4- ما المقصود بجودة خطبة الجمعة؟
مما يعبر عن التأثير المراد من خطب الجمعة، ومجالس الذكر عموما، الحوار الذي دار بين النبي (صلى الله عليه وسلم) والصحابي حنظلة بن حذيم الأسدي، حين شكا الأخير من شعوره حين يستمع للنبي (صلى الله عليه وسلم) وهو يذكّر بالنار والجنة، كأنه يراهمها رأي العين، فإذا خرج من المجلس نسي كثيرا. فأجابه النبي (صلى الله عليه وسلم) بأنهم لو يدومون على ما يكونون عنده، وفي الذكر، لصافحتهم الملائكة على الفرش وفي الطرق (1).
وقد كان من أثر خطب النبي (صلى الله عليه وسلم) وأحاديثه، أن الصحابة كانوا يحفظونها عن ظهر قلب، ويرددونها ويحدثون بها غيرهم، بعد شهور وسنوات، مما يدل على رسوخ كلامه (صلى الله عليه وسلم) في أذهان مستمعيه.. ويعود ذلك أساسا لسهولة عباراته، واعتماده على الكلام المختصر والجمل البليغة، وتكراره للعبارات ذات "المفاهيم المفتاحية"، وقدرته الصوتية على شدّ انتباه المستمعين.
هذا التأثير في المستمعين من قبل المتكلم، وفي السياق الروحي المصاحب للمجلس، هو مقياس القيمة المضافة التي يبحث عنها الحاضرون في مجالسهم، وفي خطب الجمعة. ولذلك، فيمكن تعريف الخطبة الجيدة بأنها: "الخطبة المتقنة التي تُحْدِث تفاعلا إيجابيا لدى أكثر الحاضرين، بحيث يشعرون بعد انتهاءها أنهم قد ازدادوا إيمانا، وتعمّقت مشاعر أخوّتهم وتضامنهم وانتماءهم الديني، واستفادوا وعيا وبصيرة بواقعهم وقضاياهم وهمومهم المشتركة.. فتترسخ معانيها في الأذهان، ولا يتبخر أثرها، ولا ينسى موضوعها بعد الصلاة بقليل".
ومن المعلوم أن الإتقان فريضة دينية. ويعرّف الإتقان عموما على أنه أداء لعمل مّا تتوفر فيه شروط ثلاثة:
أولها: أداء العمل دون خلل فيه.
وثانيها: الالتزام بمتطلبات ذلك العمل من التقيد بضوابط وتقنيات معينة ومعروفة مسبقا.
وثالثها: أداؤه في الوقت المحدد دون تأخير.
هذه الشروط الثلاثة عند توفرها في عمل مّا، هي التي تسمح لنا باعتبار العمل متقنا أم لا. أو بعبارة أخرى: كلما توفرت هذه الشروط الشروط الثلاثة في عمل ما، قلنا إن هذا العمل توفّر فيه الحد الأدنى من الإتقان. لماذا نقول الحد الأدنى؟ لأن الإتقان في حقيقة الأمر درجات، كلما ترقينا فيها كلما وصلنا إلى مرتبة أعلى من مراتب الإتقان (أو الإحسان). وهذا الترقي في مراتب الإتقان ينتج أساسا عن اجتهاد الفرد في تطوير أدائه حتى لا يبقى العمل ضمن مستوى جامد، فينتج عن ذلك تنافس في حسن الأداء، وبلوغ إلى درجات أفضل من الإتقان.
والإتقان شعبة من أعلى مراتب شعب الإيمان، لقوله تعالى في (سورة الكهف: 7): ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾.. وفي (سورة الملك: 2): ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾.. وفي (سورة النحل: 90): ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾.. وفي (سورة هود: 7): ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾...
وقد روى مسلم في صحيحه عن شَدَّاد بن أوس أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ".. وفي الحديث الذي رواه الطبراني والبيهقي وأبو يعلى والسيوطي، وصححه الألباني: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ". وقصة هذا الحديث أن النبي (صلى الله عليه وسلم) شهد جنازة أحد المسلمين (وقيل جنازة ابنه إبراهيم)، فوجد بعد دفنه فرجة في قبره لم يقع تسويتها بشكل جيد، فجعل يقول: "سَوُّوا لَحْدَ هَذَا"، حتى ظن الناس أنه سنّة. فالتفت اليهم فقال: "أَمَا إِنَّ هَذَا لاَ يَنْفَعُ الْمَيِّتَ وَلاَ يَضُرُّهُ، وَلَكِنَّهُ يُقِرُّ عَيْنَ الْحَيِّ (أي: يَسُرَّ عَيْنَ النَّاظِرِ)، وَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ".
وهذا هو المراد من الخطيب المؤثر. فالجمعة يحضرها عامة الناس على اختلاف عقولهم وظروفهم وبيئاتهم، كما أن وقتها محدود، فلا بد أن يكون الخطاب فيها بسيطاً واضحاً مختصراً مفيداً، لا مُعَقَّداً غامضاً مطولاً مشتتاً. وعلى خطيب الجمعة أن يراعي وعي الناس وتفتُّحهم الذي يتطور سريعاً، وأن يراعي أيضاً السياق الزماني والمكاني الذي يلقي فيه خطبته. فهناك فرق بين أن يلقي الخطيب خطبته في مسجد بالجامعة يرتاده الطلبة والأساتذة الجامعيين، أو في مسجد وسط المدينة يرتاده موظفون حكوميون ذوو مستوى أكاديمي جيد، أو في مسجد يرتاده بعض المهاجرين من ذوي الشهادات العلمية المتوسطة.. وعلى الخطيب مراعاة الفوارق الذهنية للجمهور، بحيث يشعر الجميع أن الخطيب يحترم عقولهم ويستجيب لحاجياتهم.
و للخطيب وسيلتان رئيسيتان لإعداد الخطبة الجيدة:
أولاهما: التخطيط لموضوع الخطبة: بحيث يحدد الهدف منها، ثم يحدد العبارات والمحتوى الذي سيؤدي إلى إحداث التأثير المرغوب فيه. ويراعي في ذلك أهمية خلق فكرة واضحة للمراد من الخطبة في ذهن السامع، من خلال اعتماد عبارات تتكرر دائما في أثناء الخطبة تساعد المستمع على إدراك التحول والانتقال من فكرة لأخرى في الخطبة، من البداية إلى النهاية.
وثانيتهما: تخير الكلمات والعبارات التي يبني عليها الخطبة. فالكلمات هي وسيلة الخطيب الرئيسية في التعبير والتأثير. ولذلك فعليه أن يتخيرها بعناية فائقة، ويبنيها في سياق واضح ومحدد.
تعريف الخطبة الجيدة:
• الْخُطْبَةُ الْمُتْقَنَةُ الَّتِي تُحْدِثُ تَفَاعُلاً إِيجَابِيًّا لَدَى أَكْثَرِ الْحَاضِرِينَ، بِحَيْثُ يَشْعُرُونَ بَعْدَ انْتِهَاءِهَا أَنَّهُمْ قَدِ ازْدَادُوا إِيمَانًا، وَتَعَمَّقَتْ مَشَاعِرُ أُخُوَّتِهِمْ وَتَضَامُنِهِمْ وَانْتِمَاءِهِمُ الدِّينِيِّ، وَاسْتَفَادُوا وَعْيًا وَبَصِيرَةً بِوَاقِعِهِمْ وَقَضَايَاهُمْ وَهُمُومِهِمُ الْمُشْتَرَكَةِ.. فَتَتَرَسَّخُ مَعَانِيهَا فِي الأَذْهَانِ، وَلاَ يَتَبَخَّرُ أََثَرُهَا، وَلاَ يُنْسَى مَوْضُوعُهَا بَعْدَ الصَّلاَةِ بِقَلِيلٍ.
الهامش:
1- روى مسلم في صحيحه (2750) عن حنظلة بن حذيم الأسدي التميمي، قال: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟! قَالَ قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ.. قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا تَقُولُ؟ قَالَ قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيَ عَيْنٍ. فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيرًا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ). قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "وَمَا ذَاكَ؟".. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَكُونُ عِنْدَكَ، تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيَ عَيْنٍ. فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ، عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ. نَسِينَا كَثِيرًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ. وَلَكِنْ، يَا حَنْظَلَةُ! سَاعَةٌ وَسَاعَةٌ" ثلاث مرات.
| < السابق | التالي > |
|---|