التنوع الإسلامي

الهوية والمواطنة الهوية الدينية والهوية الوطنية "التعددية الثقافية" في تجارب الدول المعاصرة (6/7): نموذج كندا
الهوية والمواطنة الهوية الدينية والهوية الوطنية

"التعددية الثقافية" في تجارب الدول المعاصرة (6/7): نموذج كندا

محمد بن جماعة

 

من الناحية التاريخية، تعتبر كندا مجتمعا استيطانيا، تأسس عبر احتلال أراضي السكان الأصليين، وعبر موجات عديدة من الهجرة. وهي حاليا ثاني أكبر دولة في العالم من حيث المساحة، تحدها الولايات الأمريكية المتحدة جنوبا، والمحيط الاطلسي شرقا، وآلاسكا (الولايات المتحدة الأمريكية أيضا) من الشمال الغربي، والمحيط الهادي غربا.

نشأت الكونفيدرالية الكندية سنة 1867 إثر اتفاق بين حزب المحافظين والحزب الليبرالي، تم على أساسه تقسيم السلطات إلى سلطة فيدرالية وحكومات محلية، وتقاسم وسط البلاد إلى مقاطعتين رئيسيتين: كيبك ذات الأغلبية الفرنسية، وأوناريو ذات الأغلبية الإنجليزية. وقد انضمت عدة مقاطعات تدريجيا إلى هذا النظام لتشكل كندا.

وتتكون البلاد حاليا من ثلاث عشرة ولاية ومقاطعة، وهي ألبرتا، كولومبيا البريطانية، مانيتوبا، نيو برانزويك، نيوفاوند لاند، نوفا سكوشيا، أونتاريو، جزيرة الأمير ادوارد، كيبيك، ساسكاتشوان، يوكون، المقاطعات الشمالية الغربية، نونافوت.

وكندا بلد ذو نظام ديمقراطي برلماني، يقوم على الدستورية الملكية، وتعتبر فيه الملكة إليزابيث الثانية، ملكة بريطانيا، رئيسة البلاد ويمثلها حاكم عام. وتقسم فيه السلطة إلى ثلاث مستويات: الحكومة الفيدرالية، والحكومات المحلية، والبلديات.

والواقع السياسي والاقتصادي للبلاد متأثر بشكل كبير بجارتها الولايات المتحدة الأمريكية. ورغم التاريخ المشترك والظروف المتشابهة لقيام الدولتين، فتعتبر كندا متميزة تاريخيا وثقافيا وواقعيا. فمن الناحية السكانية، ونظرا للظروف المناخية التي تجعل الشمال الكندي صحراء جليدية نادرة السكان، بقيت الكثافة في كندا ضعيفة مقارنة بمساحتها الشاسعة، حيث يوجد بها حوالي 34 مليون ساكن فقط، يتجمعون على طول الشريط الحدودي جنوبا، وعلى السواحل الغربية والجنوبية-الشرقية.

كما تميزت البلاد نسبيا بالاستقرار الداخلي، مقارنة بالولايات المتحدة. ففيما عدا الحروب الأولى التي قامت بين الإنجليز والفرنسيين للسيطرة على الأراضي، ثم بعض المناوشات الحدودية مع محاولات انفصال صغيرة بعد تأسيس الدولة، لم تشهد كندا حروبا أهلية ولا احتلالا من قبل قوات خارجية.

ولهذه العوامل كلها، تعتبر كندا متميزة عن باقي الدول. كما أن هذه العوامل نفسها كانت لها انعكاسات مباشرة في تحديد مسار نشأة الدولة وصياغة مفهومها الخاص للوحدة والهوية الوطنية.

أ- التركيبة الاجتماعية المعقدة:

تستقبل كندا حوالي 2500 الف مهاجر جديد سنويا. وقد وصل البلاد حوالي 2.2 مليون مهاجر ولاجئ في الفترة ما بين 1991 و2000، وهي أكبر موجة هجرة منذ بداية القرن العشرين، وتمثل أيضا قرابة ضعف العدد الذي تم استقباله في السنوات العشر التي سبقتها (الثمانينات). وحسب الإحصائيات الرسمية لسنة 2003 ، يشكل السكان المولودون خارج كندا نسبة 18.4% من العدد الإجمالي، أي ما يعادل 5.4 مليون ساكن .

وفي نفس الوقت، شهدت سياسة الهجرة تغييرا كبيرا في جنسيات الوافدين الجدد. فإلى حدود سنة 1961، كان الوافدون للبلاد من أوروبا يمثلون حوالي 90% من المهاجرين ، غير أن النسبة تضاءلت لتصبح 25% فقط في الفترة 1981-1991، ثم 20% فقط في الفترة 1991-2001، في مقابل 58% من أصول آسياوية وشرق أوسطية و11% من دول الكاريبي وأمريكا اللاتينية، و8% من أفريقيا، و3% من الولايات المتحدة الأمريكية .

وقد نشأ، كنتيجة لهذه الأعداد الوافدة، تغييرات اجتماعية جذرية على مستوى التنوع العرقي والثقافي واللغوي والديني. فحسب الإحصاءات الرسمية لسنة 2001، تتوزع الأصول العرقية والإثنية للسكان على 249 عرق مختلف.

ويضاف هذا التنوع إلى ما تعرفه البلاد أصلا من تنوع على مستوى السكان الأصليين، حيث يوجد بكندا ما يقارب الستين قومية يمكن تجميعها تحت ثلاث ثقافات رئيسية للشعوب الأصلية: الهنود الحمر (American Indian)، والملونين (Métis) والإنويت (Inuit). ويمثلون في مجموعهم حوالي المليون ساكن، يتكلمون حوالي 16 لغة مختلفة .

من جهة أخرى، وفي إطار هذه التعددية الثقافية، تعتبر كندا رسميا دولة ثنائية اللغة، تستعمل الفرنسية والإنجليزية في الخطاب الرسمي. غير أن إحصائيات سنة 2001 تشير إلى وجود أكثر من 100 لغة مستخدمة في الحياة اليومية للكنديين، ووجود نسبة سكانية تقدّر بحوالي 18% ممن لا يتكلمون الفرنسية والإنجليزية كلغة أولى، ووجود 61% من المهاجرين الذين قدموا في التسعينات يتكلمون غير الفرنسية والإنجليزية في بيوتهم.

وحسب نفس الإحصائيات، صرّح ما يقارب 4 مليون ساكن بانتمائهم إلى "الأقليات الظاهرة" (visible minorities) . ومن بين الوافدين في التسعينات، تصل نسبة المنتمين للأقليات الظاهرة حوالي 73% من عدد المهاجرين.

وتشير الإحصائيات أيضا إلى أن معدلات التناسل لدى الأقليات الظاهرة أكثر من تلك الموجودة لدى الشرائح الاجتماعية الأخرى.

كل هذه الأرقام بدأت تظهر آثارها في التركيبة السكانية للمدن الكندية الكبرى. ففي مدينة تورنتو، مثلا، يصل عدد السكان من أصول آسيوية وهندية وسوداء إلى 36.8%، وفي مدينة فانكوفر 36.9% (حسب إحصائيات 2001).

ويظهر التنوع الكندي عل مستوى الأديان أيضا، إذ صرّح 83.8% من السكان بانتمائهم إلى واحد من بين 33 دينا من الأديان الموجودة في البلاد. كما شهد المجتمع تزايدا ملحوظا في أعداد المسلمين والهندوس والسيخ والبوذيين. ويمثل أصحاب الديانات من غير المسيحيين حوالي 23% من إجمالي السكان.

أخيرا، ولمزيد بيان حجم التعقيد في التنوع السكاني في كندا، تشير الإحصائيات إلى أن 38% من السكان لهم أصول إثنية متعددة (Multiple Ethnic origins) ، نتيجة الولادات من زيجات المختلطة بين مختلف الأعراق.

ب- النموذج الكندي للهوية الوطنية:

مفهوم الهوية الوطنية في كندا شديد الارتباط بالتعددية الثقافية. فقد اختارت الدولة منذ نشأتها تحديد هويتها الوطنية على أساس التنوع والتعددية الثقافية. وطوال تاريخها، استطاعت البلاد أن تحافظ على وحدتها في ظل التعددية الثقافية.

وتشير استطلاعات الرأي الدورية إلى استمرار التعددية الكندية ونظام الهجرة كمبعث فخر للكنديين، ولا تقل هذه النسبة عن 80% في أغلب استطلاعات الرأي، وهذا الرقم لم يتغير على امتداد الزمن ، بل أظهر استطلاع للرأي في سنة 1996 أن الكندين يعتبرون التعددية الثقافية سمة من سمات الهوية الكندية .

وقد تكرست التعددية التي تم تبنها رسميا سنة 1971، من خلال القوانين والهياكل الحكومية التي تم إنشاؤها:

- فعلى المستوى الأول، صدرت عدة قوانين، كقانون الحريات والحقوق المدنية، وقانون اللغات الرسمية وقانون التعددية الثقافية وقانون المساواة في العمل وقانون الهجرة وحماية اللاجئين، وقانون حماية حقوق الهنود الكنديين.

- وأما على المستوى الثاني، فقد أنشئت مؤسسة رسمية باسم "المؤسسة الكندية للعلاقات العرقية"، وأحدثت برامج ممولة من قبل الحكومة الفيدرالية والحكومات المحلية لإدارة التفاعل الثقافي بين مختلف الهويات الثقافية الموجودة.

ويقوم النموذج الكندي للهوية الوطنية على أسس ثلاثة: القيم، والروابط والثقافة.

1- القيم:

تمثل القيم المكون الأساسي في بناء الهوية الوطنية الكندية، ويتجسد هذا من خلال القوانين الدستورية، والمواقف الرسمية الحكومية، وخطابات العرش ومختلف القوانين التشريعية .

والقيم الجوهرية الكندية هي التالية:

- المساواة، العدالة، المجتمع المشترك، احترام التعددية، المسئولية المتبادلة، المساءلة، الديموقراطية، السلام، الإنصاف (تعريف الحكومة الكندية) ،

- الاعتماد على الذات، التضامن المؤدي للمسئولية الجماعية، الاستثمار خصوصا في الأطفال كونهم جيل المستقبل، الديموقراطية، الحرية، المساواة، المسئولية المالية (تعريف الشبكة البحثية حول السياسات العامة الكندية) ،

- التسامح، المساواة، الاحترام (حيثيات قرار صادر عن المحكمة الدستورية العليا) .

وقد يجادل البعض في كون هذه القيم لا تختلف كثيرا عن القيم المعتمدة لدى كثير من الدول الغربية، وغير الغربية. ولهذه الملاحظة وجاهتها بلا شك. غير أن النموذج الكندي لا يقوم على الادعاء بانفراده أو تميزه بهذه القيم، وإنما يقوم على أساس أنها تمارس وتطبّق بتميز في السياق الكندي.

2- الروابط:

تهدف الروابط لإنشاء علاقات إيجابية بين الكنديين، من خلال توفير فضاءات لفهم الاختلافات ومحاولة إيجاد حلول لها، في ظل التنوع السائد في المجتمع والمساحة الجغرافية المترامية الأطراف، والتقسيم الفيدرالي للسلطة.

ولتحقيق هذا الأمر، قام النموذج الكندي على إنشاء البنى التحتية اللازمة وإيجاد أشكال مختلفة للتفاعل والتعاون. فعلى مستوى البنى التحتية، تم مثلا إنشاء خط للقطار يربط بين جميع الولايات والمدن الكندية، وتوفير الربط بالإنترنت لكل الكنديين في جميع المناطق. وعلى مستوى التفاعل، تم مثلا إنشاء برنامج حكومي لدعم الحوار حول اللغات الرسمية، ومنتدى برلماني للحوار بين الشباب الكنديين، يتم فيه تدريب الشباب على الممارسة الديموقراطية. وعلى مستوى أشكال التعاون، تم توفير برامج دعم ومساعدة للمؤسسات الاجتماعية والأقليات للعمل من أجل أهداف مشتركة، ودعم التطوع الاجتماعي بأشكال مختلفة.

3- الثقافة:

تشكل الثقافة الدعامة الثالثة للهوية الوطنية الكندية، لأنها تخلق فضاء للتعبير عن التنوع الموجود، وفرصا لفهم هذا التنوع وقبوله، ولأنها تقول للأفراد إنهم جميعا، بذواتهم وقصصهم وتجاربهم وفنونهم وتاريخهم، على اختلاف ذلك كله، يمثلون جزءا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والهوية المشتركة.

وقد ساهمت الظروف التاريخية لنشأة الدولة في ترسيخ هذه الدعامة، نظرا لوجود قوميتين مؤسستين بلغتين (الفرنسية والإنجليزية) وديانتين (الكاثوليكية والبروتستانتية) وعادات مختلفة، إضافة للسكان الأصليين.

ويظهر الاهتمام بالثقافة في عدد كبير من برامج المساعدات التي تقدمها الدولة، مثل توفير الدعم المالي لمختلف وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمطبوعة المهتمة بالثقافة، وقطاع السينما والمتاحف الثقافية، إلخ.

ج- "التعددية الثقافية" الكندية و"التفاعل الثقافي" الكيبكي:

تقوم فكرة التعددية الثقافية في البلدان التي تتبناها، مثل أستراليا وكندا، على محاولة التوفيق بين احترام التنوع القائم وإدامة الرابط الاجتماعي والمرجعيات الرمزية التي تدعمه. و"يقصد بالمرجعيات: التقاليد والقيم المؤسسة التي تكرست تاريخيا والتي تؤلف في مجموعها مخيالا جماعيا" .

ويكمن الفرق بين هذه الدول التعددية والنظم الجمهورية الأخرى، في أن نموذج التعددية الثقافية يعطي أولوية للتنوع، في حين تقوم النظم الجمهورية الأخرى بتهميش الفوارق العرقية، وإعطاء الأولوية لما يمكن تسميته بالثقافة المؤسِّسة (أي ثقافة المجتمع الأصلي أو ثقافة الأغلبية).

ويتميز الواقع الكندي بخصوصية فريدة تتمثل في وجود نوع من الاستقطاب حول تطبيق التعددية الثقافية بين الحكومة الفيدرالية وحكومة مقاطعة كيبك الفرنكوفونية.

فمنذ نشأة الدولة، إثر صراع على الأرض بين الفرنسيين والإنجليز، ورغم الاتفاق الذي أسفر عن إنشاء الكونفيدرالية الكندية، بقيت مقاطعة كيبك الفرنسية ذات نزعة نحو طلب الاستقلال بسبب الاختلاف الثقافي والنزاع حول الهوية الثقافية، وشعور الكنديين من أصل فرنسي بالخوف من الذوبان بسبب إحاطة الثقافة الأنجلو-سكسونية لهم من كل الجهات. ونتيجة لذلك شهدت البلاد، وما تزال، توترات عديدة تراوحت بين دعوات الانفصال ومحاولات انتزاع مكاسب تضمن الحماية لمقومات الثقافة الفرنكفونية في كندا.

ومنذ تبني التعددية الثقافية في كندا، اعتبرت كيبك هذا النموذج مهددا لهويتها الثقافية، ورفضت تطبيقه واختارت بدلا منه نموذجا آخر خاصا بها طبقته على مستوى المقاطعة أطلق عليه اسم "التفاعل الثقافي". وفيما يلي استعراض لفلسفة التعددية الثقافية، وأوجه الشبه والاختلاف بينها وبين نموذج "التفاعل الثقافي".

1- النموذج الكندي:

تم تحديد أهداف "التعددية الثقافية" سنة 1971 كما يلي :

- توفر الحكومة الكندية دعمها لكل الثقافات الكندية، وتسعى قدر المستطاع لدعم نمو الجماعات الثقافية الراغبة في البقاء والزدهار، والراغبة في إثراء الحياة الكندية والتي أظهرت حاجتها لمثل هذا الدعم.

- تساعد الحكومة أفراد كل الجماعات الثقافية على تخطي العقبات الثقافية حتى يستطيعوا المشاركة يفعالية في الحياة الكندية.

- تدعم الحكومة اللقاءات والحوارات المثمرة بين مختلف الجماعات الثقافية الكندية بما يخدم المصلحة الوطنية.

- تشجع الحكومة المهاجرين على تعلم أحدى اللغتين الرسميتين في كندا، لمساعدتهم كي يصبحوا أفرادا كاملي العضوية في المجتمع الكندي.

هذه الأهداف الأربعة (حفظ ثقافة الأقليات، تسهيل المشاركة الكاملة للجميع، دعم التبادل الثقافي، ضمان تعلم إحدى اللغتين الرسميتين) تشير إلى أن قانون التعددية الثقافية تم تحديده كسياسة تهدف لقبول المهاجرين وأبنائهم ككنديين شرعيين، معترف بحقوقهم من قبل الكنديين والمؤسسات الحكومية والإعلام والمؤسسات الاقتصادية في البلاد.

وقد أشار بعض الباحثين لثلاثة أسباب وراء هذا التحول في السياسة الفيدرالية من تبني (الثنائية الثقافية) إلى تبني (التعددية الثقافية):

- الأول: أنه مثل استجابة لمطالب المهاجرين من أصول غير فرنسية وغير بريطانية ،

- والثاني: أنه عكس استراتيجية فيدرالية مضادة للنزعة القومية لمقاطعة كيبك ،

- والثالث: أنه يعكس عاملا مميزا للهوية الكندية مقارنة بالهوية الأنجلو-الأمريكية للبلد المجاور  .

ورغم النقد الشديد الذي تعرض قانون التعددية في الأوساط السياسية والثقافية في كيبك، التي رأت في هذا السياسة خطرا على هويتها الثقافية كأقلية، فقد تم اعتماده ودعمه بخطوات أخرى منها المصادقة على القانون الأساسي الكندي للحقوق والحريات الذي نص على أنه متفق مع روح التعددية الثقافية التي تميز المجتمع الكندي.

وفي سنة 1988، تمت تكريس سياسة التعددية من خلال المصادقة على قوانين دستورية إضافية للمحافظة على التعددية الثقافية ودعمها في كندا، من خلال:

- الاعتراف بالتنوع كخاصية رئيسية للمجتمع الكندي،

- التأكيد على القيم الرئيسية للمجتمع الكندي وهي: الحقوق والحريات الفردية، والماسواة بين الأفراد، ووجود لغتين رسميتين.

- حماية وإبراز الإرث الثقافي المتنوع في كندا في سياق تساوي الفرص والمشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لجميع الكنديين، مع التركيز على المعيقات التي تحول دون ذلك، مثل التمييز والتحيز والأحكام المسبقة.

وقد تم تعزيز هذه الأهداف بأخرى تفصيلية عند إحداث وزارة التعددية الثقافية والمواطنة سنة 1991، ووزارة التراث الكندي سنة 1993.

2- أوجه التشابه مع التفاعل الثقافي:

يرى ليمان  أن "التفاعل الثقافي" يمثل النسخة الكيبكية "للتعدد الثقافي" الكندي. ويؤكد على أن كل الحكومات المحلية في المقاطعات الكندية، إضافة لبعض البلديات، اعتمدت بعض السياسات الخاصة لتطبيق التعددية المعتمدة فيدراليا، للمساهمة من جهتها في تقوية التزام المواطنين تجاه التعددية.

وتتلخص أوجه التشابه بين النموذجين في ما يلي:

- الاعتراف بالطبيعة التعددية للمجتمع الكندي والمجتمع الكيبكي

- الاعتراف بوجود تنوع لغوي

- رفض سياسة إذابة الثقافات لصالح ثقافة وطنية واحدة

- أولية القضايا الاجتماعية على القضايا الثقافية

- الاعتراف بأن المساواة تتطلب أكثر من أن تكون مساواة شكلية

- الاعتراف بالوجود السوسيولوجي لمختلف مكونات المجتمع.

3- أوجه الاختلاف مع التفاعل الثقافي:

تكمن أوجه الاختلاف بين النموذجين في خمس نقاط أساسية:

- تعتبر "التعددية الثقافية" أن التنوع يمثل "خاصية متجذرة" في المجتمع الكندي. أما "التفاعل الثقافي" فيعتبر أن مقاطعة كيبك تمثل "مجتمعا تعدديا"، يولي أهمية للتنوع الثقافي، ويضع التقارب الثقافي في قلب سياسته الثقافية، أي احترام التنوع والتعدد، وبعث ديناميكية للتقريب بين الأغلبية والأقليات الثقافية، ودعم التبادل الثقافي.

- تهدف "التعددية الثقافية" لتسهيل المشاركة الكاملة لجميع الكنديين في الحياة الكندية من خلال دعم قدرات الأقليات العرقية والثقافية في المشاركة في عمليات القرار الوطني (المشاركة المدنية)، ومن خلال مساعدة المؤسسات العامة على إزاحة العقبات أمام تكريس مبدأ التعددية في برامجها وسياساتها العامة، ومن خلال تشجيع مشاركة الأقليات وكافة مكونات المجتمع في حوار بناء وفي تبني خطوات مدعومة لمقاومة العنصرية والكراهية، والفهم المتبادل بين مختلف المكونات الثقافية للمجتمع. أما "التفاعل الثقافي" فيهدف لإزالة أي شكل من أشكال التمييز المباشرة أو المنهجية، تجاه المواطنين من مختلف الأصول العرقية والثقافية.

- تسعى "التعددية الثقافية" للتأكيد على القيم الأساسية المتمثلة في الحقوق والحريات الشخصية، والمساواة الفردية. ومن جهته، يحدد "التفاعل الثقافي" إطارا مدنيا مشتركا، يعتبر كيبك مجتمعا ديموقراطيا، ويتوقع من المواطنين أن يشاركوا في الحياة الديموقراطية.

- تشير "التعددية الثقافية" لوجود لغتين رسميتين، وتسعى لضمان تعليم إحداهما على الأقل لكل المواطنين. أما "التفاعل الثقافي" فيعرّف كيبك على أنها مجتمع فرنكوفوني، من خلال التأكيد على الفرنسية كلغة الخطاب المشتركة ولغة المواطنة، ودعوة كل مكونات المجتمع إلى الانخراط في هذا المشروع الجماعي، وهذا يعني إعطاء مكانة مركزية للغة الفرنسية وللثقافة الفرنسية.

- تعتبر الثقافات حسب "التعددية الثقافية" محاذية بعضها لبعض، مشكّلة بذلك فسيفساء لا تقتضي بالضرورة التفاعل في ما بينها. أما "التفاعل الثقافي" فيقوم على دعم الحوار والتبادل بين مختلف الثقافات ومحاولة كسب ثقة جميع مكونات المجتمع للانخراط في مشروع مشترك لدعم الثقافة الفرنكوفونية مع الحفاظ على المقومات الثقافية الأخرى.


* هذا المقال جزء من بحث "التعددية الثقافية ومفهوم الهوية المتعددة الأبعاد"، الذي شارك به الباحث في المؤتمر السعودي الأول للأمن الفكري (المفاهيم والتحديات)، المنعقد بإشراف: كرسي الأمير نايف بن عبدالعزيز لدراسات الأمن الفكري (جامعة الملك سعود)، بتاريخ: 23ـ 25 جمادى الأول 1430 هـ


الحواشي:

1- أجرت كندا إحصاء سكانيا سنة 2006. غير أن بعض التقارير والأرقام المتعلقة بالتعددية الثقافية لم تنشر ساعة إعداد هذه الورقة. لذلك فسنكتفي بالإشارة إلى إحصائيات 2001 و2003.

2- Statistics Canada. Ethnic Diversity Survey: Portrait of a Multicultural Society. 2003. p.5-6. www.statcan.ca

3- Badet, J. Canada's Immigrant Population. Canadian Social Trends, vol. 29, 1989. pp8-11

4- Statistics Canada. Canada's Ethnocultural Portrait: The Changing Mosaic. 2003. p.5. www.statcan.ca

5- انتقد جاك جادواب وصف الشعوب الأصلية الكندية على أنها شعب واحد في مقابل الفرنسيين والإنجليز، كما كتِب في التاريخ الكندي المعاصر للإيحاء بوجود ثلاث مكونات أساسية للأمة. فذكر أن القبائل الأصلية تمثل شعوبا مختلفة ثقافيا ولغويا ودينيا، وبالتالي فمن المغالطة التاريخية اعتبارها شعبا واحدا. انظر: Jedwab, Jack. The myth of Canada as a Multinational Federation. Canadian Diversity, vol. 3:2, Spring 2004, pp.19-22

6- الأشخاص المنتمون للأقليات الظاهرة حسب التعريف الرسمي الكندي: هم سكان من غير السكان الأصليين، وممن لا ينتمون للعرق القوقازي (الأوروبيين)، وليسوا من البيض" ( انظر: Statistics Canada. Canada's Ethnocultural Portrait: The Changing Mosaic. 2003. p.5. www.statcan.ca).

7- Statistics Canada. Canada's Ethnocultural Portrait: The Changing Mosaic. 2003. p.5. www.statcan.ca

8- Jedwab, Jack. Diversity Popular Among Canadians as Federal Government Proclaims National Multiculturalism Day. March 2003. Survey.

9- Burstein, M. (2004). Élaboration de l'analyse de rentabilisation du multiculturalisme, ministère du Patrimoine canadien, site web: http://www.patrimoinecanadien.gc.ca/multi/spmc-scmp/conference/03_f.pdf.

10- خطاب العرش هو خطاب التكليف الذي يوجهه الحاكم العام للبرلمان والشعب عند انتخاب حكومة جديدة.

11- Mary Patt MacKinnon et al. Citizens' Dialogue on Canada's Future: A 21st Century Social Contract (April 2003). Available at www.cprn.org (Canadian Policy Research Networks)

12- Suzanne Peters. Exploring Canadian values: Foundations for Well-Being. Canadian Policy Research Networks. CPRN Study No F01 (Ottawa: CPRN 1995).

13- Lavoie V. Canada. 2002. Supreme Court of Canada. 23. Line 15

14- Rapport final de la commission Bouchard-Taylor sur les accommodements raisonnables. http://www.accommodements.qc.ca/documentation/rapports/rapport-final-integral-fr.pdf

15- Chambre des communes du Canada, 1971, p.8545

16- Helly, D. (2005). Le multiculturalisme canadien : des leçons pour la gestion de la diversité culturelles?, Rapport présenté au ministère Patrimoine canadien, Institut national de la recherche scientifique, Centre Urbanisation, Culture et Société, site web, http://www.pch.gc.ca/pcch/pubs/diversity2003/helly_f.cfm

17- Kanzaki, S. (2005). Le multiculturalisme et l’interculturalisme – le changement d’un paradigme culturel vers un paradigme plus civique et le rôle de la langue publique commune, travail dirigé, Université de Montréal.

18- Troper, H. (1978). «Nationalism and the History Curriculum in Canada», The History Teacher, vol. 12, no. 1, p. 11-27.

19- Leman, M. (1999). Le multiculturalisme canadien, Ottawa, Bibliothèque du Parlement, Division des affaires publiques et sociales


 


blog comments powered by Disqus