التنوع الإسلامي

فكر الوحدة أدب الاختلاف العدل في نقد الكتب والكتاب: موضوع الغناء والموسيقى نموذجا
فكر الوحدة أدب الاختلاف

العدل في نقد الكتب والكتاب: موضوع الغناء والموسيقى نموذجا

محمد بن جماعة

بعض الكتب المتخصصة في الرد على الآخرين، يطغى عليها التجريح ومحاكمة النوايا وتجهيل المخالف، وليس هذا من أساليب الكتابة العلمية الأكاديمية.


ومن أمثلة ذلك، كتاب نشره الشيخ عبد الله رمضان موسى بعنوان: (الرد على القرضاوي والجديع)، وكان عنوانه الفرعي: ((رد علمي متضمن قواعد في أصول الفقه والحديث واللغة، على الدكتور يوسف القرضاوي وكتابه "فقه الغناء والموسيقى"، ووالأستاذ عبد الله الجديع وكتابه "الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام"، والدكتور سالم الثقفي وكتابه "أحكام الغناء والمعازف"، والدكتور محمد المرعشلي وكتابه "الغناء والمعازف في الإعلام المعاصر".

وذكر الناشر أن الكتاب كان اسمه: (هدم أصول المجازف وأصحابه المبيحين للمعازف) وأنه تم تغيير اسم الكتاب أثناء الطبع بعد مشورة بعض أهل العلم.

وقد اطلعت على الكتاب، وعجبت لمقدمه (وهو دكتور في أصول الفقه المقارن) كيف كتب مقدمته التعميمية (التي لم تتجاوز 3 صفحات)، التي توحي بأن د. القرضاوي، ود. الثقفي ود. الجديع كتبوا كتبهم لإباحة الغناء الماجن، الذي يدعو للفاحشة، وأنهم يبيحون الغناء في أماكن الفسوق والعصيان، ويبيحون الغناء للمرأة وهي في قمة التبرج، ويبيحون ما يشاهد من عري ومجون في الفيديو كليب المصاحب للأغاني.

وقد قرأت كتابي القرضاوي والجديع عدة مرات، وعدت لقراءة كتاب د. الجديع كاملا، ولم أجد ولو كلمة واحدة تدل على مثل الاتهام والتضليل العلمي.

وعجبت له كيف لم يتحرج من قول ما يلي:

((وقد اطلعت على بعض كلمات للدكتور الثقفي والجديع في هذه المسألة، ولن أطيل الكلام معهما، وذلك لأن كلامهما في هذه المسألة اشتمل على التلبيس والجهل، بل والتضليل في النقول عن العلماء، حتى وقع في قلبي أن من يكتب مثل هذه الأباطيل، لا يخاف الله والدار الآخرة. فحسبنا الله ونعم الوكيل.

وبعد ذلك، أيها القارئ الكريم، عرضت الأمر على أخي العزيز الأستاذ عبد الله رمضان، وهو من الباحثين الجيدين في أصول اللفقه وعلم الحديث، وقلت له: إن هذه الكتب الثلاثة (يعني كتب القرضاوي والثقفي والجديع) تشتمل على أغاليط وتلبيسات بل وأضاليل، ولست مهيئا نفسيا لقراءتها -علم الله- وذلك بسبب ما اشتملت عليه من التلبيسات المضلة، مما كان يسبب لي ارتفاعا شديدا في الضغط)).

فإن لم يكن مهيئا نفسيا لقراءتها، إذن فهو لم يقرأ هذه الكتب، فكيف حكم (بثقة واعتداد) على جميع ما فيها بالغلط والتلبيس والتضليل ؟ ألا يدل كلامه على أنه حكم بضلال ما في هذه الكتب، من قبل أن يطلع عليها، ثم طلب من أحدهم أن يطلع عليها للرد عليها، أي أنه وضع أحكاما مسبقة، ثم أراد أن يجمع الاستدلالات على صحة رأيه؟ (والعجيب أن د. الجديع تحدث عن هذا الصنف من الرجال في كتابه المذكور، في معرض بيانه لأصناف المتسرعين في نقد بحثه).

ومع رجاء الشفاء له من ارتفاع الضغط، أعجب لمثل هؤلاء الذين يتعاملون مع البحوث العلمية بمثل هذه الحساسية المفرطة التي تجعلنا لا نأمن على مواقفهم من أن تكون متأثرة بحالتهم النفسية. وهل يمكن لإنسان في حالة غضب شديد أن يكون متزنا في مواقفه وأقواله؟

ولست أدري من يحق أن يقال فيه إنه لا يخاف الله والدار الآخرة. فحسبنا الله ونعم الوكيل.. والله المستعان.

وإن كنت أعتبر نفسي غير أهل للفصل في مثل هذه المواضيع، ولا أدّعي الأهلية لنفسي في أي موضوع خارج اختصاصي، غير أنني أعتبر نفسي قارئا لديه خبرة طويلة في المطالعة المنهجية في علوم الدين وغيرها. ومن عادتي ألا أسلّم لعالم أو كاتب في ما ما يقوله إلا بعد مقارنات طويلة مع أقوال مخالفيه.

وطالما كنت متأكدا من عدم إحاطتي بجميع الآراء في موضوع ما، ألزم نفسي بعدم الإنكار على أحد في ما يذهب إليه.

وهذا ما حثني على البحث عن كتاب الشيخ عبد الله رمضان موسى، عندما ذكر لي نقده لكتاب د. الجديع، والذي أعتبره أفضل ما كتب في موضوع الموسيقى والغناء. وما يحسب للجديع أنه التزم الأمانة في حصر جميع الأدلة، ووضح منهجيته والقواعد التي احتكم إليها، وضوحا شديدا، في تسلسل منطقي شبيه بما يسمى عند مهندسي الكميوتر algorithm، حتى لا تشعر في ما يكتب بوجود خلل أو تناقض أو انحراف أو قصور في عرض الفكرة.

ولا أشك في احتواء بعض الأخطاء في كتابه (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا)، وهذا من طبيعة العمل البشري، خصوصا إن كان جهدا فرديا.. ولكن هذا لا ينقص من عمله في شيء. وكل ما غفل عن ذكره، لا أشك أن مرده ليس الجهل أو الرغبة في تضليل القارئ، وإنما هو عدم الاطلاع بكل بساطة. ولو قيّض له أن يعيد نشر الكتاب والاطلاع على أدلة جديدة، فلا أشك أنه سيضيفها. وهذا هو شأن الباحث النزيه الذي يرغب في أن يكون جهدف مقدما في أفضل وأرقى ما يمكن تقديمه للقارئ.

أما ما أعيبه على كتاب الشيخ عبد الله رمضان موسى، فهو طغيان التجريح ومحاكمة النوايا وتجهيل المخالف على كامل محتواه، وليس هذا من أساليب الكتابة العلمية الأكاديمية.

كثير من الناس يتسرّعون في الردود على الكتب. ومن علامات ذلك في ما يكتبونه:

- البدء في أول الحديث بإصدار حكم عام على علم الكاتب، ثم على محتوى كتابه

- ثم القفز على الصفحات الطويلة الموضحة للمنهج، دون إبداء الملاحظات حول المنهج: هل نحن متفقون مع الخطوات التفصيلية، أم لا؟ ما هي الخطوات التي نتفق معه فيها؟ وما هي الخطوات التي لا نتفق فيها معه؟

- ثم القفز على المنهجية العلمية بالإسراع إلى حشد آراء العلماء في مسألة بما يخدم الرأي الذي نسعى لإثباته. وهذا دليل على عدم قدرة الناقد لبيان الفكرة بمعزل عن أسماء العلماء السابقين الذين يحشد أسماءهم إلى جانب رأيه كي يوحي بصواب رأيه. فكأنه يقول لقارئه: (انظر إلى أسماء هؤلاء العلماء، فإن لم يعجبك رأيي فأنت بصدد الإنكار عليهم وليس على شخصي؟ ومن أنت حتى ترد على هؤلاء العلماء؟...). وهذا في تقديري نوع من المغالطة..

لا يحتاج القارئ كثيرا إلى معرفة قائل القول، ما دام قد تأكد من صواب القول. لذلك قال السلف: (لا نعرف الحق بالرجال. اعرف الحق تعرف أهله).

ولن نساعد القارئ في التأكد من صواب الفكرة إلا بعزلها عن أشخاص قائليها، والاعتناء بكل ما يحيط بها من حجج منطقية، وأدلة عقلية ونقلية، مع استيعاب كامل لهذه الأدلة، حتى تكتمل الصورة لدى القارئ. لأن القارئ إذا اكتشف في كلامنا استدلالا ناقصا، يغفل عن أدلة أخرى (له نصيب من االعلم بها) فإن ذلك سيحط من فكرتنا حتى لو كانت صوابا، خصوصا إذا لم تكن لدى القارئ القدرة على وضع الأدلة الناقصة في مكانها الصحيح وسط باقي الأدلة.

من أصول المنهجية العلمية:

- ألا نتعجل بالحديث عن النتائج قبل أوانها (ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه). وكذلك من استعجل في التأثير على عقل قارئه قبل الأوان عوقب بترك القارئ لكلامه وانصرافه عن حججه.

- ألا نخلط نقدنا لرأي بقدح في قائله. فيكفينا في المنهجية العلمية بيان خطإ الرأي. وهذا ما يجب لطالب العلم أن يقف عند حده. فليس من مهمته أن يثير مشاعر القارئ ضد الكاتب، لأن المشاعر تبقى شخصية، وليس للناقد حق في نقل شحنة عواطفه تجاه الكاتب إلى صدر قارئه.

فعندما يقرأ القارئ نقد طالب العلم لا يحتاج منه أن يؤثر في مشاعره، وإنما يحتاج منه ما يؤثر في فهمه فقط. وللقارئ فيما بعد أن يكيف مشاعره حول الكاتب كما يحب.

لذلك، أعتبر أن الولوج إلى عقل القارئ، من خلال تحويل مشاعره وعواطفه تجاه الكاتب، نوع من المغالطة والتضليل (سواء كان ذلك بالنفخ في قيمة الكاتب أو بإيغار الصدر تجاهه).. أما الولوج إلى عقله من خلال نقد الفكرة والرأي، مع ترك الكاتب وشأنه، فهو نوع من النزاهة التي تفرض احترام الناقد. لأن معركة الناقد الحقيقية مع الفكرة الخاطئة، وليست مع شخص الكاتب. ولو أوحينا للقارئ بأن معركتنا مع الكاتب لوقعنا في فخ يمكن بسببه أن نخسر القارئ، إذا رأى في مواطن أخرى من الكتاب أفكارا أخرى جيدة يمكن أن يشكر عليها الكاتب. وعندها لا يمكن للقارئ الذكي أن يقبل عبارتنا التعميمية القادحة في شخص الكاتب، إما من باب شعوره بأن الكاتب لا يستحق كل هذا القدح فيشعر بالتعاطف مع الكاتب المظلوم، أو لأنه يشعر بأن مثل هذا الأسلوب لا ينسجم مع أخلاقه، أو لأنه يعتبر ذلك نوعا من التضليل للتعمية على بقية الأفكار الجيدة للكاتب.

- مما يساعد في العدل في الحكم على الكتاب: أن لا نحكم عليه بحكم تعميمي، ولا نحكم على كتابه بحكم تعميمي، خصوصا إذا كنا في معرض الرد المفصل. وأفضل ما يساعد القارئ على قبول النقد، أن نحصر كميا عدد الأفكار والآراء المعروضة في الكتاب، وبيان قيمة كل فكرة مقارنة بالأفكار الأخرى، وبجملة الكتاب. ثم نحدد نسبة الصواب والخطإ في كل فكرة لوحدها (وعادة ما نجد الخطأ والصواب مختلطين بنسب متفاوتة في نفس الفكرة).

ثم نفصل بين الأفكار الجيدة، والأفكار الخاطئة، والافكار التي اختط فيها الصواب بالخطأ.

عندها فقط، نكون قد خدمنا القارئ بنقدنا للكتاب. لأنه لا يريد في العادة معرفة الانطباع العام للناقد حول الكتاب أو حول الكاتب.

وأرى أن من أشد الأسئلة المطروحة على العلماء خطورة، تلك التي توجه العالم إلى إبداء رأيه حول كاتب ما من قبيل: (سئل فضيلة الشيخ عن رأيه في كتابات فلان، فرد مشكورا بقوله: ...)، هكذا بنوع من التعميم.

هذا النوع من الأسئلة أعتبره مزلقا خطيرا، ويحتوي مغالطة خطيرة من السائل (لنفسه، وللمسؤول، وللقراء من بعدهما)، ولو جاراه العالم في جوابه، لارتكب مغالطة مضاعفة، ولتحمل وزرا مضاعفا.

ولو طبّقتَ هذه الملاحظات على كتاب د. الجديع عن (الموسيقى والغناء) لوجدته متقيدا بهذا الملاحظات المنهجية في كامل كتابه. حيث التزم خطوة بخطوة مع الأدلة الموجودة، ولم يسع في صفحات كتابه الأولى إلى التأثير على رأي القارئ. بل التزم منهج النبي صلى الله عليه وسلم الذي جعل نفسه في نفس منزلة مخالفه عند الحوار: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ).

أما من رد على د. الجديع ، فكأني به يقول للقارئ منذ الصفحة الأولى: (سترى أنني على حق تام، وأن الآخر ليس له من الصواب أي نصيب..) إلخ ذلك.. فبالله عليك، أيهما أولى بالتقدير من القارئ؟

وما أعجب له حقا أن من يرد بهذا الأسلوب يغفل عادة عن تقدير الأصناف المحتلفة من القراء. فمن المفروض أن يفرق الناقد بين:

1- القراء الذين يميلون أصلا إلى قوله،

2- والذين يميلون أصلا إلى قول الكاتب،

3- والذين لم يميلوا لرأي دون آخر بعد.

فعندما ينقد الناقد الكتاب بادئا بتوجيه أحكام التضليل والجهل وسائر أنواع الشتيمة أو الحط من القيمة العلمية للكاتب، فإنه بدون أن يشعر نقل معركته من ساحة محدودة بينه وبين الكاتب، إلى ساحة أوسع تشمل شريحة لا يمكن تحديد عددها، تضم كل القراء (أو أغلبهم) من الصنف الثاني المائل أصلا إلى رأي الكاتب، أو المعجب بكتاباته. وكلما قرأ قارئة من هذه الصنف عبارة جارحة أو قادحة، شعر بأنها موجهة إلى قلبه وعقله وشخصه هو أيضا. فهل هذا هو ما يبحث عنه الناقد؟ أم أنه يريد إقناع أكثر عدد ممكن من القراء بصواب نقده؟

لذلك، فعندما يعزل الناقد الفكرة عن كاتبها، ثم ينقد الفكرة فقط، فإنه بذلك يضمن إلى (أبعد حد ممكن) عدم استفزاز مشاعر هذه الشريحة من القراء، من خلال إشعارهم بعدم وجود معركة شخصية معهم.

 


blog comments powered by Disqus