لئن كانت الصورة النمطية المحفوظة لجنوب أفريقيا مرتبطة بقضية التمييز العنصري والصراع الدموي بين السود والبيض، فقد تألف هذا البلد من جماعات ثقافية عديدة اندمجت بصفة طبيعية لتكوّن كيانا هجينا.
تعد جنوب أفريقيا حوالي 47 مليون نسمة (1)، ويعتبر مجتمعها متعدد الأعراق والثقافات. فعلى المستوى العرقي يوجد السود (79.6%) والبيض (9.1%) والملونون (8.9%) والهنود (2.5%).
وبالرغم من أن السود يمثلون أكثر من ثلاثة أرباع السكان، فإنهم لا يشكلون وحدة ثقافية ولا لغوية متجانسة. فمن بين 11 لغة معترف بها رسميا في البلاد يتكلم السود تسع لغات مختلفة، أكثرها استعمالا لغة الزولو (23.8% فقط). وعلى المستوى الديني، يصنف ثلثا السكان كمسيحيين، ويشكل البقية خليطا من الوثنيين (بمختلف معتقداتهم) والمسلمين والهندوس واليهود. وعلى المستوى العرقي، من المعروف أن البلد خرجت حديثا من صراعات محورها التمييز العنصري (الآبارتايد) ضد السود.
ولئن كانت الصورة النمطية المشهورة عن المجتمع الجنوب-أفريقي تتمثل في الصراع بين السود والبيض، فإن تاريخ الدولة يشير لوجود عدة صراعات ذات أبعاد مختلفة، ثقافية وإثنية ودينية ولغوية، بين قبائل المنطقة. إلا أن حدة الصراع الأخير الذي نشأ بين البيض والسود والذي قام على سياسة الميز العنصري (الآبارتايد) هي التي حكمت بتغييب كل أشكال التفرقة الأخرى في واقع البلاد.
كل هذا يشير إلى واقع التنوع الثقافي الموجود في جنوب أفريقيا. غير أن من الملاحظ في خطاب الدوائر العليا هو غياب مصطلح (التعددية الثقافية) في التعبير عن هذا الواقع. والمصطلح الشائع هو (التفرقة) للتعبير عن واقع أوسع من واقع التعدد الثقافي، يتمثل في استمرار وجود طبقية عنصرية مكرسة عبر عقود من الظلم الاجتماعي واللامساواة والصراعات الدموية، لم تخرج منها البلاد بالكامل لحد الآن.
أ- القوانين التشريعية في المرحلة الانتقالية:
تشكَّل النظام الجنوب-أفريقي في عصره الحديث عبر مراحل من الصراع السياسي والتفاوض الماراطوني في التسعينات بين قوى التغيير الممثلة في حركة التحرر بقيادة حزب المؤتمر الوطني، وقوى المحافظة على التمييز العنصري الممثلة في حكومة الأقلية البيضاء، نتج عنها المصادقة على دستور سنة 1996. ويعتبر نلسون مانديلا مهندس مشروع "الأمة الجديدة" الذي استطاع تجميع السود والبيض عل حد سواء رغم التنوع الاجتماعي القائم، وتحديات العنف السياسي، واللامساواة والفقر والعنصرية التي كانت سائدة.
ولفهم الإطار التشريعي للتعددية، نستعرض هنا سريعا أهم النقاط التي تم حسمها من خلال المفاوضات، والتي من بينها مفهوم الهوية الوطنية.
أولى هذه النقاط تمثل في تغيير "السيادة الدستورية". ففي الدستور السابق، كانت الحكومة خاضعة للسيادة البرلمانية، وتغير الأمر في الدستور الجديد بأن أصبحت خاضعة للمحكمة الدستورية، بما يعني أنه إذا أرادت الحكومة سن قوانين ذات اهتمام ثقافي، ودعيت لأن تكون منصفة من الناحية الدستورية، فإن قضاة المحكمة الدستورية هم الذين يفصلون في الموضوع وليس البرلمان.
والأمر الثاني تمثل في توزيع السلطة بين حكومة مركزية وحكومات محلية تدير تسع مقاطعات، بما يسمح لكل مقاطعة أن تسن من خلال البرلمانات المحلية جملة من القوانين الخاصة بدون العودة للحكومة المركزية، وبما يسمح أيضا بتوسيع قاعدة التمثيل والتنافس السياسي بين الأحزاب والجماعات السياسية.
وإذا كان الدستور يمثل في جوهره عقدا بين الدولة والمجتمع المدني، فإن الدستور الجنوب-أفريقي يعرّف المجتمع المدني على أنه مكوّن أساسا من "أفراد" وليس من جماعات أو أعراق. ولذلك يلاحظ على دستور 1996 غياب أي تحيز عنصري، وكذلك غياب أي تحيز ضد المرأة. فالمواطنة وحق الانتخاب والمساواة والحرية أصبحت كلها تمثل حقوقا للأفراد وليست، كما كان الأمر في السابق، لجماعات أو أقليات أو عرقيات. وعلى هذا الأساس، فالحقوق الدينية والثقافية واللغوية والجنسية للأفراد مكفولة ومحمية ضد التمييز من قبل الدولة بموجب "قانون الحقوق".
أما على مستوى الجماعات، فيلزم الدستور الدولة بالقيام بإجراءات عملية وإيجابية لدعم لغات السكان الأصليين (2)، وإنشاء هيئة حكومية لدعم وحماية الحقوق الثقافية واللغوية لمختلف مكونات المجتمع (3).
ولإدارة الوضع الجديد للدولة، تم إنشاء عدد من المؤسسات والهيئات الحكومية للتعاطي مع التعددية الثقافية القائمة، مثل المجلس الوطني للولايات، ولجنة دعم وحماية الحقوق الثقافية والدينية واللغوية للجماعات، والمجلس الوطني للغات.
ب- تحديات الواقع الجديد:
تاريخيا، كانت الهويات في جنوب أفريقيا تعرّف على أسس عرقية وإثنية. وقد أدت مرحلة الانتقال من عهد "الآبارتايد" إلى مرحلة الدولة الديموقراطية، إلى ظهرو تساؤلات جديدة. فهل استمرت المسميات والأوصاف العرقية والإثنية المستعملة في العهد السابق، تحمل نفس المعاني المرتبطة بها، أم أن هذه المسميات والأوصاف أصبحت تحمل معاني مختلفة؟ وهل استطاع المجتمع الجنوب-أفريقي تشكيل هوية وطنية جديدة، أم أن هناك هويات جديدة مختلفة بصدد التشكل داخل المجتمع؟
أظهرت بعض الدراسات الاجتماعية التي أجريت في السنوات الأخيرة ثلاثة أمور هامة (4):
1- وجود اتجاهين، على المستوى الشعبي، في التعامل مع التحولات الجديدة في تشكيل الهوية الوطنية: يمثل الاتجاه الأول قسما من الشعب مثّلت له التحولات الحاصلة مصدرا للفخر وتعزيز مفهوم الانتماء الثقافي والديني واللغوي، نتيجة اعتراف الدولة الجديدة بهويته التي كانت تتعرض سابقا للقهر والتسلط. وأما الاتجاه الثاني فيمثل قسما آخرا يبدو أنه لا يكترث للأمر، ويحاول أن يرسم لنفسه معاني جديدة لمفهوم الهوية يقوم على أسس وأطر ومصادر مختلفة، كتكوين عصابات النهب في الأحياء الفقيرة، وظاهرة العنف الاجتماعي والجريمة المنظمة.
2- كما أظهرت هذه الدراسات وجود حالة من الخلط والتشويش في فهم الفروق والعلاقات بين الهوية الوطنية الجامعة، والهويات المحلية الناشئة عن حكم المقاطعات والحكومات المحلية.
3- لئن تلاشت مظاهر الميز العنصري بين السود والبيض، فقد بقي للهوية العرقية دور هام خصوصا عندما تتقاطع مع ظروف اجتماعية خاصة: كالفقر والأمية والتهميش والبطالة (5) وعدم توفر الكفاءات اللازمة للحصول على وظائف جيدة. ومن جهة أخرى، فقد لوحظ نشوء ظاهرة اجتماعية جديدة تمثلت في رفض الأفارقة السود من أصل أجنبي، أي القادمين بصورة غير شرعية من دول مجاورة.
ج- نجاحات النموذج الجنوب-أفريقي:
يمكن القول إن نموذج التعددية الثقافية نجح نسبيا في الدولة الجديدة القائمة في جنوب أفريقيا. فقد حققت الأقليات الثقافية عددا من المكاسب عل مستوى حماية هوياتها المختلفة. كما وفرت المؤسسات الحكومية الجديدة عددا من السياسات التي وفقت بين النخب الاجتماعية القديمة والحديثة خصوصا في ما يتعلق بالفوارق الثقافية.
وبالرغم من استمرار وجود تأثير للعاملين العرقي والإثني في الواقع، إلا أنهما لم يعودا أساسين كما في السابق، إلا في حالات استثنائية.
وفي مقابل استفادة شريحة اجتماعية كبيرة من هذه التعددية، فيبقى التحدي الأكبر الراهن في جنوب أفريقيا متمثلا في استمرار تهميش الطبقة المعدمة في المجتمع، نتجية تفشي الفقر والأمية والبطالة، مما أدى لبحثها عن أطر جديدة للهوية تقوم على العنف الاجتماعي ومعاداة مكونات المجتمع الأخرى.
* هذا المقال جزء من بحث "التعددية الثقافية ومفهوم الهوية المتعددة الأبعاد"، الذي شارك به الباحث في المؤتمر السعودي الأول للأمن الفكري (المفاهيم والتحديات)، المنعقد بإشراف: كرسي الأمير نايف بن عبدالعزيز لدراسات الأمن الفكري (جامعة الملك سعود)، بتاريخ: 23ـ 25 جمادى الأول 1430 هـ
الحواشي:
1- http://www.southafrica.info
2- دستور جنوب أفريقيا لسنة 1996: الفصل 6(2)
3- دستور جنوب أفريقيا لسنة 1996: الفصل 185
4- Simon Bekker and Anne Leildé. AC 2004. Is Multiculturalism a workable Policy in South Africa? In Rex J. & Singh (eds.) Governance in Multicultural Socities. Aldershot: Ashgate. International Journal on Multicultural Socieities 5(2). http://portal.unesco.org/shs/en/ev.php-URL_ID=2547&URL_DO=DO_TOPIC&URL_SECTION=201.html
5- تبلغ نسبة البطالة في جنوب أفريقيا حسب الإحصائيات الرسمية لسنة 2008: 21.9% (http://www.statssa.gov.za/keyindicators/keyindicators.asp)
| < السابق | التالي > |
|---|