أَشَاد الدكتور سلمان بن فهد العودة -المشرف العام على مؤسسة الإسلام اليوم- بحركة التوحيد والإصلاح المغربية وبمشروعها الفكري لإصلاح المجتمع ومواجهة قضايا الأمة، ومحاولة الانفتاح على الآخرين، مؤكداً أن اتجاهًا واحدًا لا يمكن أن يقود النهضة وحده بلْه أن ينجزها، وأنه لا يجب إقصاء حتى المخالفين عن المساهمة في إنجاز النهوض الحضاري. وذلك خلال لقاء فضيلته مساء السبت بأعضاء المكتب التنفيذي للحركة بالرباط والتي حظي فيه باستقبال حار وترحيب حميمي لإجابته الدعوة للزيارة.
وناقش الشيخ سلمان في لقاء دام زهاء ثلاث ساعات مع رئيس الحركة الأستاذ المهندس محمد الحمداوي وأعضاء المكتب التنفيذي مجموعة من القضايا الفكرية والانشغالات المشتركة التي تهمُّ قضايا الصحوة الإسلامية وقضايا التجديد في الفكر الإسلامي والمساهمة في النهوض بقضايا الأمة الكبيرة.
وقال الشيخ سلمان في كلمة لمستقبليه بالمكتب: "إن الرحلة لو كانت لمجرد اللقاء مع قوم تجمعك بهم المحبة والصداقة والأخوة، وهو باعث إيماني وفطري، لكانَ كافيًا، ولوَجبَ الاحتفاء به، لكن أن تزور أناسًا لهم مشروع تتمنى له أن يكون نوعيًّا ورائدًا فهو ما يجعل المرء يعتز بوجود مثل هذه المشاريع الرائدة والواعدة في الأمة".
ولفت الشيخ سلمان إلى أن بعض المواقف الحديَّة التي قد تتخذها عدد من التنظيمات الإسلامية تجاه الآخرين المخالفين، حتى وإن حققت النصر في وقت من الأوقات أو في جانب من الجوانب، فإنها إذا دفعت المخالفين إلى مواقف حدية مضادة، فإنها في العمق تنطوي على خسارة استراتيجية، لأنها تقطع شعرة معاوية مع هؤلاء المخالفين، وتعمّق الهوة معهم، بدل العمل على احتوائهم وتقريبهم.
وتطرق فضيلته إلى الحديث عن النهوض الحضاري مؤكداً أن اتجاهًا واحدًا لا يمكن أن يقود النهضة لوحده بله أن ينجزها، وأنه لا يجب إقصاء حتى المخالفين من المساهمة في إنجاز النهوض الحضاري، كما نبَّه على أن معظم الحركات الإسلامية يسيطر عليها جانب الالتزام الأخلاقي فقط، أما جوانب التنمية والنهضة والفكر والمشاعر فهي مقصية من دائرة الاهتمام، ونبَّه إلى الحذر من السقوط في "خوصصة" الإسلام وحصره في الجوانب الأخلاقية والشعائرية، ونبَّه على أن فئة المتدينين والمدافعين عن الدين تشكل 5% فقط، وأن فئة المحاربين للدين تشكل كذلك 5% فقط، وأن 90% وكأنها تابعة لا هي مدافعة ولا هي محاربة، وفي حين أن الحركة الإسلامية تنشغل بالفئة الأولى وتحارب الثانية، فإن 90% من أبناء الأمة لا يصلها أحد.
وأوضح الشيخ أن التجارب الإسلامية على غزارتها وكثرتها إلا أنها يكاد يغلب عليها أنها تنسج على نفس المنوال، ولذلك فإن تجربة التوحيد والإصلاح وبهذا التميز، يمكن القول بأنها تقدم عددًا من الاجتهادات والإبداعات التجديدية، ولذلك ينتظر منها أن تحقق شيئا نوعيًّا كبيرًا، كما نبَّه إلى أن السياسة مجرد وسيلة للعمل على الإصلاح، والله تعبد خلقه بما هو أوسع وأكبر منها، ولذلك فإن أكثر ما يحتاجه العمل الإسلامي هو التنويع في المجالات والوسائل والأساليب حتى تستوعب أكثر، حتى وإن كانت المستويات التربوية متباينة، كما يحتاج إلى التجديد والإبداع في الأفكار والمشاريع.
وفي حديثه عن الحاجة إلى العلوم الشرعية وإلى فقه الاستطاعة وفقه الممكن، أشار الدكتور العودة في معرض مناقشته مع أعضاء المكتب التنفيذي للحركة، إلى أن الإفراط في التأصيل هو عادة سيئة لأن الأصل هو الإذن وليس المنع، وأن المنع هو الذي يحتاج إلى تأصيل وليس العكس".
وفيما يتعلق بموضوع المواثيق الدولية وحقوق المرأة أكد الشيخ العودة أن الأسرة من المحكمات الشرعية في جميع الديانات السماوية وحتى بعض الديانات الوضعية، وأن حصر الدفاع عن الفضيلة في مراقبة تصرفات المرأة هو حراسة للجسد وليس للفضيلة.
واختتم فضيلة الدكتور سلمان كلمته بالتأكيد على أهمية وضرورة إعداد نخبة قوية واعية بالعلم الشرعي ومتحررة فكريًّا ومدركة للواقع من أجل النهوض بمهمة التجديد.
حركة فكرية وثقافية
ومن جانبه، رحَّب رئيس الحركة الأستاذ المهندس محمد الحمداوي بالشيخ العودة ثم تطرق للتعريف بالمسار الفكري والتنظيمي لحركة التوحيد والإصلاح، قائلًا: إن هذا المسار الذي تميز بإطلاق حركة فكرية ونقاشات عميقة ومراجعات جريئة أنتجت هذه الحركة التي تعتبر نفسها عملًا إسلاميًّا تجديديًّا لإقامة الدين وإصلاح المجتمع، وحدَّدت رسالتها في الإسهام في إقامة الدين وتجديد فهمه والعمل به، على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والأمة وبناء نهضة إسلامية رائدة وحضارة إنسانية راشدة، من خلال حركة دعوية تربوية، وإصلاحية معتدلة، وشورية ديمقراطية، تعمل وفق الكتاب والسنة، وتعتمد أساسًا على إعداد الإنسان وتأهيله، ليكون صالحًا مصلحًا في محيطه وبيئته، كما تلتزم منهج التدرج والحكمة والموعظة الحسنة، والتدافع السلمي، والمشاركة الإيجابية والتعاون على الخير مع غيرها من الأفراد والهيئات.
وأضاف الحمداوي أن اسم التوحيد والإصلاح كما يحيلُ على الرسالة الإصلاحية للحركة فهو يحيل كذلك على مهمة التوحيد وعلى التجربة الوحدوية التي عاشتها هذه الحركة، حيث كانت هي نفسها نتيجة لمسار متميز من العمل الوحدوي الذي جمع بين عدد من مكونات الصفّ الإسلامي في مراحل متتالية حتى توجت بتأسيس هذه الحركة.
كما وقف الأستاذ الحمداوي عند عدد من المحطات والاستحقاقات المهمة التي عرفها مسار الحركة عبر تاريخها الممتد ابتداءً من الانتقال من مرحلة السرية والتنظيم السري إلى مرحلة العلنية التي تتميز بالوضوح في الطرح والمسئوليات والعمل في إطار القانون.
ثم الانتقال من مرحلة التنظيم الجماعة الذي يحصُر اهتمامه على تربية الإنسان وإعداده ليكون عضوًا ملتزمًا في إطار التنظيم، إلى مرحلة التنظيم الرسالي الذي يهتم بإعداد وتخريج الإنسان الرسالي الذي يحمل الرسالة ويخرج بها إلى المجتمع في إطار تخصصات تتجاوز فضاءات الحركة، إلى فضاءات أخرى متخصصة في مجالاتها، وقد أبدعت الحركة على هذا المستوى في نهج سياسة سمتها سياسة التخصصات، وهي تعتمد على تأسيس مراكز ومنتديات وجمعيات متخصصة، في المجالات المختلفة، تكون مستقلةً عن بعضها تنظيميًّا، لكنها تجتمع حول نفس الرسالة ونفس المشروع وتتكامل في خدمته، والتنظيم الرسالي كما تعتمده حركة التوحيد والإصلاح يعتمد على وحدة المشروع عوض وحدة التنظيم.
ثم قرار المشاركة السياسية وانتداب ثلة من خيرة أبناء الحركة للعمل في إطار حزب سياسي هو حزب العدالة والتنمية، وهو حزب مستقلّ عن الحركة وتربطها به علاقة الشراكة الاستراتيجية والتعاون والدعم المتبادل.
وفي ختام الاجتماع شكر الإخوة أعضاء المكتب التنفيذي فضيلة الدكتور العودة على زيارته، كما أكدوا على العلاقة التي تربط الحركة بمؤسسة الإسلام اليوم، وعلى حرص الحركة على التواصل مع رواد الفكر وأعلام الدعوة في العالم الإسلامي من أمثال الدكتور العودة، من أجل تبادل التجارب والأفكار والتعاون على الخير والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.
* المصدر: موقع الإسلام اليوم
| < السابق | التالي > |
|---|