1- يبدو مما لا شك فيه أن فكرة "التعددية الثقافية" تضررت كثيرا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وحادثة مقتل بيم فورتوين وثيو فان جوج في هولندا، وتفجيرات بالي. حيث تمكن اليمين المتطرف والأحزاب القومية والمحافظة كسب عدد كبير من المعارك الانتخابية في البلدان الغربية نتيجة استخدام ورقة الهجوم الحاد وحملات التشكيك ضد سياسة الهجرة والتعددية الثقافية.
2- تتراوح النظرة تجاه المهاجرين في التجارب المذكورة في هذا البحث بين اعتبارهم ثروة بشرية لها أثر إيجابي في الحياة الاجتماعية والاقتصادية للدولة، أو اعتبارهم عبءا على المجتمع. ويبدو هذان الانطباعين متأثرين بعوامل عدة. وفي الحالة الكندية، مثلا، التي ينظر للمهاجرين فيها على أنهم مشاركون فاعلون في الحياة الكندية، يبدو أن الأمر يرجع بالأساس لكون سياسة قبول المهاجرين في كندا سياسة انتقائية، تعتمد على قبول الطلبات اعتمادا على شهاداتهم العلمية ومهاراتهم وتجاربهم. وبالتالي فبما أن المهاجرين تم اختيارهم على أساس قدراتهم على قابليتهم للعمل في الواقع الكندي، فليس من المستغرب ألا تكون معدلات البطالة في صفوف المهاجرين عالية، مقارنة بالتجارب الأخرى.
3- قد يوجد لدى الأفراد والشعوب المتجانسة عرقيا وثقافيا ودينيا، خوف غريزي أو طبيعي من التنوع والتعدد -ولعل الهويات الوطنية المتجذرة، والتي شهد تاريخها صراعات حول الهوية، أو التي تجد نفسها هي أيضا في وضعية الأقلية، هي الأكثر قابلية لهذا الخوف-، غير أن كثيرا منهم لا يرغبون في الظهور بمظهر العنصري أو المعادي للآخرين، وبالتالي فتجدهم يسعون للاختفاء وراء مبررات تبدو مقبولة في ظاهرها لمعارضة الهجرة، مثل الحديث عن الهجرة غير الشرعية، أو الممارسات غير الليبرالية (1) أو العبء الاقتصادي الذي يمثله بعض المهاجرين. وقد يلجأ بعضهم لاختراع أو تضخيم المخاطر الناتجة عن قبولهم (2)، حتى في ظل قلة أو انعدام الأدلة والمؤشرات الدالة على ذلك، وذلك لإخفاء عنصريتهم.
4- من أهم العوامل المؤثرة في قبول سياسة المهاجرين والسماح بالتعددية الثقافية: النظرة للثقافة الدخيلة على المجتمع على أنها تمثل ثقافة يمكن التعايش معها أو لا، وذلك بناء على سلوكيات أفراد هذه الثقافة الدخيلة. فقد يكون من الصعب على بعض المجتمعات أن تتقبل فكرة التعددية الثقافية حين يكون المستفيد منها أقليات ثقافية تحمل تجاه ثقافة الأغلبية (أو المجتمع المستقبِل) نوعا من العداء الثقافي أو الاستعلاء أو الولاء المناقض له.
5- قد يرى البعض في تكريس التعددية الثقافية نوعا من "التلغيم" للمجتمع من خلال توسيع نقاط التماس بين الثقافات المختلفة في داخل الدائرة الواحدة بدل حماية الثقافة الوطنية، كما قد يرون أن الإرهاب أو العنف السياسي أو التطرف الديني أحد نتائج سياسة التعددية الثقافية أو الانفتاح على "من لا يستحق الانفتاح عليه".
6- يبدو أن نجاح تجربة التعددية الثقافية مرتبط بثلاثة عوامل رئيسية (3):
* يتمثل العامل الأول في الحريات الثقافية الأساسية الممنوحة للأفراد، وقوانين الحماية ضد التمييز العرقي والديني والثقافي، والقوانين الخاصة بإعفاء الأقليات أو الاعتراف بهم ودعمهم وتمثيلهم وإعطائهم حرية الإدارة الذاتية، والتي تمثل أسسا ضرورية لضبط نزعة الأغلبية نحو الاستبداد أو نحو فرض ثقافتها على الأقليات. وبما أن قوة الوازع الأخلاقي لا تكفي لوحدها في واقع السياسة الراهن، فمن الضروري دعم هذه الحقوق بقوة القوانين الدستورية التي لا يمكن مخالفتها، والتي لا يمكن تفسيرها سوى عن طريق المحاكم الدستورية المحمية من أي تدخل سياسي من السلطتين التنفيذية والتشريعية.
* ولكن هذا العامل لا يكفي لوحده، بل يتطلب إنشاء المؤسسات والهيئات والبرامج والسياسات العامة التي تضع هذه القيم موضع التطبيق، والتي تسمح بوجود التنوع الثقافي وتحمي التعايش من احتمالات الاحتكاك والتوتر والصراع.
* ويتمثل العامل الثالث في السياسات التي تصوغ وتدعم الهوية المدنية المشتركة، في سياق ثقافي متنوع.
* هذا المقال جزء من بحث "التعددية الثقافية ومفهوم الهوية المتعددة الأبعاد"، الذي شارك به الباحث في المؤتمر السعودي الأول للأمن الفكري (المفاهيم والتحديات)، المنعقد بإشراف: كرسي الأمير نايف بن عبدالعزيز لدراسات الأمن الفكري (جامعة الملك سعود)، بتاريخ: 23ـ 25 جمادى الأول 1430 هـ
الحواشي:
1- في الحالة الإسلامية مثلا، تشكل المواضيع التالية: تعدد الزوجات، لباس الحجاب، العنف الأسري تجاه المرأة في المجتمعات المسلمة، الإرهاب وعلاقته بمفهوم الجهاد، عدم توفير الحرية للمثليين ... إلى غير ذلك، مبررات يتكئ خلفها بعض المعادين للإسلام والعرب على خلفية عنصرية كي يبرروا ضيقهم بالعرب والمسلمين في مجتمعاتهم الغربية.
2- من الأمثلة على هذه الظاهرة ظهور المصطلح الجديد: أورابيا (Eurabia) والذي يهدف للتخويف من احتمالات أن تصبح أوروبا عربية بفعل قبول المهاجرين العرب، وحالة الممانعة الثقافية التي تمارسها الجاليات العربية في أورابا للحفاظ على هويتها الثقافية.
3- Bauböck, Rainer. If you say Multiculturalism is the wrong answer, then what was the question you asked?. Canadian Diversity, vol. 4:1. Winter 2005. pp. 90-93
| < السابق | التالي > |
|---|