التنوع الإسلامي

الهوية والمواطنة الهوية الدينية والهوية الوطنية "التعددية الثقافية" في تجارب الدول المعاصرة (4/7): نموذج سنغفورة
الهوية والمواطنة الهوية الدينية والهوية الوطنية

"التعددية الثقافية" في تجارب الدول المعاصرة (4/7): نموذج سنغفورة

محمد بن جماعة

 

تعتبر سنغفورة أصغر دول الكومنويلث، وتعد 5 ملايين ساكن، منهم 20% من غير المواطنين. وتعتبر أول دولة في العالم تعرّف شعبها في الدستور المؤسس سنة 1965 بأنه "شعب متعدد الأعراق". فقد تميز المجتمع السنغفوري منذ تأسيسه بتعدد الثقافات والتقاليد واللغات والأديان فيه، نظرا لأصول مواطنيه الصينية والهندية والملاوية وغيرها، والذي جاء كنتيجة طبيعية لطبيعة سنغفورة الجغرافية والتجارية على مدى التاريخ (1). وقد تدعم هذا الدور في بدايات القرن التاسع عشر عندما أنشأت "شركة شرق الهند الإنجليزية" مركزا تجاريا وميناء بحريا حرّا، كان من نتيجته وفود أفواج كبيرة من المهاجرين الوافدين خصوصا من جنوب الصين. وفي خلال عقد من الزمن، شكل الصينيون أغلبية سكانية في البلاد. ورغم تقلص حركة الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، فقد استمر نمو الأغلبية الصينية نتيجة الولادات المحلية. وبحلول عهد استقلال الدولة في منتصف الستينات من القرن العشرين، كان الصينيون يشكلون 75% من السكان، في مقابل 15% من المالايو، و7% من ذوي الأصول الهندية، و3% من غير الآسياويين (2). ويعترف الدستور السنغفوري رسميا بالأعراق الثلاثة التي تمثل شعبه، وهي: الصينية، والهندية والمالاوية.

جغرافيا، تشكل سنغفورة جزيرة صغيرة شبه ملاصقة لماليزيا، حيث لا يفصل بينهما سوى مضيق بحري بعرض ميل واحد. ويشكل البلدان معا جزءا من أرخبيل الجزر الشرق-آسياوية الذي يضم أندونيسيا وماليزيا وجنوب الفلبين، أين يمثل الإسلام ولغة المالايو العلامتين المميزتين لثقافة المنطقة.

وفي فترة تأسيس الدولة، كان الصينيون يشكّلون أغلبية سكانية في الجزيرة، ولكن محاطة بأغلبية سكانية مالاوية في الأرخبيل الأندونيسي بكامله. وهذا ما جعل الصينيين يفضلون عدم الإصرار على "صينية الدولة" أو "صينية الأمة السنغفورية"، كي لا يشكل عامل توتر مستقبلي مع دول الجوار، خصوصا مع تزامن ذلك مع تصاعد المد الثقافي للحزب الشيوعي الصيني الذي كان سيؤدي إلى تفسير قيام "دولة صينية" في سنغفورة كنوع من "الاختراق الشيوعي" للمنطقة. ولذلك، اعتبر قبول القيادة السياسية المؤسسة للدولة بإعلان "الطبيعة المتعددة الأعراق" للدولة بمثابة بادرة حسن نية تهدف لتكريس السلم الاجتماعي.

أ- اللغة والتعليم:

منذ تأسيس الدولة، تم اعتماد أربع لغات رسيمة: الإنجليزية، والصينية (الماندارين)، والمالاوية، والتاميل. وتمثل الإنجليزية لغة التجارة والإدارة العمومية والمدارس الابتدائية النظامية، على أساس كونها ابتداءً اللغة التي فرضها الاستعمار، ثم كونها اللغة العالمية التي فرضت نفسها في التجارة والعلوم والتكنولوجيا. أما على مستوى الواقع، فقد كان كل طالب يتعلم "لغته الأم" إلى جانب الإنجليزية، وبالتحديد لغة العرق الذي ينتمي إليه الأب، حيث أن كل طفل يسجل انتماؤه العرقي إلى أصل أبيه، دون أمه في حالة الزواج المختلط. ومن خلال هذا التصنيف المطبق آليا، تتكفل الدولة بالتصنيف العرقي للمواطنين.

وبالرغم من ارتباط استعمال اللغة الإنجليزية بالماضي الاستعماري، إلا أنه ينظر إليها كلغة "محايدة عرقيا". وبالتالي، فيشكل اعتمادها من قبل الإدارة العمومية والهياكل الاقتصادية عاملا إيجابيا، يضمن إلغاء أي تفاضل عرقي في الخدمات الحكومية للمواطنين. وبناء على العامل الإضافي المتمثل في كون أي نجاح اقتصادي محلي يقوم أساس على إتقان الإنجليزية، أصبحت هذه اللغة بمثابة "ضمانة" للجدارة في المؤسسات التعليمية وسوق العمل (3).

ب- السكن الاجتماعي والتوزيع العرقي:

يمثل برنامج السكن الاجتماعي الوطني (The National Public Housing Program) أحد أهم إنجازات الحكومة السنغفورية التي حكمها حزب الحركة الشعبية منذ سنة 1959 ولحد الآن بدون انقطاع. ففيما عدا 10% من السكان الأثرياء من ذوي الدخل المرتفع، والذين يفضلون العيش في منازل فخمة خاصة، يعيش غالبية السكان في عمارات شاهقة مدعومة من طرف الدولة ومبنية في إطار مخطط عقاري شامل. وقد أتاح هذا البرنامج الإسكاني للحكومة إمكانية تفتيت التجمعات السكنية على أساس عرقي، الذي كرّسه الاستعمار الانجليزي، من خلال اعتماد منح السكن حسب قاعدة "من يأتي أولا تتم خدمته أولا" (First-come-First-serve). وكان من آثار هذا التوزيع ذوبان التجمعات المحتملة للأقليات السكانية (الهنود والمالايو) في جميع العمارات الشاهقة.

وتدعمت هذه السياسة سنة 1980 من خلال إقرار نظام محاصصة سكانية، يفرض على إدارة كل عمارة شاهقة اعتماد نفس النسب السكانية الوطنية في تركيبة سكان العمارة نفسها. وقد ساعد على فرض هذه الرقابة كون الدولة هي المشرف المباشر على عقود الإيجار للشقق من خلال جهاز إداري مفوض من قبل الدولة.

وعلى الرغم من كون هذا التوزيع يتم تطبيقه بصفة عادلة، إلا أنه لا يخلو من انعكاسات سلبية على التواصل الاجتماعي بين السكان من عرق واحد. حيث أن هذا التوزيع في العمارات يعطي فرصا كبيرة للمواطنين من أصل صيني أن يجدوا من بين جيرانهم عائلة من أصل صيني، ملاصقة لهم في السكان أو على الأقل في نفس الطابق، كونهم يمثلون 75% من نسبة السكان. في حين قد يكون ذلك صعبا على العائلات من أصل مالاوي، وأكثر صعوبة للعائلات من أصل هندي.

ج- التمثيل السياسي:

نتيجة الأغلبية السكانية للمواطنين من أصل صيني، والتوزيع السكاني الصارم المعتمد، يمكن تصور استحالة فوز أي مرشح من أصل هندي أو مالاوي في الانتخابات البرلمانية، لو كان نظام الانتخاب قائما على أساس عرقي. وحتى لا يؤدي هذا الواقع الديموغرافي إلى تهميش فئتين تمثلان بمجموعهما ربع السكان، أحدثت في بداية التسعينات من القرن الماضي تغييرات على النظام الانتخابي تضمن تمثيلا برلمانيا للأقليات، من خلال اعتماد نظام محاصصة إجبارية في التحالفات السياسية القائمة يفرض تقسيما عرقيا للمرشحين بنفس النسب السكانية الوطنية. وهذا ما سمح للأقليتين الهندية والمالوية تمثيلا دائما في البرلمان. غير أن هذا النظام كرّس، من ناحية أخرى، سيطرة برلمانية مطلقة ودائمة بنسبة 75% للمواطنين من أصل صيني، وهو ما يجعل أي سياسة ثقافية أو عرقية تحت النفوذ المطلق لهذه الفئة السكانية.

د- خصوصية الإسلام:

يمثل السكان من أصل المالايو جزءا لا يتجزأ من الغالبية المسلمة التي تعيش في أندونيسيا وماليزيا وجنوب الفيلبين. وقد أدى ذلك إلى منح المسلمين في سنغورة امتيازات دستورية خاصة. ويضاف إلى ذلك أن عضوية سنغفورة لمدة سنتين (1963-1965) في الاتحاد الماليزي الذي يعتبر دستوريا الإسلام هو الدين الرسمي لشعب المالايو، أدت إلى المطابقة بين الأصل العرقي والانتماء الديني لسكان سنغفورة من أصل مالاوي. حيث أن كل مواطن من أصل مالاوي يعتبر دستوريا منتميا للإسلام. وقد نشأ عن هذا الاعتبار آثار هامة:

فإضافة للتشريع المدني الذي تخضع له الدولة، يخضع المسلمون منذ سنة 1957 لحكم الشريعة الإسلامية من خلال مؤسسات تم إنشاؤها كالمحكمة الإسلامية والمحكمة الشرعية وهيئة الأحوال الشخصية. وفي عام 1965 سنت الدولة تشريعا جديدا يقنن تطبيق الشريعة على المسلمين خصوصا في مسائل الزواج والطلاق والمواريث، من خلال إنشاء مجلس إسلامي أعلى ودار للإفتاء وهيئة للزكاة وهيئة للأوقاف وإدارة الحج، وإدارة المساجد.

ومن جهة أخرى، ومن خلال نفس الامتيازات، أصبح للمسلمين تمثيل حكومي مباشر عن طريق إحداث وزارة خاصة بالشئون الإسلامية والمالاوية، ولكن من دون أن يسمح لهذه الوزارة بأن تكون ممثلة لمصالح المسلمين على حساب المكونات الاجتماعية الأخرى.

 

 

* هذا المقال جزء من بحث "التعددية الثقافية ومفهوم الهوية المتعددة الأبعاد"، الذي شارك به الباحث في المؤتمر السعودي الأول للأمن الفكري (المفاهيم والتحديات)، المنعقد بإشراف: كرسي الأمير نايف بن عبدالعزيز لدراسات الأمن الفكري (جامعة الملك سعود)، بتاريخ: 23ـ 25 جمادى الأول 1430 هـ

الحواشي:


1- Lai Ah Eng, "The Importance of Cross-Cultural Exchange in the Remaking of Singapore", Institute of Policy Studies, http://www.ips.org.sg/pub/rsc/IPS_LAI.pdf

2- Chuba Beng Huat, "Multiculturalism in Singapore", Canadian diversity, vol. 4:1, Winter 2005, pp. 29-31

3-  Idem.


blog comments powered by Disqus