التنوع الإسلامي

الهوية والمواطنة الهوية الدينية والهوية الوطنية "التعددية الثقافية" في تجارب الدول المعاصرة (3/7): نموذج هولندا
الهوية والمواطنة الهوية الدينية والهوية الوطنية

"التعددية الثقافية" في تجارب الدول المعاصرة (3/7): نموذج هولندا

محمد بن جماعة

 

على غرار معظم الدول الأوروبية، لا تعتبر هولندا نفسها بلدا مفتوحا للراغبين في القيام بمغامرة الهجرة. غير أن الحكومة الهولندية أقرت سنة 1980 بأن وجود المهاجرين "أصبح أمرا واقعا يحتاج لوضع سياسات مناسبة تستجيب له". وقد جاء هذا الإقرار بعد فترة اعتمدت فيها الدولة سياسة استقبال "عمالة ضيفة"، تخول لغير المواطنين البقاء في البلاد طالما كان بقاؤهم منتجا لقيمة اقتصادية، وتفرض عليهم المغادرة عند انتهاء خدمتهم. وقد حصل هذا بالفعل مع العمالة البسيطة من أصول مغربية وتركية، مثلا، إثر أزمة النفط التي حدثت في السبعينات من القرن العشرين، حيث اضطر أغلبهم للمغادرة بعد تدني الحاجة للوظائف البسيطة.

غير أن الدولة واجهت إشكالية اجتماعية تمثلت في تزوج عدد كبير من هؤلاء العمال بهولنديات في فترة عملهم بالبلاد، وإنجاب أعداد كبيرة من الأطفال من هذه الزيجات المختلطة، مما اضطر الحكومة إلى وضع سياسات تساعد على التقريب الأسري، من خلال القبول ببقاء العمال الأجانب في البلاد حتى بعد انتهاء عملهم. وبهذه الطريقة تحولت بضع عشرات الآلاف من "العمال الضيوف" إلى جاليات عرقية متكاثرة داخل النسيج الاجتماعي الهولندي. وحسب الإحصائيات الرسمية لسنة 2003، تعد الجالية التركية حوالي 341 ألف شخص، والجالية المغربية حوالي 295 ألف شخص (1).

من جهة أخرى، نشأ جالية مهاجرة أخرى قادمة من المستعمرات الهولندية السابقة. فعند استقلال إندونيسيا، مثلا، سنة 1949، رحلت إلى هولندا أعداد كبيرة من مواليد الزيجات المختلطة الذين ارتبط وضعهم بالدور الاستعماري. ورغم أنهم ولدوا في إندونيسيا، إلا أن هولندا استوعبتهم واعتبرت قدومهم إليها بمثابة "العودة" إلى الوطن. وحسب إحصائيات 2003، تعد الجالية من أصول إندونيسية حوالي 400 ألف شخص.

وكذلك الشأن بالنسبة إلى سورينام التي استقلت عن هولندا سنة 1975، حيث تعد الجالية من أصل سورينامي حوالي 321 ألف.

وبدأت الهجرة تتنوع أكثر، خصوصا مع نهاية الثمانينات من القرن العشرين، حيث وجد المهاجرون من الدول المجاورة والدول البعيدة فرصا للشغل في هولندا. وكمثال، بلغت الجالية العراقية، حسب إحصائيات 2003، حوالي 42 ألفا، والجالية الإيرانية 28 ألفا، والصومالية 28 ألفا. وبلغ عدد السكان من أصول غير أوروبية نسبة 10%، أي بمعدل زيادة تناهز 44% في الفترة بين 1995 و2003، في مقابل نسبة زيادة تقدر بـ7% فقط للسكان من أصل أوروبي، في نفس الفترة.

هذا هو الإطار الذي يمكن أن يفهم فيه سياسات الهجرة والإدماج في هولندا.

أ- سياسات الهجرة:

يعد التوجه نحو تشديد الرقابة على الهجرة في هولندا أمرا حادثا. فإلى حد الخمسينات والستينات، عرف عن الهولنديين كثرة هجرتهم إلى خارج البلاد، بتشجيع حكومي. وبعد الستينات بدأ اقتصاد الدولة يتأثر بنقص العمالة، فتوجه أصحاب المؤسسات الصناعية إلى استقدام أعداد كبيرة من العمالة الرخيصة من دول أخرى، وتشغيلها حتى قبل الحصول على رخص الإقامة ورخص العمل. وكانت الحكومة تغض الطرف عن ذلك، وتقبل بإتمام الإجراءات بعد البدء في العمل، إلى حدود سنة 1974 عندما سنّت لأول مرة قوانين تهدف لضبط قدوم عائلات المهاجرين العمال. ومنذ ذلك الحين بدأت هولندا في اعتماد قوانين متشددة تجاه الهجرة، من خلال تحديد ثلاثة شروط لتسوية وضعيات عائلات المهاجرين: أولها أن يخدم تلك التسوية مصلحة وطنية، وثانيها ألا تترك الضرورات الدولية خيارا آخر، وثالثها وجود أسباب إنسانية كافية للسماح بقدوم هذه العائلات.

والملاحظ أن هذه الشروط صيغت بشكل يسمح بتأويلها بطرق مختلفة، فمفهوم (خدمة المصلحة الوطنية)، مثلا، لم يتم تحديده من قبل البرلمان الهولندي، بل ترك الأمر لإلحاح الوضع الاقتصادي وحجم التأثير السياسي للشركة المشغّلة. وكذلك الشأن بالنسبة لمفهوم (الضرورات الدولية) (2).

وقد استمر الأمر على هذا الحال إلى حدود منتصف الثمانينات حين شهدت موجات الهجرة تغييرا تمثل في قدوم أعداد من نوعية جديدة من المهاجرين متمثلة في طالبي اللجوء السياسي، الذين تم قبولهم على أساس اتفاقية جينيف. وفي التسعينات تزايدت هذه الأعداد، مما جعل هولندا لعقد من الزمن واحدة من أكثر الدول الأوروبية استقبالا لللاجئين السياسيين، مما تطلب استصدار قوانين جديدة تقيد الهجرة. وفي سنة 2001 صدر قانون يمنع طالبي اللجوء من حق استئناف القرارات الإدارية برفض طلباتهم. وقد كان لهذا القانون أثر كبير في تقليص مد اللجوء السياسي إلى البلاد.

ب- سياسات إدماج المهاجرين:

شهدت سياسات الإدماج نفس التطور الملاحظ في سياسات الهجرة، حيث انتقلت من حالة متساهلة و"إنسانية" إلى وضعية أصبحت فيها الحكومة تتعامل مع ظاهرة الهجرة على أساس كونها مشكلة تحتاج للمعالجة. وتجسدت هذه المعالجة في اتجاهين متوازيين يهدفان لدعم سياسة الإدماج والتضييق في قبول المهاجرين الجدد:

- فبالنظر إلى سياسات الإدماج الهولندية في أبعادها الثلاثة: القانوني، والاقتصادي-الاجتماعي، والعرقي-الثقافي، يعتبر البعد القانوني أولها ضبطا، بمعنى أن هذه القوانين تؤدي في محصلتها إلى أن الحد من الهجرة هو الأفضل اجتماعيا. غير أنه أضيف إليها فكرة أن يحصل المهاجرون الذين تم قبولهم على المواطنة الكاملة بعد 5 سنوات من الإقامة الشرعية الدائمة، مع إعطاء المهاجرين جميع الحقوق المدنية كالمواطنين في ما عدا حق التصويت والترشح للانتخابات الوطنية.

وقد بقيت هذه السياسات على حالها منذ صدورها لأول مرة في أوائل الثمانينات. ومع تسهيل إجراءات منح الجنسية في هولندا، تبعا لرغبة الحكومة في إدماج أبناء المهاجرين في النسيج الاجتماعي، ظهرت طبقة اجتماعية جديدة مكونة من هؤلاء المواطنين من الجيل الثاني للهجرة أو من مواليد الزيجات المختلطة. فكونهم ليسوا تماما من أصول هولندية، وليسوا كذلك تماما من أصول غير هولندية جعل المجتمع ينظر إليهم كفئة اجتماعية ثالثة. وقد توجهت سياسات الإدماج بالأساس إلى هذه الفئة الاجتماعية الوليدة والمسماة "أَلُّوكْتُونْ Allochtones" أي: الدخلاء، في مقابل مصطلح "أُوتُوكْتُونْ Autochtone " بمعنى: السكان الأصليين. وعلى المستوى الاقتصادي-الاجتماعي، لم يتمتع الهولنديون "الدخلاء" بنفس الظروف والامتيازات الاقتصادية. فالإحصائيات الرسمية لسنة 2003 تشير إلى أن معدلات البطالة في فئة الدخلاء أعلى من تلك الموجودة لدى "الأصليين"، وكذلك الشأن لنسبة الفشل الدراسي، وارتفاع نسب الجريمة (3).

ولمعالجة الوضع، وضعت جملة من السياسات، بعضها معتمد في كثير من الدول كإقرار نظام محاصصة "للتمييز الإيجابي" (Positive Discrimination) (4) وبرامج التأهيل واكتساب المهارات الوظيفية للقادمين الجدد (5). وتميزت هولندا بإجراءين خاصين لنفس الغرض: تمثل أولها في إلزام أرباب العمل بتسجيل الهوية العرقية للمستخدمين، وإرسال تقارير إحصائية سنوية للسلطات لمراقبة مدى انفتاحها على "الدخلاء" والمهاجرين. أما الثاني فتمثل في إقرار بعض التشريعات لمكافحة التمييز كان من بينها إنشاء "لجنة المعاملة العادلة" (Equal Treatment Commission) للتحري في الشكاوى المتعلقة بحالات التمييز في العمل والتعليم والخدمات. وقد كان لهذه اللجنة أثر اجتماعي قوي في معالجة كثير من حالات التمييز، بالرغم من كون قراراتها ليست قضائية.

- أما في الاتجاه الثاني، فقد تم سن قوانين وإجراءات تهدف لتضييق فرص الهجرة على الوافدين. ومن هذه القوانين ما يتعلق بإلزام طالبي الهجرة الجدد بتعلم حد أدنى من اللغة الهولندية قبل المجيء إلى البلاد، وإجراء امتحانات اللغة في القنصليات بالخارج. ومنها أيضا إلزام المهاجرين بالتسجيل في دروس خاصة بثقافة الاندماج، وإلزامهم أيضا بدفع مصاريفها بعد أن كانت البلديات تتكفل بتقديم هذه الدروس مجانا في فترة سابقة.

ج- التعليم والثقافات العرقية

لا يمثل التعدد الثقافي في هولندا على مستوى نظام التعليم ودعم الثقافات العرقية أمرا جديدا، وإنما يمكن اعتباره استمرارا لتجربتها الناجحة في تحقيق التعايش السلمي بين فئات المجتمع الأصلي الثلاثة (الكاثوليك والبروتستانت والعلمانيين). فقد سمحت الدولة لهذه الفئات وحتى الستينات بإقامة مدارسها الخاصة، وسمحت أيضا بنفس التقسيم في مجال الإعلام، والمستشفيات واتحادات العمال، وإنشاء النؤسسات الاقتصادية. ولذلك فقد كان طبيعيا أن تسمح أيضا للمسلمين والهندوس بنفس الأمر.

ويمتلك السكان الأصليون حاليا أكثر من ثلث المدارس الخاصة، في حين توفر الدولة دعما ماديا لوسائل الإعلام الخاصة بالمسلمين والهندوس.

د- ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001

ظلت التعددية الثقافية في هولندا خيارا حكوميا إلى أواخر التسعينات. إلا أنه أحداث سبتمبر 2001 شكلت منعطفا أثر سلبيا على هذه السياسة. فقد استغل السياسي اليميني (بيم فورتوين) هذه الأحداث لكسب تعاطف شعبي كبير في حملته الانتخابية لسنة 2002، من خلال رفضه للتعددية الثقافية وتخويف الرأي العام المحلي من "ظلامية الإسلام" التي من مظاهرها، حسب زعمه، اضطهاد المرأة والمثليين الجنسيين.

ورغم مقتل بيم فورتيون بعد الانتخابات البرلمانية بفترة قصيرة، فقد كان حزبه هو الفائز الأكبر، خصوصا على حساب الديموقراطيين الاشتراكيين الذي كان طرفا في تحالف الحكومتين السابقتين، أصبح حزب فورتيون طرفا في تحالف حكومي مع الليبراليين والديموقراطيين المسيحيين، لم يتمكن من الصمود سوى للانتخابات التالية، إذ لم يلبث حلفاؤه في توظيف آثار السياسة اليمينية المتطرفة لحزب فرتوين لإلحاق الهزيمة به وإقامة حكومة ليبرالية/ديموقراطية مسيحية.

ورغم الفترة القصيرة التي قضاها هذا الحزب اليميني في الحكم، فقد بقيت انعكاسات تجربته السلبية على تجربة التعدد الثقافي في هولندا لحد الآن. فقد استطاع هذا الحزب أن يغير زاوية نظر الحكومة من خلال التشكيك في مدى استعداد المهاجرين للاندماج، ومن خلال اقتراح نظام يسمح بقياس المسافة بين المهاجرين والمجتمع الهولندي. وعوض أن يبقى الحكم على الاندماج مرتبطا بالتعليم وسوق التشغيل، أصبح الأمر متعلقا أكثر بمدى استعداد المهاجرين لتكريس ولائهم للوطن الجديد. وقد ساعد مقتل صحافي هولندي يميني على يد شاب مغربي غاضب سنة 2004، في تغذية الحوار الوطني حول هذه المسألة لحد الآن.

 

 


* هذا المقال جزء من بحث "التعددية الثقافية ومفهوم الهوية المتعددة الأبعاد"، الذي شارك به الباحث في المؤتمر السعودي الأول للأمن الفكري (المفاهيم والتحديات)، المنعقد بإشراف: كرسي الأمير نايف بن عبدالعزيز لدراسات الأمن الفكري (جامعة الملك سعود)، بتاريخ: 23ـ 25 جمادى الأول 1430 هـ

 

الحواشي:

1- Doomernik, Jeroen, "The State of Multiculturalism in the Netherlands", Institute for Migration & Ethnic Studies, http://www.imes.uva.nl/publications/documents/1583_JDoomerni1.pdf

2- Doomernik, Jeroen, "The State of Multiculturalism in the Netherlands", Institute for Migration & Ethnic Studies.

3- Centraal Bureau voor de Statistiek (CBS) (2003) Allochtonen in Nederland 2003 Voorburg/Heerlen: CBS

4- مصطلح "التمييز الإيجابي"، ويعبر عنه أيضا بمصطلح "تساوي الفرص" استعمل لأول مرة في الولايات المتحدة الأمريكية، ويقصد به مجموعة التدابير التي تهدف لتعزيز فرص الحصول على الخدمة أو الوظيفة لمن يعانون من التمييز الممنهج، سواء كان بسبب اللون أو العرق أو الإعاقة أو الجنس أو الدين، أو غير ذلك. وللتضييق على التمييز ضد هذه الفئات، يتم تجميع المعلومات المتعلقة بهم (الجنس، العرق، الإعاقة، اللغة، الدين، الحالة الاجتماعية، الوضعية الاقتصادية، الوسط الاجتماعي والسكني...) لمعرفة ما إذا كان لها أثر في عدم حصوله على الخدمة أو الوظيفة مثل غيره.

5- يتوجب على القادم الجديد الالتزام في برنامج دراسة مدته 600 ساعة، يدرس فيه اللغة الهولندية، وثقافة المجتمع المحلي ونظمه الاجتماعية وقوانينه وقيمه. وترتبط قابلية القادم الجديد للحصول على الإقامة الدائمة باجتيازه لاختبارات هذا البرنامج الدراسي.


blog comments powered by Disqus