفوف فئات اجتماعية معيّنة – خوفاً من المستقبل ، أي عندما تصل هذه الحركات إلى الحكم . فهم يعترفون لها بمواقفها الوطنية ، وباستقامة انصارها ، وتفانيهم في خدمة الإسلام ، والمصلحة العامة ، ويعترفون أيضاً بدورها التربوي الأخلاقي ، وبمعاداتها لجميع مظاهر التبعية والاستلاب الحضاري ، ولكنهم يتساءلون عن أسلوب الحكم الذي سيتبعه قادتها غداة وصولهم إلى السلطة ، وهي هدفهم الرئيسي ، ولا سيما في المجتمع السوري ، أي كيف سيعالجون القضايا الدستورية والتشريعية ، كيف سينظرون إلى حقوق الإنسان ، وحقوق المواطن السياسية والمدنية ، وما هي مواقفهم تجاه القضايا الدولية ، والمشاكل الاقتصادية ، وقضايا التربية والثقافة ، ومسائل التشغيل والضمان الاجتماعي ، والتنظيم النقابي والمهني ، وما هو موقفهم من مشكل المشاكل المطروح اليوم بالحاح في الوطن العربي : وهي مشكل الديمقراطية ، والتعددية السياسية والفكرية ، وموقفهم من الأقليات غير المسلمة ، ومن الوحدة العربية ، وقضية فلسطين ، وغيرها من القضايا المتشعبة والمتنوعة التي تواجه المجتمع العربي المعاصر " ( 24 ) ولن نتعرض لمناقشة هذا النقد حيث قد تجيب هذه الدراسة على بعض من المسائل المطروحة فيه ، ولكن يبقى من الأهمية عرض مثل هذه الآراء في هذه الدراسة .
من أبرز المآخذ التي تؤخذ على الحركات الإسلامية أنه ليس لديها برامج ولا وجهات نظر تجاه القضايا الهامة والحساسة المحيطة ، فمثلاً ليس لديهم برامج لمكافحة الفساد والاستبداد أو للتعليم أو الفقر ، أو في كيفية التعامل الآخرين المختلفين فضلاً عن المخالفين في الرأي والعقيدة ، ولا رؤية واضحة في كيفية التعامل مع إسرائيل أو الغرب إلى آخره ، وبالتالي فعندما يصلون للحكم فسيكونون وبالاً على المجتمع والدولة ، فالمجتمع العربي الإسلامي يعاني من مشاكل عويصة متجذرة في بنيته الثقافية وفي وعيه ، لا تستطيع الحركات الإسلامية تقديم أي شيء في ذلك ، فهذه أسئلة مهمة ومشروعة لأنها تلقي نظرة حول ما لدى الحركات الإسلامية من أفكار ورؤى من جهة وما تعانيه من جهة أخرى ، والحركات الإسلامية بالفعل مطالبة بالإجابة عليها كلما تجدد الحديث عن دور هذه الحركات في المجتمعات العربية .
لنقاش ذلك هناك تقديم مهم ، في يوم من الأيام كان الذهاب إلى المساجد ودعوة النساء المسلمات للبس الحجاب مظهر واضح للصحوة الإسلامية ، وكانت الحركات الإسلامية تقوم بالدور البارز في ذلك ، ولكن الواقع الذي نعيشه اليوم يختلف فهو يطالب هذه الحركات بعدم تركيز كل جهودها في دعوة الشباب للذهاب للمساجد أو ارتداء النساء الحجاب والالتزام الديني بوجه عام رغم أهمية استمرار هذه الدعوات ، فلا بد من الانتقال إلى مراحل متقدمة ومسائل أهم ، ولهذا نجد أن الحركات الإسلامية بدأت في التركيز على قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية وعن المثقف الديني والعولمة والمجتمع المدني والعدالة الاجتماعية والخدمات الاجتماعية والإصلاح والتجديد وعمل مراكز البحوث ، لكي تستطيع أن تقدم برامج أكثر أهمية لمجتمعاتها ، فأمام الحركات الإسلامية عمل طويل للوصول لأهدافها التي لا تنحصر فقط في مجال الدعوة والتربية الدينية بل يتجاوز لمختلف مجالات المجتمع ، حيث أن المجتمع لا يستطيع النمو والتقدم فقط بالاعتماد على نصوص ومبادئ وقيم ومثل ، بل لا بد من البرامج كي يستطيع التقدم ، والبرامج كما أسلفنا لا يمكن أن تكون فعالة من دون توافر الرؤى والأفكار الخلاقة .
ومن خلال البرامج تتضح لدينا مسألة مهمة وهي أن هناك فارق بين الحركات الإسلامية حيث أن هناك حركات تهتم بتقديم البرامج وأخرى لا تهتم بتقديم برامج ، كما يرى ذلك ضياء رشوان " تنطلق تلك النوعية من الحركات من قراءة مختلفة للإسلام عن تلك التي تتبناها الحركات الدينية ، حيث تنظر إلى كل الأفراد والمجتمعات والدول الإسلامية على حقيقتهم كمسلمين غير ناقصي العقيدة ، وبالتالي فالتساؤل حول صحة عقيدتهم أو إسلامهم غير وارد .
أما الوارد والرئيسي بالنسبة لتلك الحركات فهو إعادة تنظيم تلك المجتمعات والدول على أسس إسلامية لا توجد حسب رؤيتها سوى في الشريعة الإسلامية وليس في غيرها من نظم قانونية أو برامج سياسية واجتماعية غربية .
وانطلاقاً من ذلك تتبنى تلك الحركات برامج سياسية – اجتماعية تقوم أساساً على مفهوم " الشريعة " التي هي في حقيقتها مفهوم إنتاج بشري – وليس نص ديني مقدس – قام به مئات الفقهاء المسلمين متبايني المذاهب والاتجاهات والأماكن خلال قرون الإسلام الخمسة عشرة لتحويل النصوص القرآنية والنبوية الكريمة إلى قواعد قانونية واجتماعية وسياسية لتنظيم الدول والمجتمعات المسلمة .
وفي تفسيرها للنصوص القرآنية والنبوية الكريمة لا تتوقف تلك النوعية الثانية من الحركات عند ظواهر النصوص وألفاظها بل توسع من نظرها ليشمل مقاصد الشريعة ومصالح الناس وأسباب النزول واجتهادات الفقهاء ، بما يجعل من قراءاتها أكثر تاريخية واجتماعية من القراءة النصية الحرفية التي تتبناها النوعية الأولى من الحركات . ولا تتوقف المرجعية التاريخية لتلك الحركات عند المرحلة النبوية والخلافة الراشدة ، بل هي تتسع لتشمل التاريخ الإسلامي وتراثه الموزع على قرونه الأربعة عشر والذي تستقي منه مصطلحاتها وقياساتها على الواقع المعاش مستعينة أحياناً على قراءته بمرجعيات أخرى من أمم أخرى خارجة .
ويظل الإسلام بالنسبة لتلك الحركات بمثابة وعاء حضاري – ديني – تاريخي تستمد منه رؤاها لتنظيم المجتمعات والدول الإسلامية التي توجد فيها والتي تتخذ شكل البرنامج الذي لا يختلف سوى في المضمون عن برامج الجماعات السياسية – الاجتماعية الأخرى غير الإسلامية . ويوضح تحليل تلك الحركات السياسية – الاجتماعية ذات البرنامج الإسلامي أنها تنقسم بدورها إلى نوعين : الأول هي الحركات السلمية الساعية للحكم ، والثاني هي حركات التحرر الوطني المسلحة .
1 – ا لحركات السلمية الساعية للحكم .
النوع الأول من تلك الحركات هو تلك التي تسعى بصورة مباشرة إلى السلطة السياسية من أجل تطبيق برنامجها السياسي والاجتماعي ذي الطابع الإسلامي الذي تعتقد أن غايته هي تحقيق التقدم والنمو لبلدانها ومجتمعاتها .
ومن أجل وصولها لذلك الهدف تسلك تلك الحركات كافة السبل والوسائل السياسية السلمية المباشرة وغير المباشرة المتاحة أمامها ، وتقوم بتغيير وتنويع مواقفها وتحالفاتها وصراعاتها مع الدولة أو القوى السياسية والاجتماعية الأخرى بحسب ما تقتضيه مصلحتها وتحقيق ذلك الهدف ، الأمر الذي يؤكد اختلافها العميق عن الحركات الدينية بكافة صورها والتي ينقسم الوجود الاجتماعي بالنسبة لها إلى مسلمين وكافرين فقط .
وتعد جماعة الإخوان المسلمين في مصر والبلدان العربية الأخرى التي توجد بها وجماعة النهضة في تونس والجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر أبرز تلك الحركات السياسية – الاجتماعية السلمية الساعية للحكم .
2 – حركات التحرر الوطني المسلحة .
أما حركات التحرر الوطني المسلحة الإسلامية فهي في الأصل جزء من الحركات السياسية – الاجتماعية ذات البرنامج الإسلامي ، دفعت بها الظروف المحيطة بها في مجتمعاتها التي تخضع لاحتلال أجنبي إلى تبني برنامج للتحرر الوطني يقع الكفاح المسلح في القلب منه .
وقد بدأ ظهور تلك الحركات من بين صفوف جماعة الإخوان المسلمين إبان حرب فلسطين عام 1948 ثم المقاومة الوطنية المصرية ضد قوات الاحتلال البريطاني في مدن قناة السويس بداء من عام 1951 .
وفي الوقت الحالي فإن كل من حركة المقاومة الإسلامية ( حماس ) وحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينيتين وحزب الله اللبناني تعد الأكثر بروزاً وتمثيلاً لتلك النوعية من الحركات .
وعلى خلاف الحركات الدينية الجهادية العنيفة المحلية ، فإن تلك حركات التحرر الوطني المسلحة الإسلامية لا تشتبك في أي صراعات داخلية مسلحة مع خصومها السياسيين والفكريين في مجتمعاتها على الرغم من اختلافهم معهم في كثير من القضايا ، وتقصر استخدام العنف المسلح ضد القوى الأجنبية التي تحتل بلادها وتسيطر على مقدراتها " ( 25 ) .
هناك نقطة مهمة في موضوع البرامج ، وهي أن أي نشاط أو برنامج لأي حركة إسلامية مرتبط بما تقدمه أنظمة الحكم لهذه الحركات من شرعية سياسية وتحديداً مسألة المشاركة السياسية ، من هنا فخطأ منهجي في مناقشة مسألة برامج الحركات الإسلامية اختزال المسألة فقط في مدى قدرة الحركات الإسلامية على تقديم البرامج ويغيب دور الأنظمة الحاكمة ، فعدم قدرة الحركات الإسلامية على تقديم برامج أحد أسبابه الخارجية أو الموضوعية المهمة هو الأنظمة الحاكمة ، ولمناقشة هذا الموضوع سوف نبدأ بالأسباب الذاتية التي تجعل برامج الحركات الإسلامية غير فعالة على الوجه المطلوب ، ومن ثم نناقش الأسباب التي تتسبب فيها الأنظمة الحاكمة في ذلك .
لم تصل أغلب الحركات الإسلامية لطرح برامج سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو تعليمية فعالة لحل مشاكل المجتمعات العربية سواء كانت في هذه الحركات معارضة أم مشاركة في الحكم ، وليس من مصلحة أي حركة إسلامية غض النظر عن ذلك أو تأجيله كما كان يرى بعض مفكري الحركات الإسلامية في مرحلة تاريخية سابقة بأن يكون السؤال عن البرامج بعد الوصول للحكم ، لأن البرامج المقدمة هي الدليل على مدى كفاءة أي حركة ، وكذلك لأن البرامج هي الدليل على ما تزعمه الحركات الإسلامية من أن لديها حلول لأزمات هذه المجتمعات ، التي لا تكون هذه الحلول من دون برامج ، وتقديم البرامج دليل يقدمه الإسلاميون من أنه لا توجد أهداف أخرى من ممارستهم السياسة كالوصول للحكم فقط كما يذهب كثير من خصوم الحركات الإسلامية .
فالتجربة أثبتت أن العمل على المشاريع الاجتماعية والاقتصادية يجعل الشعوب تتعاون مع الحركات الإسلامية ، ولعل ما حدث في تركيا والمغرب والبحرين من تقدم للإسلاميين في الانتخابات لدليل على أهمية هذان الجانبان في حياة الشعوب العربية والإسلامية المعاصرة " يمكن القول أن تبني الحركة الإسلامية الجديدة خطاباً مختلفاًَ نوعياً عن الخطاب الانقلابي ، والإيمان بفكرة التعايش مع الآخر ، أو فكرة المجاورة ضمن المجتمع الواحد ، إضافة إلى طرح برنامج مطلبي قريب من هموم الناس وطموحاتهم ، قد وفر لها أرضية جماهيرية واسعة ، في حين أن المنهج الانقلابي العنفوي الذي تبنته المنظمات الإسلامية الراديكالية أدى بها إلى العزلة والاختناق وربما الزوال ( حركة الرفاه في تركيا – حركة الجهاد في مصر – جماعة العدل والإحسان في المغرب ) ( 26 ) ، وهذا يعني أن حتى الحركات الإسلامية التي سبق أن حققت تقدماً في العمل الاجتماعي والسياسي إذا لم تستطع أن تدرس وتفهم متغيرات الواقع المحلي والإقليمي والدولي وتقدم برامج تتعامل مع هذه المتغيرات بصورة دقيقة قد تفقد الكثير من المكتسبات والإنجازات ، ولعل تجربة حزب الرفاه الذي مُني بهزيمة كبيرة في الانتخابات التشريعية التركية الأخيرة دليل واضح على أنه كان بحاجة لفهم الواقع بصورة أكثر تقدم عليه فيها حزب العدالة والتنمية الذي تعامل مع المرحلة بصورة أكثر مرونة وواقعية ، وهذا ينطبق نسبياً على جماعة العدل والإحسان في المغرب التي تعتبر أكثر جماهيرية من حزب العدالة والتنمية ، ولكن النظرة السياسية والاجتماعية للجماعة كانت مختلفة عن نظرة حزب العدالة والتنمية لاعتبارات فكرية وسياسية أدت لاختلاف وجهة نظرهما السياسية ، قد يكون هناك اعتبارات سياسية ترى جماعة العدل والإحسان أنه لا يمكن تحقيق تقدم في المشاركة السياسية في الحياة البرلمانية حيث يشاركها عدد من القوى السياسية الأخرى .
تعدد البرامج مسألة مهمة للحركات الإسلامية فهي تستند للدين الإسلامي كمرجعية فمن الضروري أن تتعدد برامجها ، حيث لا يمكن اختزال البرامج فقط في البرامج السياسية كما يصور ذلك البعض من داخل الحركات الإسلامية أو من خارجها ، فالعمل السياسي عمل كبير ومهم ، ويستطيع أن يدعم الكثير من البرامج الأخرى ، وهناك الكثير من المسائل السياسية التي تنتظر الحركات الإسلامية لإنجازها منها تفعيل عمل الأحزاب السياسية ، وإخراج قيادات سياسية وحزبية باستمرار ، وزيادة فعالية المعارضة إن كانت الحركة في موقع معارضة ، والدفاع عن حقوق الإنسان والحريات والديمقراطيات والتنظير والبحث السياسي ، أو الوصول للبرلمان وزيادة عدد النواب ورفع كفاءتهم ، ومع أهمية ذلك فلا يلزم أن تقف الحركات الإسلامية فقط على العمل السياسي حيث تحدث أحياناً أزمات سياسية من قبيل وجود نظام حكم يحتكر العمل السياسي ولا يمنح أي قوة من قوى المجتمع مجال في العمل السياسي " تحدي العمل من خلال الدولة الحديثة التي تنامت أجهزتها ومؤسساتها بسرعة هائلة ، ما جعل منها تنينا ضخما قادرا على مراقبة كل شيء ، وقادرا على إحصاء الأنفاس ومعرفة دقائق الأمور . وقد ساهم التطور العلمي والتقني في هذا الأمر بحدة فائقة . ومعلوم أن غالبية التقنيات الحديثة يتم اختراعها أو توظيفها في مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية أولا ، حتى إذا قضت الدولة منها وطرا نقلتها إلى الساحة المجتمعية والمدنية . وللدولة آلياتها الخاصة ونمطها الخاص في العمل وإدارة الأمور ، وهي إذا لم تتم السيطرة عليها ، فإنها تسيطر على كل شيء ، وتتحول إلى جهاز تفسيخ لأي مشروع فكري وسياسي وحضاري . وتحدي ترويض الدولة والحد من سيطرتها ونفوذها تحد خطير يواجه التيار الإسلامي ومشروعه . ولابد في هذا السياق من ملاحظة أن الخطاب القرآني يتوجه إلى الناس فردا وجماعة ، ولا يرد فيه أي توجه الى الدولة ، على عكس الخطاب الإسلامي الحديث الذي يرهن مشروعه التغييري في بعض التجارب ، بالدولة ، ولا شيء غير الدولة .
وآلية مواجهة هذا الخطر المخيف هي في تقوية المجتمع المدني وتدعيم مؤسساته ، حتى تقدر على خلق توازن قوة مع قوة الدولة . ولنا في التجربة الإسلامية القديمة خير مثال يحتذى به . فقد كانت الدولة الإسلامية في أزهى فترات قوتها ، كما في أحلك فترات ضعفها ، تتيح مجالا واسعا للمجتمع في إدارة كثير من شئونه بنفسه ، مثل الصحة والتعليم ، وغير ذلك . وكانت مؤسسة الأوقاف تلعب دورا عظيما في هذا الشأن ، إذ توفر الأساس الاقتصادي لكثير من المناشط الاجتماعية المستقلة عن الدولة " ( 27 ) فليس معقولاً أن تقف الحركات الإسلامية عن العمل لأن العمل السياسي مُصادر ، بل يلزم أن يكون هناك برامج أخرى للحركات الإسلامية تمارس دورها من خلالها ، فهناك النشاطات الاجتماعية كإقامة الجمعيات الخيرية التي تهتم بمختلف فئات المجتمع كاليتامى والفقراء والعجزة والأرامل ، أو حل المشاكل الاجتماعية في المجتمع وما أكثر هذه ، أو القيام بأنشطة اقتصادية تساعد المواطنين في زيادة الدخول الفردية لهم لجميع شرائح المجتمع والقضاء على البطالة ومساعدة المرأة كي تمارس وظائفها خارج البيت ، وتعليمية بأن تهتم برفع مستوى المجتمع التعليمي من قبيل الاهتمام بالطلاب ضعيفي التحصيل العلمي أو بمحو أمية المجتمع أو برفع كفاءة أفراد المجتمع العلمية بتنظيم دورات تعليمية كمبيوتر ولغات ومهارات إدارية واجتماعية ، وثقافية يتركز بإعداد المجلات الثقافية والدورات الثقافية كدورات في العلوم السياسية والاقتصادية والتاريخ والفلسفة والأدب التي تهيئ المجتمع ليتحصل على ثقافة تنهض بالمجتمع ، يرى الكاتب الإسلامي فهمي هويدي أن العمل الاجتماعي أسبق في الأهمية من العمل السياسي " إننا عندما ندعو إلى استنقاذ الإسلام الاجتماعي – دعونا نخلص ونلخص – فإننا نرفض إسقاط دور الإسلام في البناء السياسي ، وهو الهدف الذي يسعى إليه منذ زمن الذين يريدون استئصال شأفة الإسلام من الواقع . لكننا ندعو فقط إلى إعادة ترتيب الأولويات ، بحيث نوجه القدر الواجب من الاهتمام إلى الأساس الثاني – بعد العقيدة – الذي يشيد عليه البناء كله . بل هو الترجمة العملية لسلامة الاعتقاد وصحة الإيمان ، وهو ما أشرنا إليه بعبارة الأخلاق والعوائد والتقاليد .
في هذا الصدد ، فإننا نذهب إلى القول بأن الإسلام الاجتماعي أسبق في الأهمية من الإسلام السياسي ، وإنه لا قيامة للثاني بغير الأول . وإن الذين يدعون إلى إقامة نظام سياسي إسلامي ، بغير نظام أخلاقي إسلامي يرتكبون خطأ عملياً وتاريخياً فادحاً وجسيماً ، فهو أسوأ ممن يضع العربة أمام الحصان ، لأنهم يقفزون إلى عربة بغير حصان من الأساس ، ويتوهمون أنهم بها يستطيعون السير إلى الأمام ! – والنبي عليه السلام قبل أن يقيم الدولة ، فإنه أمضى ثلاثة عشر عاماً يربي الرجال ، الذين على أكتافهم شيد الصرح الكبير " ( 28 ) ، وهنا تبرز النقطة المهمة وهي أن الحركات عندما تنطلق من الإسلام معنى ذلك أن أي برنامج تضعه يفترض ألا يخدم فئة أو حزب أو حركة أو عائلة أو منطقة بل بقدر المستطاع أن يكون للمجتمع بأجمعه وإن كانت لها القدرة على تقديم العطاء للأمة بأجمعها فلتقدمه فهي حركة من داخل الأمة ومن أجل الأمة ، وبالتالي يستفيد كل الناس من عطاء هذه الحركات .
ارتبطت البرامج التي قدمتها الحركات الإسلامية بالإسلام ، فطرحت شعارات مستمدة من الإسلام كشعار " الإسلام هو الحل " و" تطبيق الشريعة " ، وذلك قناعة من أن الإسلام يمثل حل مطلق لدى الإسلاميون لم تستطع التجارب الليبرالية والقومية والاشتراكية في المجتمعات العربية أن تفي بما وعدت به ، ولم تستطع أن تحقق أمال الشعوب العربية ، ولكن الإشكالية ليس في كون أن الإسلام هو الحل بل في شعار " الإسلام هو الحل " الذي هو شعار فضفاض ، بمعنى أنه لا يعنى سوى خط عريض في كون الإسلام لديه القدرة على إخراجنا مما نعانيه من مشاكل ، ولا يمكن أن يتحقق الإسلام كحل إلا بوجود البرامج الفعالة التي بها يتحول الشعار إلى ممارسة ويتم تنزيل الإسلام على أرض الواقع ، والإشكالية المرتبطة بشعار " الإسلام هو الحل " أن كون الإسلام في ذاته متكامل يستطيع أن يقدم الحل ، ولكن الذين يطبقونه ليسوا كاملين ، فالدين فقط هو الكامل ، ومن هنا قد يشوب ممارسات القائمين على هذا الشعار الخطأ ، إذن ، الإسلام هو الحل لا يعني أن الإسلاميون كاملون ، فطرح شعار " الإسلام هو الحل " ، لا يعني أنه شعار ناجح بمجرد علاقته بالإسلام فيتحقق الإسلام كحل ، فلم يطبق هذا الشعار حقيقة ًعلى مستوى الحكم وحقق نجاحاً كي يقتنع الناس به خصوصاً ممن لا ينتمون للتيار الإسلامي ، ومن هنا على الحركات الإسلامية ألا تدعي أن هذه البرامج هي الإسلام بل هي برامج قد تستطيع الإنجاز وقد لا تستطيع الإنجاز .
ومع هذا ، لم تعتمد عدد من الحركات الإسلامية على شعار الإسلام هو الحل في الانتخابات الأخيرة التي جرت في عدد من الدول العربية ، واستبدلته بمطالب ترى أنها أكثر إلحاحاً كالمطالبة بالديمقراطية والحريات والقضاء على الفساد ، وهذا كان سبب مهم من الأسباب في تحقيق هذه الحركات نتائج ملموسة ، وكان جيداً للحركات الإسلامية المطالبة بهذه المسائل حيث اتفقت في ذلك مع بعض القوى السياسية ، مما خفف من حدة الضغط الممارس عليهم .
تؤثر أهداف الحركات الإسلامية على البرامج فمتى استطاعت الحركات الإسلامية الوصول لأهداف واضحة للقضايا التي تتعامل معها استطاعت أن تضع البرامج المناسبة للظروف المحيطة بالمجتمع ، ويرى د. برهان غليون أن أهداف الحركات الإسلامية غير واضحة " وفي اعتقادي أن أهداف الحركات الإسلامية إذا أخذت جملة لا تزال بعيدة جداً عن الوضوح . فمن هذه الحركات من يتحدث عن إعادة بناء الحضارة الإسلامية ، ومنها من يتحدث عن إقامة الدولة الإسلامية ، ومنها من يتحدث عن تطبيق الشريعة ، ومنها من يتحدث عن التغيير السياسي والتحول الاجتماعي ، ومنها من يتحدث عن الوحدة الإسلامية . وكلها أهداف كبيرة وتحتاج إلى تجميع قوى لا يمكن اليوم قصرها على الإسلاميين أو الملتزمين بتأويل محدد للنظام السياسي في الإسلام " ( 29 ) من هذا الرأي يعني أن الحركات الإسلامية تتفق مع غيرها من القوى في بعض المطالب كما في التغيير السياسي والتحول الاجتماعي ، ومن ثم فإنه يمكن أن تُوضع برامج مشتركة بين الحركات الإسلامية والقوى الأخرى ، وهذا سوف يقلل الصعوبات التي تعترض الحركات الإسلامية في إنجاز أهدافها لأنها ستعمل مع قوى أخرى - ولهذا موقع في هذه الدراسة لاحقاً – ، ويبقى أن اختلاف الأهداف والمنطلقات بين الحركات الإسلامية ليس شرطاً ضرورياً لعدم الوضوح ، فقد يكون الهدف لدى حركة ما غير واضح ولكنه عند غيرها واضح ، أو قد يكون هدفاً ما ضرورياً لحركة وغير ضروري لحركة أخرى ، فالنقطة المهمة هي أن اختلاف الحركات الإسلامية نتيجة اختلاف الفكر والعمل تفرض اختلافاً في طريقة ومنطلق العمل ، وليس ضرورياً أن تتفق الحركات الإسلامية في تحقيق أهدافها فكل حركة تعمل وفق رؤى تراها تؤثر في البنية الفكرية والسياسية ، فالمهم في أهداف أي حركة إسلامية ألا يؤثر عملها سلبياً على المشروع الإسلامي أو على السلم الاجتماعي ، فمثلاً ممكن أن تناضل حركة إسلامية من أجل زيادة الديمقراطية وأخرى تعمل من أجل تحقيق الشريعة الإسلامية ولا يوجد هناك تناقض في الهدفين أو بناء برامج على أساساهما ، أو أن تقوم حركة إسلامية في وضع برامج متعلقة باقتصاد البلد بينما تقوم أخرى بوضع برامج متعلقة بالسياسة الخارجية وهكذا ، فاختلاف طريقة ومنطلق العمل أو اختلاف الأهداف لا يعني بالضرورة أن هناك عدم وضوح في الأهداف .
وعلى أساس أهمية الرؤى للحركات الإسلامية ، يمكن القول أنه لا يمكن أن تكون هناك برامج فعالة ما لم يقم الإسلاميون بتقديم نظرياتهم في السياسة والاقتصاد والتعليم وكل ما له علاقة بهذه البرامج ، فمن دون توفر هذه النظريات سوف لن يكون هناك جديد ، فقط سيكون إما لا برامج أو برامج معدلة أو برامج منسوخة من تجارب أخرى ، وكلها لا يمكنها تقديم الشيء الكثير ، فأي برنامج يُطرح من الأهمية استناده على خلفية ثقافية ، ومن هنا يبرز المشروع الثقافي ليؤدي الدور شبه المفقود في البرامج الإسلامية ، فهو صاحب الأولوية التي يلزم على الإسلاميين الاستمرار في إكماله ، حيث أن للإسلاميين رؤى بخصوص بعض مفردات هذا المشروع ، تحتاج أن تصاغ في صورة مشروع مكتمل الجوانب ، ومن الضروري أن يكون هذا العمل جماعياً ، وسبق لبعض الإسلاميين أن قاموا بعدد من الأعمال الثقافية الجماعية ، فمن خلال المشروع الثقافي تتم مثلاً صياغة النظرة للذات وللآخر وتكوين الوعي وبناء على ذلك تتأسس الرؤى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية ، فالمسائل السياسية كالدولة والمواطن والدستور والحريات أو العلاقة مع القوى الوطنية أو العلاقة بالدول الأخرى سواء كانت العلاقة مصدرها الجوار أو القومية أو الديانة أو المصلحة إلى نحو ذلك ، أو المسائل الاجتماعية كالأسرة والطفل والعلاقات الاجتماعية ودور الفرد والجماعة ، لا بد من فلسفة ما تتكئ ما عليها فهي التي تبرز تمايزها ، وعن طريق المشروع الثقافي يمكن أن يكون هناك تناسق ما بين البرامج السياسية والبرامج الاجتماعية والبرامج الاقتصادية والبرامج العلمية وباقي البرامج ، فهذه البرامج قد تتعارض بعضها مع بعض ولكن إذا كان هناك مشروع ثقافي كل البرامج ترجع إليه تصبح هذه برامج الحركات الإسلامية كالمنظومة لا يمكن أن يعمل برنامج من دون آخر وإلا تعطل البرنامج برمته أو أصابه خلل ، فأهداف البرنامج واضحة واختصاص كل برنامج محددة .
العمل المرحلي جزء مهم من البرامج ، وهذه النقطة تتضمن أن ليس على الإسلاميين أن يطبقوا الإسلام مائة بالمائة مرة واحدة حيث يرى الإسلاميون أن مجتمعاتنا تحتاج للعودة للإسلام وتحديداً فيما يخص النظم والقوانين أكثر من عودة الناس إلى التدين بمعناه العام أي أنهم لا يعانون بطقوسهم أو نشاطاتهم الدينية من مشاكل في هذا الجانب ، بل تحتاج الحركات الإسلامية العمل بخطوات متزنة تحقق لهم الأهداف المرجوة وتتقدم بهم في مختلف المواقع ، بحيث لو طرأت بعض الظروف التي تعاكس ما يطمحون إليه لا يخسروا ما كسبوه وأنجزوه ، فتحقيق الأهداف خطوة بخطوة هو الطريق السليم ، وهذا ما يسمى بالمرحلية في العمل .
العمل المرحلي في برامج الحركات الإسلامية قد يضع نصب عينه على مسائل محددة في فترات تاريخية معينة ، فمثلاً ، هناك مسألة مفقودة أو لم تعطي الأهمية الحقيقية لها أو أن هناك خطأ ما بخصوصها في برامج الحركات الإسلامية ، وهي مسألة إعادة الثقة للشخصية العربية الإسلامية ، صحيح أن الشخصية العربية الإسلامية الفاعلة مضى عليها زمن بعيد وليس بالضرورة أن تكون الشخصية المعاصرة امتداداً لتلك الشخصية ، ولكن الأمة الإسلامية أمة عظيمة لا يقلل من شأنها أنها تتعرض لأزمات سواء كان السبب في ذلك أسباب ذاتية أو موضوعية ، فلو لم تكن هذه الأمة بذات شأن لاندثرت منذ زمن بفعل الأزمات التي حلت بها ، فقد تكون الأزمات أحد أسباب فقدان الاتصال بالشخصية العربية الإسلامية القديمة ، ولكن يمكن إذا تم تجاوز هذه الأزمات أن يعود الاتصال بالشخصية العربية الإسلامية من جديد الذي أهم ما فيه أن يكون اتصال مبني على القدرة على الفعل ، فقد يكون هناك اختلاف بين الشخصيتين في تفكيرهما وكيفية النظر للواقع نتيجة تغير الظروف ، ولكن لا يمنع من أن تتمكن هاتين الشخصيتين من توظيف المشترك أو الامتداد الثقافيين الموجودين بينهما لأجل النهوض ، يؤيد ذلك ما تملكه المجتمعات العربية من تراث وتاريخ وثقافة غير ناضبة لمن يريد الأخذ منها ، فرغم أن هناك بعض الإشكاليات الموجود في التراث والتاريخ والثقافة العربية ولكن الإشكالية الحقيقية هي في كيفية التعامل مع هذه المسائل فالتراث والتاريخ والثقافة أمور أساسية لكل حضارة أو مجتمع ، فالتراث والتاريخ والثقافة العربية تكونوا ولا يمكن أن يتغيروا ولكن الذي يتغير هو النظرة لهم فعندما تتغير النظرة للتراث والتاريخ والثقافة ستتغير الكثير من الأمور ، ولكون الحركات الإسلامية حركات تحرر ثقافي من الغرب ، فقد قامت هذه الحركات في فترة تاريخية سابقة ولا زالت بإيقاف الاستمرار من تغريب هذه الشخصية ، حيث لو استمر التغريب في فعله لاندثرت هذه الشخصية ، ومن ذلك تحتاج الحركات الإسلامية البدء العملي في مرحلة إعادة الثقة في الشخصية العربية الإسلامية ، فالعمل يكون ببث روح ونفس جديدين يبعثان الأمل من جديد على قدرة الشخصية العربية والإسلامية على إنجاز الأفعال التي تسهم في تقدمها ونهضتها ، والقضاء على ثقافة الهزيمة المنتشرة بين مجتمعاتنا التي تنشر فكرة عدم قدرتنا على تجاوز أزماتنا وأن الشخصية العربية الإسلامية غير قادرة على التقدم والنهوض وعليها أن تستبدل هذه الشخصية بشخصية أخرى ، بتغيير ثقافتها وإحلال ثقافة أخرى ، وإيجاد حالة التوازن النفسي للشخصية العربية الإسلامية الواقعة تحت ضغوط اجتماعية واقتصادية وسياسية أنتجت إنسان لا هو ميت تمام ولا هو حي بل بين ذلك ، فهو لا يستطيع أن ينجز ولا استطاع تحقيق أحلامه في حدها الأدنى ، فعدم استقرار الشخصية العربية الإسلامية سيؤدي إلى ضياعها تاريخياً مما يمهد لخروجها من التاريخ ، لعل هذه مرحلة مهمة من مراحل عمل الحركات الإسلامية هناك أهمية للالتفات إليها ، فإنسان من دون شخصية لا يمكنه أن يحقق ذاته ويحقق التقدم لمجتمعه .
تطور فكر الحركات الإسلامية يستلزم بالضرورة تطور برامجها ، فمن النقاط السلبية لدى بعض الحركات الإسلامية عدم قدرتها على تجاوز ما كانت تراه في العقود الماضية ، فتتشبث بعض الحركات الإسلامية ببرامج أو رؤى تتأسس البرامج عليها ومضى عليها عقود دليل على عدم قدرة هذه الحركات على قراءة واقع المجتمعات العربية ، ومن هنا بقدر أهمية تأسيس البرامج وفق نظريات ورؤى هناك أهمية لقراءة الواقع بعمق ، والواقعي من يستطيع أن يقرأ الواقع بعمق وبدقة ويحاول أن يغيره ، فواقعنا بحاجة للتخلص من حاله الذي عليه ، وذلك بمقاومة الرؤية الاستسلامية للواقع الذي يروج لها البعض بذريعة صعوبة تغيير الواقع ، أو أن من يسعى لتغيير الواقع ليس إلا مثالي حالم ، صحيح أن الواقع العربي ليس من السهولة تغييره ولكن هذا قدر الأجيال المعاصرة لهذه المجتمعات التي عاشت في هذا الظرف التاريخي للأمة ، بل أن قيمة الإنسان في تغيير واقعه السيئ ، فالعظماء لم تكن لهم قيمة إلا بدورهم المهم في تغيير واقعهم السيئ ، فالبرامج الفعالة تستطيع أن تغير واقعنا والتجربة العربية شاهد على ذلك .
يسهم الفكر المؤسسي ومؤسسات المجتمع المدني في تحقيق الكثير من الطموحات المنشودة في مختلف الجوانب ، فبرامج لا تعتمد على الفكر المؤسسي أو مؤسسات المجتمع المدني لا تستطيع تحقيق طموحات منشودة في هذا الظرف ، والمجتمعات العربية أحوج ما تكون لذلك ، ولنا في تجارب العمل الخيري أكبر دليل على أنه يمكن تحقيق الطموحات ، وبالتالي هناك ضرورة حقيقية للحركات الإسلامية النضال من أجل مجتمع مدني عربي فعّال .
وكذلك تستطيع الحركات الإسلامية تقديم الكثير من البرامج ، حيث يمكن الاستفادة من عوامل عدة لتحقق طموحات أكثر منها المؤيدين الكثيرين للتيار الإسلامي في هذه المجتمعات ، النواب في المجالس النيابية ( البرلمان ) في الدول الديمقراطية ، النقابات والتي يحقق فيها الإسلاميون نتائج جيدة ، المفكرون والأكاديميون والأطباء والمهندسون والمحامون ومختلف الكفاءات الموجودة في المجتمعات العربية الإسلامية ، الأموال التي يمكن جمعها من أهل الخير ، العلاقات مع المنظمات العالمية التي تدعم مختلف القضايا التي تعاني منها المجتمعات العربية أو بتعبير أدق المجتمع المدني العالمي ، فلو أحسنت استثمار هذه العوامل بأكبر طاقة لشكلت ضغط على أنظمة الحكم العربية ، ويمكن نسيان ثورة الاتصالات التي تعتبر مسألة مهمة على المستوى الجماهيري حيث وسيلتي الانترنت والفضائيات اللتان تسهمان في بث قضايا المجتمع والاتصال بالعالم .
هناك الكثير من العلماء الموجودون في المجتمعات الإسلامية ولا نقصد من العلماء هنا المعنى الخاص لهم بل المعنى العام لهم ، فأي مجتمع لا يلجأ للعلماء يخسر الكثير ويفرط في الكثير من الفرص التي تساعده على التقدم ، لأن للعلماء دورهم المهم في تقدم المجتمعات وتجاوز أزماتها ، وبالتالي لا بد أن تعطي الحركات الإسلامية العلماء مكانتهم المفقودة في هذه المجتمعات كي تستطيع الحركات الإسلامية أن تصيغ برامجها بتدخل هؤلاء العلماء .
ليس بالضرورة أن من ينتقد الحركات الإسلامية بعدم امتلاكها برامج جيدة ، أن يمتلك برامج صالحة للتطبيق أو أثبتت أنها ناجحة ، فأحد أسباب قيام الحركات الإسلامية بطرح رؤى وبرامج بديلة عن رؤى وبرامج القوى السياسية هو رؤية هذه الحركات أن القوى السياسية لم تحقيق تقدم لهذه المجتمعات ، فليس دقيقاَ أن ما نشاهده من ضعف الإسلاميين واقعياً أنه يوحي أن القوى الأخرى لديها برامج جيدة وصالحة للوضع العربي الراهن الذي يتميز بأنه في تردي مستمر له ، فحال القوى الأخرى ليس أفضل حال من الحركات الإسلامية إن لم نقول أن هناك بعض نقاط القوة التي تتفوق فيها الحركات الإسلامية على غيرها من القوى ، وفي نفس الوقت ليس أن ما تطرحه الحركات الإسلامية من برامج دليل على أنها ناجحة ، فهي بحاجة لأن تطبيق هذه البرامج .
إذن ، من ذلك ، هناك فرق بين رأيين الأول يرى أن الحركات الإسلامية ليست لديها برامج والثاني أن الحركات الإسلامية ليست لديها برامج فعالة أو صالحة للتطبيق ، فهناك حركات إسلامية لديها برامج طرحتها ، وبالتالي من الأجدى في حالة النقد الذهاب إلى أن هذه الحركات الإسلامية لا تمتلك برامج فعالة وليس لا تمتلك برامج " برامج الأحزاب الإسلامية التي تعتمد المرجعية الإسلامية وكلها أحزاب مدنية ليست أحزاب من المشايخ أو الدراويش ، هي أحزاب فيها قانونيين وأطباء واقتصاديين وأساتذة جامعات ، كل الذين في السجون من الإخوان المسلمين في مصر أساتذة جامعات ومهنيون ونقابيون ، ليسوا دراويش ، قدمنا البرامج ومازلنا نقدم البرامج ، وكل يوم نطرح الجديد ، نحن نريد أن نحسم قضايا طال الجدل حولها لننتقل إلى المرحلة التي يسأل عنها الأخ ، مرحلة الإصلاح بعد حسم هوية هذه الأمة ومرجعيتها وكلٌ يدلي بدلوه ، والجميع مدعوون لكي يقدموا تصوراتهم للحل ، ونحن أول من قدمنا تصوراتنا .
يا سيدي .. منذ أكثر من نصف قرن ونحن نقدم ، وفي الانتخابات الأخيرة أنا قرأت ودرست برنامج التجمع اليمنى للإصلاح ، الجزء الاقتصادي منه هو الذي يسأل عنه الأخ أكثر من نصف البرنامج ، نحن قدمنا برنامجنا في انتخابات 2000 السابقة في مصر ، وجزء الإصلاحات السياسية والدستورية فيه حوالي ربع أو ثلث البرنامج " ( 30 ) وهنا تبرز إشكالية من هو الذي يحدد أن قوة من القوى لا تمتلك برنامج ، فالبرامج لا يمكن أن تُقيم وهي حبيسة الأوراق والأدراج ، فهي بحاجة للتطبيق لكي تثبت نجاحها من عدمه ، فلا يمكن أن يحكم على شخص بالفشل ولم تترك له الفرصة بتقديم ما لديه ، ومن هنا نأتي إلى القضية الجوهرية وهي ما هي القنوات التي من خلالها يستطيع الناس والقوى بمختلف توجهاتهم وبمختلف أهدافهم التعبير عن آرائهم وتقديم برامجهم كحلول في المجتمعات العربية ، فإذا كانت هذه القنوات معدومة أو أنها مضيق عليها أشد التضييق فمطالبتهم بإنجاز أو تقديم برامج تبقى غير موضوعية ، فأي حزب أو تيار يرى رؤى تخالف توجه الأنظمة الحاكمة في الدول العربية حتى لو كان من ضمن دائرة الفكر السياسي الواحد يُضغط عليه ، فبعض الدول العربية لا توجد بها أحزاب ولا تعددية سياسية ، فمن الصعوبة أن تطلب من حزب أو منظمة أو حركة أن تقدم برامج من دون أن تكون هناك مشاركة سياسية التي تحتكر من قبل حزب أو عائلة أو حاكم فقط ولا تتح للغير المشاركة السياسية ، ولنأخذ حالة مصر كمثال قابل للتكرار في كثير من الدول العربية ، يُمنع في مصر تأسيس أحزاب دينية ويُضيق على الأحزاب والجماعات الإسلامية ، فكيف يستطيع هؤلاء من تقديم برامج وهم إما محظور عليهم العمل السياسي كما هي حال الإخوان المسلمين الذي لا يقل عدد المنتمين لهم عن أبرز الأحزاب التي لديها ثقل سياسي ، بل تتفوق عددياً على أغلب الأحزاب المصرية التي لديها مشروعية ولا يزيد عدد بعضها عن مئة ألف ، أو أن يحظر حزب العمل ذو التوجه الإسلامي وذلك بسبب قضية وليمة أعشاب البحر سواء أخطأ في تقديرها سياسياً أم لم يخطأ .
كذلك يراد من قول البعض أن الحركات الإسلامية لا تمتلك برامج التغافل عن دور أنظمة الحكم العربية في تطبيق ما وعدت وتعد به ، فمثلاً لم تستطع الأنظكمة الحاكمة في كل الدول العربية أن تلغي الأمية في المجتمعات العربية ، ولم تحقق التنمية المنشودة وتقضي على الفقر رغم الموارد البشرية والطبيعية الكبيرة التي تمتلكها هذه المجتمعات ، بل أن حالة الفقر تزداد في شرائح عديدة من أفراد هذه المجتمعات بينما يبقى المتنفذون في أنظمة الحكم يعيشون حياة الثراء ، وهناك دول غير عربية كانت في عقود سابقة أفقر من دول عربية أصبحت أكثر غنى م
المصدر: خاص - الوحدة الإسلامية
| < السابق | التالي > |
|---|