التنوع الإسلامي

إصدارات قراءة في كتاب (صور المثقف) لإدوارد سعيد
متابعات إصدارات

قراءة في كتاب (صور المثقف) لإدوارد سعيد

سليمان الضحيان

يعد كتاب ( صور المثقف ) من أهم الكتب التي كتبت عن المثقفين، وذلك لأن مؤلفه كان صورة أمينة لما طرحه من تنظير عن ( المثقف ).

وقد كنت بين خيارين حيال قراءة الكتاب ؛ إما أن أقرأ الكتاب ثم أصوغ بعض أفكاره بأسلوبي لأعطي نظرة شاملة عنه، وإما أن أبقي على أسلوب الكتاب، فاخترت الطريقة الثانية نظرا لجمال وعمق أسلوب الكتاب، فأبقيت على الأفكار كما هي، وكان عملي انتقاء المقاطع التي تصور كل فصل حق التصوير مع تلخيص بعض الأفكار المهمة التي يستحيل نقلها كاملة مما سيؤدي لطول هذه الورقة، وإعادة ترتيب بعض الأفكار، وربطها ببعض، ووضع عناوين للأفكار، مع عدم التدخل بأي فكرة مغايرة لأفكار الكتاب.

وعليه فأزعم أن هذه الورقة صورة أمينة لكتاب إدوارد سعيد، شملت أغلب أفكار الكتاب، و80 بالمائة منها هي بأسلوب الكتاب نفسه، وحرصت على هذه الطريقة لتكون أفكار الكتاب نفسه موضع نقاش الحلقة، والله الموفق


* قصة الكتاب:

في عام 1992، ألقى إدوارد سعيد سلسلة محاضرات في إذاعة BBC عن المثقف ودوره، وتمثلاته في الواقع، وعلاقته بالسلطة، وتحولاته، ثم جمعت هذه المحاضرات في كتاب بعنوان (Representations of the intellectual )، وتعني «تمثلات المثقف».

تُرجم إلى اللغة العربية ثلاث مرات بعناوين مختلفة:

صدرت أول طبعة منه تحت عنوان "صور المثقف" ترجمة غسان غصن / دار النهار1996.

ثم صدر بترجمة تحت عنوان ( المثقف والسلطة) الصادر عن دار رؤية بترجمة محمد عناني.

ثم صدرت ترجمة ثالثة بعنوان ( الآلهة التي تفشل دائماً ) وقد صدرت عن دار التكوين بسوريا 2003

قصة

يتكون الكتاب من ستة فصول يتمحور الحديث فيها عن (( ماهية المثقف، وصوره وتمثلاته في الواقع، ودوره في الحياة العامة، وموقفه من المنظومات الفكرية، والتخندق الإقليمي والوطني، وموقفه من العادات والتقاليد، وعلاقته بالسلطات السياسية والدينية، وسلطة المؤسسات، و مدى تماهيه مع واقعه الثقافي، وغربته الثقافية، وتحولاته، واعتمد المؤلف على الواقع الغربي غالبا في طرح النماذج للمثقفين، و قراءة السياسات الحكومية، وكانت كل مراجعه لتنظيراته عن المثقف مستمدة من الثقافة الغربية من كتب فكرية وروايات، وسير ذاتية،ووثائق )).

* عرض لأبرز أفكار الكتاب:

أولا: ماهية المثقف

هل المثقفون فئة كبيرة جداً من الناس؟ أم نخبة رفيعة المستوى ضئيلة العدد؟ثمة طرحان مختلفان في تحديد ماهية المثقف، أول هذين الطرحين للماركسي الإيطالي انطونيو غرامشي ؛ كتب في “دفاتر السجن”: (( أن بإمكان المرء القول إن كل الناس مثقفون، لكن ليس لهم كلهم أن يؤدوا وظيفة المثقفين في المجتمع ))، ويرى غرامشي أن المثقفين صنفان ؛ الصف الأول: مثقفون تقليديون مثل المعلمين ورجال الدين والإداريين، ممن يواصلون أداء العمل نفسه من جيل إلى جيل.

والصنف الثاني: المثقفون العُضْويّون وهم المرتبطبون على نحو مباشر بطبقات أو بمؤسسات تجارية تستخدم المثقفين لتنظيم المصالح واكتساب المزيد من القوة وزيادة السيطرة.وفي عالم اليوم وفقاً لغرامشي يعتبر خبير الإعلام أو العلاقات العامة الذي يستنبط أساليب تضمن لمسحوق غسيل أو شركة طيران حصة أكبر من السوق، مثقفاً عضوياً.

وكان غرامشي مؤمناً بأن المثقفين العضويين يشاركون في المجتمع بنشاط ما، أي أنهم يناضلون باستمرار لتغيير الآراء، فالمثقفون العضويون هم دائمو التنقل دائمو التشكل على عكس المعلمين ورجال الدين الذين يبدون وكأنهم باقون في أماكنهم يؤدون نوع العمل ذاته عاماً بعد عام.

وأما الطرح الثاني فهو مناقض لطرح غرامشي فيرى جوليان بندا أن المثقفين عصبة صغيرة من الذين يتحلون بالموهبة الاستثنائية وبالحس الأخلاقي الفذ ويشكلون ضمير البشرية، ويؤلفون طبقة مثقفة ممن هم حقاً مخلوقات نادرة جداً، لأن ما يدعمونه ويدافعون عنه - وهي المعايير الأزلية للحق والعدل -، ليست تحديداً من هذا العالم. ولهذا السبب اختار لهم بندا التعبير الديني “الاكليريكيين” تمييزاً في المنزلة والأداء، و يطرح بندا هذا المفهوم دائماً ضد العوام، أولئك الناس العاديين المهتمين بالفائدة المادية وبالتقدم الشخصي مهما كانت ثقافتهم وتخصصهم المهني.

و أمثلة بندا تظهر بجلاء أنه لا يوافق على الفكرة القائلة بوجود مثقفين منفصلين كلياً عن العالم الواقعي، منصرفين بكليتهم إلى الاهتمامات الخيالية مقيمين في أبراجهم عاجية ؛ فالمثقفون الحقيقيون لا يكونون أبداً في أفضل حالاتهم النفسية إلا عندما تحركهم عاطفة ميتافيزيقة ومبادئ الحق والعدل النزيهة فيشجبون الفساد ويدافعون عن الضعيف ويتحدون السلطة القمعية.وتكمن مشكلة مجموعة مثقفي هذه الأيام وفقاً لرأي بندا في أنهم تنازلوا عن سلطتهم الأخلاقية لمصلحة ما يسميه في تعبير تنبؤي “تنظيم العواطف الجماعية” مثل الروح الطائفية، والمشاعر الجماهيرية والعدوان القومي والمصالح الطبقية.إذ يفترض بالمثقفين الحقيقيين - حسب تعريف بندا- تعريض أنفسهم لأخطار الحرق أو النبذ أو الصلب. فهم شخصيات بارزة رمزية، متميزة بابتعادها الراسخ عن الاهتمامات العملية ؛ ولذلك لا يمكن أن يكونوا كثيري العدد، كما أن من غير الممكن تنميتهم روتينياً، وعليهم أن يكونوا أفراداً مدققين، وذوي شخصيات جبارة، وأهم من ذلك كله، يجب أن يكونوا في حالة معارضة شبه دائمة للوضع الراهن ؛ ولهذه الأسباب مجتمعة يتحتم أن يكون مثقفي “بندا” حفنة ضئيلة، وبارزة على نحو جلي، من الرجال - وهو لا يشمل النساء أبداً- الذين يطلقون على الجنس البشري من عليائهم أصواتهم الجهيرة ولعناتهم الفضة.

، ولهذا ألف بندا كتابه (خيانة المثقفين) وتهجم فيه تهجماً لاذعاً على المثقفين الذين يتخلون عن رسالتهم ويعرضون مبادئهم للشبهة.

ويرى إدوار سعيد أن تحليل غرامشي الاجتماعي للمثقف، كإنسان ينجز مجموعة معينة من الوظائف في المجتمع هو أقرب بكثير إلى الواقع من أي صفات يعطينا إياها بندا، وبخاصة في أواخر القرن العشرين، عندما ثبتت رؤية غرامشي ببروز مثل هذا العدد الكبير من المهن الجديدة ؛ المذيعين، ومحترفي العمل الأكاديمي، و المحللين في مجال الكمبيوتر، والمحامين المختصين بشون الرياضة ووسائل الإعلام والمستشارين الإداريين، وخبراء السياسة، ومستشاري الحكومة، ومؤلفي التقارير التجارية المتخصصة، والعاملين في مجال الصحافة الجماهيرية العصرية بكامله.فكل من يعمل اليوم في أي حقل مرتبط بإنتاج المعرفة أو بنشرها هو مثقف، حسب مفهوم غرامشي.

لكن إدوارد بشترط لصدق مفهوم المثقف أن ينخرط المثقف بالشؤون العامة في سبيل القيم الإنسانية، ولهذا يستشهد بمقولة فوكو )) إن من يسمى بالمثقف العالمي قد أخلى مكانه للمثقف الخصوصي، ذلك الذي يعمل في فرع معين من فروع المعرفة لكنه قادر على استخدام حذاقته بأي طريقة كانت )).

، ويقول (( المثقف هو فرد له في المجتمع دور علني محدد لا يمكن تصغيره إلى مجرد مهني لا وجه له أو عضو كفء في طبقة ما لا يهتم إلا بأداء عمله.

فالحقيقة المركزية بالنسبة إليّ - كما أعتقد- أن المثقف وهب ملكة عقلية لتوضيح رسالة أو وجهة نظر أو موقف أو فلسفة أو رأي أو تجسيد أي من هذه أو تبيانها بألفاظ واضحة ؛ لجمهور ما وأيضاً نيابة عنه ؛ ولهذا الدور محاذيره ولا يمكن القيام به دون شعور المرء بأنه إنسان مهمته أن يطرح علناً للمناقشة أسئلة محرجة ويجابه المعتقد التقليدي والتصلب العقائدي (بدل أن ينتجهما) ويكون شخصاً ليس من السهل على الحكومات أو الشركات استيعابه، وأن يكون مبرر وجوده تمثيل كل تلك الفئات من الناس والقضايا التي تُنسى ويغفل أمرها على نحو روتيني.)).

ويدعو إلى تمثل المثقف للقيم التي يدعو إليها فالمسألة لديه لا تقتصر فقط على كيفية التعبير بوضوح عن الأفكار والاهتمامات بل تتعداها أيضاً إلى ما يمثله المثقف بنفسه كشخص يحاول تعزيز قضية الحرية والعدالة.، فيقول: (( فأنا أتحدث عن هذه الأفكار أو أكتبها لأنها -بعد طول تفكير- هي التي أؤمن بها، ولأنني أيضاً أريد إقناع الآخرين بوجهة النظر هذه ؛ من هنا إذن هذا المزج المعقد بين العالم الخاص والآخر العام، فعندي تاريخي وقيمي وكتاباتي ومواقفي كما هي مستمدة من تجاربي من جهة، ومن الأخرى كيفية دخول هذه الخصوصيات كلها إلى العالم الاجتماعي حيث يتناقش الناس ويتخذون القرارات بشأن الحرب والحرية والعدالة. وعليه لا وجود البتة لمن يمكن وصفه بمثقف خاص. لأنك تدخل العالم العام منذ اللحظة التي تكتب كلماتك ثم تنشرها، كذلك لا يوجد مثقف عام فقط أي إنسان يعيش كمجرد رئيس صوري أو متحدث باسم أفراد أو هيئات أو رمزاً لقضية أو حركة أو موقف. فعلى الدوام ثم نبرة شخصية وحساسية خاصة، وهاتان السمتان هما اللتان تعطيان معنى لما يقال ويكتب. وأقل ما يجدر بالمثقف عمله أن يكون همه إرضاء جمهوره: فالعبرة الأساسية برمتها أن يكون محرِجاً ومناقِضاً بل حتى مكدراً للصفو العام )).

ثانيا: دور المثقف:

إن أحد أفضل الأجوبة عن هذا السؤال وأكثرها أمانة في إعتقادي- يقول إدوارد - صدر عن عالم الاجتماع الأمريكي سي رايت ميلز C Wright Mills وهو مفكر متطرف في استقلاليته ذو رؤية اجتماعية متقدة وقدرة عقلية لافتة للنظر على توصيل أفكاره بأسلوب نثري واضح المعالم ومقنع. فقد كتب في عام ١٩٤٤عن أن المثقفين المستقلين كانوا يواجهون إما بشعور قانط بالعجز نتيجة هامشيتهم، وإما بخيار الالتحاق بصفوف المؤسسات أو الشركات أو الحكومات كأعضاء في مجموعة قليلة العدد نسبياً من المطلعين على بواطن الأمور، الذين يتخذون قرارات هامة من دون مراقبة من غير شعور بالمسؤولية. والحل في هذه الحالة لا يكمن في التحول إلى وكيل (مأجور) لإحدى صناعات المعلومات، لأن التوصل إلى علاقة بالجماهير كتلك التي أقامها طوم باين ستكون بالتالي مستحيلة.وخلاصة القول إن وسائل الاتصال الفعال - وهي عملة المثقف - تجري مصادرتها مما يترك للمثقف المستقل مهمة رئيسية واحدة يعبر عنها ميلز على النحو التالي: (( إن الفنان والمثقف المستقلين هما في عداد الشخصيات القليلة الباقية المجهزة لكي تقاوم ولكي تحارب تعرُّض أفكار حية حقاً إلى قولبة جامدة وبالتالي إلى الموت. ويتضمن الإدراك الحسي الجديد حالياً القدرة على العمل باستمرار لفضح التعميمات المتحيزة ذات النمط الثابت عن الرؤية والفكر، ولتحطيم هذه التعميمات التي تغرقنا بها وسائل الاتصال الحديثة، ولأن عالمي الفن الجماهيري والفكر الجماهيري هذين يُكيَّفان أكثر فأكثر لتلبية متطلبات السياسة، تصبح السياسة المجال الذي يتحتم فيه ترميز التضامن والجهد الفكري، وإن لم يربط المفكر نفسه ذهنياً بقيمة الصدق في الكفاح السياسي، فلن يقدر على نحو مسؤول أن يكون على مستوى التجربة الحية بكاملها).اهـيقول إدوار: (( تستحق هذه الفقرة أن تُقرأ وأن تعاد قراءتها، لأنها مليئة بتوكيدات ومعالم مرشدة هامة ؛ فالسياسة هي في كل مكان، ولا منجاة منها بالفرار إلى عالمي الفن الصافي والفكر النقي، أو حتى إلى عالم الموضوعية النزيهة أو النظرية المتسامية. والمثقفون هم أبناء عصرهم تسوقهم معها السياسات الجماهيرية للنزعات التمثيلية المتجسدة في صناعة المعلومات أو الإعلام، ولا يقدرون على مقاومتها إلا بمنازعة صور السلطة ورواياتها الرسمية، وتبريراتها التي تروجها وسائل إعلام متزايدة الجبروت – وليس فقط وسائل إعلام بل اتجاهات فكرية بكاملها تحافظ على الوضع الراهن، وتبقي الأمور ضمن منظور للفعل مقبول ومُجاز – عبر توفيرهم ما يسميه ميلز عمليات كشف أقنعة أو روايات بديلة، يحاول فيها المفكر قدر استطاعته أن يقول الحقيقة.وما أبعد هذه المهمة عن السهولة فالمثقف دائماً يعيش بين الانعزال والانحياز….ونقطة سي رايت ميلز الأساسية هي التعارض بين الجمهور والفرد، إذ إن ثمة تضارباً متأصلاً بين قوى المنظمات الكبرى، من الحكومات إلى المؤسسات، وبين الضعف النسبي لا للأفراد فحسب، بل وأيضاً لأناس يعتبرون ذوي منزلة ثانوية وللأقليات وللشعوب والدول الصغيرة وللحضارات والأعراق الأقل شأنا. وليس في ذهني أي مجال للشك في أن المثقف الذي لربما يقول بعضهم إنه مثل روبن هود، مؤهل للتوحد مع الضعفاء ومن لا ممثل لهم، ومع ذلك فإن دوره ليس بتلك البساطة ولا يمكن بالتالي صرف النظر عنه بسهولة وكأنه مجرد تمثيلية رومنتيكية. وجوهر الأمر أن المثقف حسب مفهومي للكلمة لا هو عنصر تهدئة ولا هو خالق إجماع، وإنما إنسان يراهن بكينونته كلها على حس نقدي، على الإحساس بأنه على غير استعداد للقبول بالصيغ السهلة أو الأفكار المبتذلة الجاهزة، أو التأكيدات المتملقة والدائمة المجاملة لما يريد الأقوياء والتقليديون قوله، ولما يفعلونه، ويجب ألا يكون عدم الاستعداد هذا مجرد رفض مستتر هامد، بل أن يكون رغبة تلقائية نشطة في الإفصاح عن ذلك علناً.

... ولا يعني هذا الأمر أن يكون المثقف ناقداً لسياسة الحكومة، بل أن يرى في المهنة الفكرية حفاظاً على حالة من اليقظة المتواصلة ومن الرغبة الدائمة في عدم السماح لأنصاف الحقائق والأفكار التقليدية بأن تُسيّر المرء معها، وينطوي على ذلك واقعية ثابتة وطاقة عقلية أشبه بالطاقة الجسدية اللازمة لممارسة الرياضات البدنية الشاقة، وكفاح عسير لإقامة توازن بين مشاكل الفردية الذاتية وبين متطلبات النشر والتحدث جهاراً في العالم العام ))

ثالثا: موقف المثقف من التقاليد والانتماءات الخاصة

نصوغ العنوان يعبارة أخرى فنقول: هل يستسلم المثقف لهيمنة التقاليد،والقوميات، والأوطان والأمم أو ينتصر للقيم الإنسانية ؟يتكون العالم من عدد هائل من الأجناس و القوميات، ولكل قومية لغة خاصة وعادات وتقاليد، وهموم، تختلف عن غيرها من القوميات الأخرى، ولا شيء أكثر شيوعاً في الحديث العام من عبارات مثل (الانكليز) أو (العرب) أو ( الأمريكيين) أو (الأفارقة) والتي تلمح كل منها لا إلى ثقافة بأسرها فحسب، بل إلى ذهنية معينة راسخة، والتحدث عن المثقفين اليوم يعني أيضاً التحدث على وجه التخصيص عما بينهم من تلك الفوارق القومية والدينية وحتى القارية.

وهنا نتساءل عن كيفية التعامل مع هذا الأمر. فهل يلزم واقع القومية المثقف الفرد بالمزاج العام، بدواعي التضامن أو الولاء الأزلي أو الوطنية و القومية ؟ أم هل من الممكن الخروج بحجة أكثر إقناعاً دفاعاً عن المثقف كمنشق على الطاقم المتحد ؟

مشكلة الولاء محدقة دائماً بالمثقف وتتحداه بدون رحمة. وكلنا بلا استثناء منتمون إلى جماعة قومية أو دينية أو عرقية ما: فما من أحد، مهما كان مقدار الإصرار على عكس ذلك، يعلو فوق الروابط العضوية التي تشد المرء إلى العائلة والجماعة وبالتأكيد إلى الجنسية، وتدعوه إلى التضامن معها، لكن يجب ألا يعلو التضامن أبداً على النقد. فللمثقف دائماً أن يختار إما الانحياز إلى الأكثر قوة، و إما مناصرة الأضعف والأسوأ تمثيلاً والمنسيين أو المتجاهلين ويعارض الأكثر قوة، وهذا لا يعني المعارضة في سبيل المعارضة لكنه يعني طرح أسئلة وإحداث فروق وإعادة التذكير بكل تلك المسائل التي يوجد ميل إلى إهمالها وتجاوزها في خضم الاندفاع نحو الأحكام الجماعية والعمل الجماعي، وبالنسبة إلى الإجماع على هوية المجموعة أو الهوية القومية، فإن مهمة المثقف أن يبين لماذا المجموعة ليست كياناً فطرياً أو كينونة من الله، وإنما هي شيء مبني ومنتج وحتى مختلق في بعض الحالات، له تاريخ من الصراعات والفتوحات التي ينبغي تمثيلها أيضاً ؟.

ويشير عالم الاجتماع ادوارد شلز Edward Shils إلى أن المثقفين يقفون على طرفي نقيض: فإما أنهم ضد المعايير السائدة، وإما أنهم، بطريقة ما توفيقية في أساسها، موجودون لتوفير (النظام والاستمرارية في الحياة العامة).وفي رأي إدوارد سعيد أن أول هذين الاحتمالين هو حقاً دور المثقف العصري (القاضي بمنازعة المعايير السائدة)، وبالتحديد لأن المعايير الغالبة مرتبطة اليوم على نحو حميم جداً بالأمة (لأن الأمة تأمرها بذلك من فوق)، وهذه دائماً سعيدة بإلحاق الهزائم بالآخرين، ودائماً في مركز له سلطته، ودائما تنتزع الولاء والخنوع بدل أن تتطلب ذاك الأسلوب الفكري في استقصاء الأسباب وإعادة التفحص. فالتقاليد والقيم التي كانت تعتبر فيما مضى وكأنها مقدسة، تبدو الآن منافقة وعنصرية المنطلق على السواء. وفي العديد من الجامعات في أمريكا يكشف النقاش الدائر حول النصوص المعتمدة والمسلمات – رغم كل ما فيها أحياناً من صخب واعتداد أبله- موقفاً فكرياً متشككاً بكثير تجاه الرموز القومية والتقاليد المبجلة والأفكار النبيلة المنيعة.

وبالنسبة إلى ثقافات عريقة مثل الإسلامية والصينية، ذات الاستمرارية الخارقة والرموز الأساسية الراسخة على نحو مذهل، ففيها أيضاً مثقفون مثل علي شريعتي و أدونيس و كمال أبو ديب، ومثقفو حركة الرابع من آيار (مايو) ممن يعكرون استفزازياً سكون التقاليد الآمنة في علياء حرماتها.وأعتقد أن هذا الأمر يصح قطعاً على نحو مماثل في بلدان مثل الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، حيث إن فكرة الهوية القومية ذاتها تعرضت للطعن علناً بسبب نقائصها، وأن هذا الطعن لم يأت من المثقفين فحسب وإنما نتيجة واقع ديموغرافي ملح.وحتى في الدول الإسلامية، و الإسلام فيها هو دين الأغلبية في اعتقادي أن دور المثقف ليس للقول ببساطة إن (الإسلام هو السبيل) والعمل على إزالة معظم دواعي الشقاق والخلاف، ناهيك من التفسيرات المتباينة جداً للإسلام ؛ فالإسلام في نهاية الأمر دين وثقافة، كلاهما مُركب وبعيد كل البعد عن السياق الأحادي، وعلى الرغم من ذلك فبقدر ما أن الإسلام هو الإيمان والهوية للأغلبية الكبرى من الناس، فمن غير الإلزامي على المثقف إطلاقاً الاشتراك في الجوقات التي تمتدح الفهم الأحادي للإسلام، وإنما يتحتم عليه أن يقدم - في الدرجة الأولى- تفسيراً للإسلام يشدد على طبيعته التركيبية وغير التقليدية، وهل هو إسلام الحكّام - كما يسأل أدونيس- أم إسلام الشعراء المنشقين والفرق الخارجة عليه؟.

وعلى المثقف، في المقام الثاني، أن يطالب السلطات الإسلامية بمواجهة تحديات التعامل مع الأقليات غير الإسلامية، وحقوق النساء، بحرص إنساني وإعادة تقييم صادقة، لا بترانيم دوغماتية أو شهبوية

وجوهر هذا الأمر للمثقف في الإسلام هو إحياء الاجتهاد، أو التفسير الشخصي، وليس التنازل كالنعاج لمصلحة العلماء، ذوي الطموحات السياسية، أو الدهماويين الساحرين للجماهير.هذا هو الدور المطلوب للمثقف غي مجتمعاته أن يكون ناقدا ومصححا وعامل احتجاج ؛ لكن واقع المثقفين اليوم يشير إلى وقوع الجمهرة الكثيرة من مثقفي العالم في أسر العقل الجمعي لمجتمعاتهم وقومياتهم، فيتعاملون مع القوميات المغايرة تبعا لصوت جماعتهم وقوميتهم؛ ففي التعاطي الحالي مع العالم الإسلامي -بكل أبنائه البالغ عددهم ألف مليون، ومجتمعاتهم المختلفة التي تعد بالعشرات ولغاتهم الرئيسية الست يتحدث المثقفون الأكاديميون الأميركيون أو البريطانيون بأسلوب اختزالي عن شيء يدعى “الإسلام”. ويبدو من استعمالهم لهذه الكلمة المنفردة أنهم يعتبرون الإسلام موضوعاً بسيطاً يمكن أن تطلق عليه تعميمات فضفاضة تغطي ألفاً وخمس مئة عام من التاريخ الإسلامي، وأن تصدر بشأنه بدون خجل أحكام عامة

وقد جرت في ظروف ما بعد الحرب الباردة وتحكم الولايات المتحدة في الحلف الغربي بعد نهاية هذه الحرب، حيث نشأ إجماع على أن الانبعاث الإسلامي أو الإسلام الأصولي هو التهديد الجديد الذي حل محل الشيوعية. وهنا لم يحول التفكير المتحد المثقفين إلى أولئك الواعين المستقلين، المعترضين والمشككين أي إلى أفذاذ لا يمثلون الإجماع بل الشكوك حوله على أسس عقلانية وأخلاقية وسياسية، فضلاً عن الأسس المنهجية، لكنه حولهم بدل ذلك إلى جوقة تردد الرأي السياسي السائد كالصدى معجلة دفعه معها إلى مزيد من التفكير المتحد، وإلى ذلك الشعور اللاعقلي المتنامي تدريجياً بأننا “نحن” مهددون من جانبهم “هم”. والنتيجة تعصب وخوف بدل المشاركة والمعرفة.

رابعا: المثقف والاغتراب الفكري والهامشية المثقفون المنتسبون مدى الحياة إلى مجتمع ما، يمكن تقسيمهم - إذا أمكن القول - إلى مندمجين وغير مندمجين ؛ فأولئك الذين ينتمون كلياً إلى المجتمع كماهو ويزدهرون فيه دون أي شعور غامر بالتنافر أو الانشقاق، أولئك من الممكن تسميتهم ب بالمندمجين أو ”الإمعيين” من جهة. ومن الجهة الأخرى، القائلين لا، هؤلاء الأفراد الذين على نزاع مع مجتمعهم ولذا فهم غير مندمجين، وغير منتمين، ومنفيون فيما يختص بالامتيازات، والسلطة، ومظاهر الحفاوة، والتكريم.

وخير ما يمثل النمط الذي يحدد المسار للمثقف كغير منتم هو وضع المنفى، تلك الحالة من اللاتكيف أبداً على نحو تام، والشعور دائماً أنك خارج العالم المألوف المهذار الذي يقطنه سكان أصليون، إذا صح التعبير، والميل إلى أن تتجنب زين التأقلم والرفاهية القومية أو حتى أن تكون كارهاً لها.

والمنفى للمثقف بهذا المعنى الميتافيريقي، هو التململ، والتحرك، وكونه على الدوام قلقاً ومقلقاً للآخرين، فأنت لا تستطيع العودة إلى وضع ما سابق وربما أكثر استقراراً كنت تشعر فيه وكأنك في بيتك؛ ولا يمكنك أبداً أن تنجح تماماً، وتنسجم مع مقرك أو وضعك الجديد.ونستخلص من ذلك أن عيش حياة ما وفقاً لمعايير مختلفة يتسبب للمثقف في ألا تكون عنده سيرة تستحق الذكر، ولا يكون له إلا ما يشبه مفعول الإخلال بالتوازن، يحدث صدمات زلزالية، ويرج الناس رجاً، لكن من غير الممكن فهمه اعتماداً على خلفيته أو وبينما يصح القول إن المنفى هو الوضع الذي يميز المثقف كإنسان يقف كرمز هامشي بعيداً عن متع الامتيازات والقوة والشعور بالبيتوتية، فإن من الأهمية بمكان التشديد على أن ذلك الوضع نفسه يحمل في طياته مكافآت معينة، بل حتى امتيازات. وهكذأ ؛ ففي حين أنك لا تكسب جوائز ولا يرحب بك في كل تلك المجالس الرفعية المقام، المهنئة نفسها بتباه، التي تستثني روتينياً مثيري المتاعب المحرجين، غير الممتثلين، فإنك تستمد في الوقت ذاته بعض الأمور الإيجابية من المنفى و( الهامشية) أحد هذه الأمور، و هي بهجة الإصابة بالدهشة ومتعة عدم التسليم جدلاً بأي شيء ولذة التعلم أن تفلح في تدبير أمرك في ظروف اللا استقرار المتزعزع التي من شأنها إرباك معظم الناس وتخويفهم.فالمنفى هو النموذج الذي ينبغي للمثقف أن يضعه نصب عينيه عندما تغويه، بل وتغدَق عليه وتغمره، مكافآت التكيف، والإمعية والركون. وحتى إن لم يكن المرء من المهاجرين أو المغتربين الفعليين، يبقى في إمكانه أن يفكر كما يفكر الواحد منهم، وأن يتخيل برغم الحواجز، وأن يبتعد دوماً عن السلطات المركزة قاصداً الهوامش، حيث ترى أموراً لا تقدرها حق قدرها عادة عقول لم تسافر أبداً إلى أبعد من المتعارف والمريح.إن وضع ( الهامشية ) الذي ربما يبدو معدوم المسؤولية أو مفتقراً إلى الحدّية، يحررك من وجوب التحرك دوماً بحذر، خائفاً من أن تفسد على أحد تدابيره، حريصا على ألا تزعج زملاءك في عضوية المؤسسة ذاتها. ومع ذلك ما من أحد إطلاقاً يخلو تماماً من الروابط والعواطف، ولا أعني هنا من الوصف بالمثقف الذي يتنقل من موقع لآخر، ذاك الذي تكون مقدرته التقنية مؤجرة ويرسم البيع لأيّ كان، لكنني أقول إن صيروية المثقف هامشياً وغير مدجن مثل من هو في منفى فعلي، تتطلب منه أن يستجيب على نحو غير اعتيادي للمسافر لا للحاكم، للموقّت والمحفوف بالمخاطر لا للمألوف، للابتكار والاختبار لا للوضع الراهن المكرس سلطوياً. فالمثقف الذي تتقمصه حالة المنفى لا يستجبي لمنطق التمسك بالأعراف، بل لجراءة المغامرة، ولتمثيل الغير، وللمضي قدماً لا للركود والجمود.

خامسا: المثقف المحترف والمثقف الهاوي

المثقف لا يمثل رمزاً جامداً كالتمثال، بل كفاءة قائمة بذاتها، وطاقة، وقوة صلبة، تناوش كصوت ملتزم وممكن تمييزه في اللغة وفي المجتمع، يتبنى مجموعة كبيرة من القضايا متعلقة كلها في نهاية الأمر بمزيج من ( التنوير والانعتاق أو الحرية ).والخطر الهام الذي يتهدد المثقف هذه الأيام أكان في الغرب أم في العالم غير الغربي، لا يكمن في الأكاديميا أو الضواحي أو الروح التجارية المروعة للصحافة ودور النشر، وإنما في مسلك ( الاحترافية ) ؛ والاحترافية – هنا - هي اعتبار وظيفتك كمثقف وكأنها عمل تؤديه كسباً للرزق، بين التاسعة والخامسة، عين لك على ساعة الجدار بينما الأخرى حولاء لا تنظر لغير عملك، تدعوك إلى ألا تحدث هزات بلا داع، ولا تشرد إلى أبعد من الأنماط والحدود المقبولة، بل تهيئ نفسك لتكون رائجاً ولائقا قبل كل شيء، ومن ثم تصبح غير مثير للجدل وغير معني بالسياسة و “موضوعياً”.

وما زال مجتمع اليوم يحاصر الكاتب ويحيط به، أحياناً بالجوائز والمكافآت، وغالباً عبر الاستخفاف أو الاستهزاء بالعمل الفكري بمجمله، وأكثر من ذلك في الأغلب الأعم عن طريق القول إن المثقف الحقيقي يجب ألا يكون سوى محترف متمهر في مجاله.

ويذكر إدوارد سعيد أربعة ضغوط يرى أنها اختبار لمناعة إبداع المثقف وإرادته، ومن الممكن مجابهة كل منها - على رغم تفشيها- بما يسميه “نزعة الهواية” أي الرغبة في ألا يكون الربح أو المكافأة الباعث الوحيد على النشاط الفكري، بل أن يكون الدافع هو الشغف والاهتمام الذي لا يفتر بالوضع الأشمل وبإقامة صلات عبر الحدود والحواجز وبرفض التقيد الحصري بحقل اختصاص معين، وبالحرص على الأفكار والقيم برغم القيود التي تفرضها المهنة.أول هذه الضغوط هو ( التخصص ). فكلما ارتقى المرء في النظام التربوي اليوم ازداد اقتصاره على مجال ضيق نسبياً من مجالات المعرفة، وفي حين أن ليس لأحد أي مأخذ على الكفاءة في حد ذاتها، لكنها عندما تكون من النوع الذي ينطوي على التوقف عن التفكير في أي شيء خارج الحقل المباشر لاختصاص المرء، وتدفع المرء للتضحية بثقافته العامة لأجل مجموعة من السلطات والأفكار الشرعية أو المعترف بها، تصبح عندئذ كفاءة لا تستحق الثمن الذي دُفع في سبيلها.وعندما تبلغ في نهاية الأمر درجة مثقف متخصص كلياً في الأدب، تصبح وديعاً وراضياً بما يسمح به المدعوون قادةً في هذا الحقل.

كذلك يقتل التخصص حس الإثارة والاستكشاف لديك، وهما موجودان على نحو يتعذر إنقاصه في البنية العقلية للمثقف

وفي التحليل الأخير فإن الاستسلام للتخصصية هو كسل، ولذا ينتهي بك الأمر إلى تنفيذ ما يطلبه منك آخرون، لأن هذه، برغم كل شيء، هو ما يمليه عليك التخصص.

الضغط الثاني والثالث: الخبرة والإعجاب الذي يقارب العبادة بالخبير المُجاز، وهما ضغطان أكثر جدارة بالذكر، فحتى تكون خبيراً يجب أن تحصل على الإجازة من السلطات المختصة، التي تعلمك التحدث باللغة المناسبة، والاستشهاد بالمراجع المناسبة، والعمل في المنطقة المحددة المناسبة، ويصبح هذا القول على نحو خاص عندما يتحتم اتخاذ قرار حاسم بشأن مجالات في المعرفة تكون حساسة أو مربحة أو الاثنتين معاً.

أما الضغط الرابع للاحترافية فهو الانجراف المحتوم لمعتنقيها نحو السلطة ومقتضياتها وامتيازاتها والعمل مباشرة على خدمتها، ويصعقك فعلاً ذلك المدى الذي وصلت إليه الخطة الأمريكية الأساسية للأمن القومي في تحديد أولويات البحث الأكاديمي وذهنيته، خلال تنافس الولايات المتحدة الأمريكية مع الاتحاد السوفييتي على الهيمنة العالمية. وسادت في الاتحاد السوفييتي حالة مماثلة، إلا أن ما من أحد في الغرب كانت لديه أي أوهام عن سرية البحث، وقد بدأنا نحن لتونا فقط في التنبه قليلاً إلى مغزى ما حدث – وهو أن وزارتي الخارجية والدفاع الأمريكيتين قدمتا من المال لإجراء أبحاث جامعية في العلوم والتكنولوجيا أكثر من أي متبرع منفرد: وينطبق ذلك بشكل خاص على معهد MIT وجامعة ستانفورد الذين تلقيا في ما بينهما أكبر المبالغ على مدى عقود.لذلك فإن المشكلة بالنسبة إلى المثقف هي محاولة التعاطي مع تعديات العملية العصرية لإضفاء الصفة الاحترافية، لا بالتظاهر أنها غير موجودة، ولا بإنكار تأثيرها، بل بتمثيل مجموعة مختلفة من القيم والامتيازات، وهي ما يمكن تسميته بـ ( نزعة الهواية )، التي هي فعلاً نشاط يضطرم بالتعلق العاطفي والاهتمام لا بالعائد المادي والتخصص الأناني الضيق.ويتحتم على المثقف اليوم أن يكون هاوياً، أي إنساناً يعتبر أن كون المرء عضوا عاقلاً ومعنياً في مجتمع ما يخوله إثارة قضايا أخلاقية، حتى في صميم أكثر النشاطات تقنية واحترافية، لأنها تتعلق ببلاده وقوتها وأسلوب تفاعلها مع مواطنيها وأيضاً مع مجتمعات أخرى، أضف إلى ذلك أن بإمكان حيوية المثقف، كهاوٍ، دخول الروتين الحرفي المحض الذي يمر فيه معظمنا وتحويله إلى ما هو أكثر إثارة وراديكالية بكثير، وبدل أن يفعل المرء ما يفترض به أن يفعل، يستطيع أن يسأل لماذا يفعل الذي يفعله ؟، ومن يستفيد من هذا العمل ؟ وكيف يمكن إعادة ربط ما يعمله بخطة شخصية وأفكار جديدة مبتكرة ؟.

سادسا: المثقف و السلطة

هذه الحلقة من إدوارد هي في حقيقتها فرع عن كلام إدوارد عن المثقف المحترف والمثقف الهاوي ؛ فوجود المثقف في خدمة السلطة وكسب المكافآت منها، لا يساعد إطلاقاً على ممارسة تلك الروح النقدية والمستقلة نسبياً للتحليل وإصدار الأحكام، التي يتحتم أن تكون إسهام المثقف الهاوي، وبكلام آخر ؛ فإن المثقف الحقيقي الحق ليس موظفاً أو مستخدماً منقطعاً كلياً لأهداف سياسة حكومة ما أو شركة كبرى ما، أو حتى نقابة ما من المهنيين المتجانسين فكرياً.

وفي مثل هذه الحالات فإن الإغراءات التي يواجهها المرء بإخماد حسه الأخلاقي أو لإجباره على التفكير ملياً من داخل حقل اختصاصه، أو لكبح الشك داخله لمصلحة الخضوع للأعراف هي فعلاً كثيرة، ولذلك ينبغي الحذر الدائم

ويستسلم الكثيرون من المثقفين لهذه الإغراءات استسلاماً كاملاً، وهذا ما نفعله كلنا وإن بدرجات مختلفة، فما من امرئ يعيل نفسه بنفسه كلياً، ولا حتى أعظم عظماء الأحرار.

و أعتقد أن المثقفين ذوي الصلة الوثيقة بصياغة السياسة، القادرين على توفير ذلك النوع من التعيين القائم على الإيثار والمحسوبية، الذي يمنح الوظائف والرواتب والترقيات أو يمنعها، يميلون بطريقة أكثر تماسكاً وثباتاً إلى الاحتراس من أفراد لا يخضعون للنظام مهنياً، ويتحولون تدريجياً في نظر رؤسائهم إلى أناس ينشرون في كل مكان جواً من الجدل واللا تعاون، من أولئك المثقفين الذين يمكن تسميتهم ( هواة ) غير محترفين ؛ فاللا احترافية - في المقام الأول - معناها اختيار المخاطر والنتائج غير المضمونة في المحيط العام – كمحاضرة أو كتاب أو مقال ذي انتشار واسع النطاق وغير مقيّد، وتفضيلها على الانخراط في حيز المطلعين على بواطن الأمور، الذي يسيطر عليه الخبراء والمهنيون، يقول إدوارد (( لقد عرضت علي وسائل الإعلام بضع مرات خلال العامين المنصرمين أن أكون مستشاراً ذا راتب فرفضت، لأن ذلك ببساطة يعني أن أكون حبيس محطة تلفزيون أو صحيفة واحدة، ومقيداً أيضاً باللغة السياسية السائدة في وسيلة التعبير تلك وضمن نطاق مفهومها العام. وعلى نحو مماثل لم يكن لدي قط أي اهتمام للأعمال الاستشارية مدفوعة الأجر، المطلوبة للحكومة أو منها، حيث لا فكرة لديك عن أي عمل قد توظّف فيه أفكارك لاحقا )) ً.

ونختم هذه الحلقة بتساؤل: هل من الجائز للمثقف المعاصر الذي يعيش في زمن مرتبك فعلاً نتيجة اختفاء ما يبدو أنها كانت معايير أخلاقية موضوعية وسلطة واعية، أن يكتفي، ببساطة إما بتقديم الدعم الأعمى لسلوك بلاده والتغاضي عن جرائمها، وإما القول بدون مبالاة فعلاً: ( أعتقد أنهم كلهم يفعلون ذلك، وأن هذه هي حالة الدنيا) ؟؟

بالتأكيد فإن مسألتي الوطنية وولاء المرء لقومه موجودتان، وبالتأكيد، فإن المثقف ليس آلة ذاتية الحركة غير معقدة، تقذف قوانين وقواعد مبتكرة حسابياً لكل موضوع أو قضية، وبالتأكيد فإن الخوف والحدود العادية لوقت الإنسان واهتمامه وقدرته، كصوت فردي، تفعل فعلها بطريقة مخيفة.

ومع أننا محقون في الحزن على اختفاء الإجماع على مقومات الموضوعية، لكننا لسنا -من منطلق مماثل - هائمين كلياً في ذاتية تطلق العنان لأهوائها. فالاحتماء بمهنة أو بجنسية هو احتماء فحسب، وليس الحل للوخزات التي نتلقاها كلنا بقراءتنا أخبار الصباح لا غير.

ومن أكثر المناورات الفكرية كلها خسة، التحدث بعجرفة عن انتهاكات في مجتمع الغير وتبرير الممارسات ذاتها في مجتمع المرء نفسه.

صحيح أنه لا أحد يمكنه التكلم كل الوقت جهراً عن كل القضايا، لكن ثمة واجب خاص لمخاطبة القوى ذات السلطة الشرعية وذات الصلاحية في مجتمع المرء نفسه، وهي قوى من حق المواطنين محاسبتها وبخاصة عندما تُمارس سلطاتها في حرب غير متكافئة ولا أخلاقية على نحو جلي، أو في منهاج متعمد من التمييز والقمع والوحشية الجماعية. ولا شيء يستحق التوبيخ أكثر من تلك الطباع الذهنية للمثقف، التي تغري بتجنب المخاطر، أي الابتعاد عن موقف صعب ومبدئي تدرك أنه الصحيح، لكنك تقرر ألا تتخذه. فأنت لا تريد الظهور في مظهر المنغمس جداً في السياسة، وتخشى من أن تبدو مولعاً بالجدل، وتحتاج إلى موافقة مدير أو شخص ذي سلطة، وتريد الاحتفاظ بسمعة حسنة كإنسان متزن، وموضوعي، ومعتدل، وتأمل أن تُدعى مرة أخرى، وأن تستشار، وأن تكون عضوا في مجلس إدارة أو في لجنة لها مقامها، وبالتالي أن تظل في نطاق الاتجاه السائد الذي يعول عليه، وتأمل أن تحصل يوماً على شهادة فخرية، أو غنيمة كبرى، لا بل حتى على منصب سفير.إن هذه الطباع الذهنية هي العامل الأبرز دون منازع لإفساد المثقف.

وإذا كان في وسع أي شيء أن يمسخ حياة فكرة متقدة، ويقضي على تأثيرها، وفي نهاية الأمر يقتلها، فلسوف يكون دمج مثل هذه الطباع وترسيخها في النفس.إن قول الحق في وجه السلطة ليس مثالية مفرطة في التفاؤل: إنه تأمل دقيق في الخيارات المتاحة واختيار البديل الصالح، ومن ثم تمثيله بذكاء أينما يمكن إعطاء النتيجة الفضلى وإحداث التغيير الصائب

سابعا:تحولات المثقف

اختار ادوارد سعيد لحلقته السادسة عنوانا طريفا وهو ( آلهة تفشل دائما )، مقتبسا عنوان كتاب روتشارد كروسمان ( الإله الذي فشل ) المنشور عام 1949م، وفيه تحدث مؤلفه عن المثقفين أمثال إغناسيوسيلوني أندريه جيد،آرثر كوستلر، ستيفن سبندر الذين انخدعوا بالدعاية السوفيتية، فكتبوا تمجيدا لها، ثم اكتشفوا حقيقتها فتحولوا إلى نقدها.

وقد سخر إدوارد من الكتاب، لأنه كان من المفترض أن يبين المؤلف أن أولئك المثقفين تحولوا من تمجيد الأنموذج السوفيتي إلى تمجيد الأنموذج الأمريكي، دون أن يصاحب هذا نظرة نقدية وتناول لإخفاقات الأنموذج الأمريكي، فاكتفى هؤلاء المثقفون بتغيير الإله.

و المثقف المثالي – في نظر إدوارد - يمثل التحرر والتنور، على ألا يكونا أبداً كفكرتين تجريديتين أو كإلهين جامدي القلب ومتباعدين ينتظران من يخدمهما. فتمثيلات المثقف – أي ما يمثله من آراء وكيف يصورها لجمهوره – مرتبطة دائماً بتجربة مستديمة في المجتمع ويجب أن تظل جزءًا عضوياً منها، وهي تجربة المعوزين والمحرومين واللا مسموعين واللا ممثلين والعاجزين، فهؤلاء حقيقيون ومستديمون، ولا يقدرون على تحمل البقاء وهم يُمجدون ثم يُجمدون كمعتقدات أساسية، أو بيانات دينية، أو مناهج احترافية.فمثل هذه الأعمال التمجيدية تقطع الرابط الحي بين المثقف والحركة، أو العملية التي هو جزء منها. هذا بالإضافة إلى الخطر الشنيع لاعتبار المرء نفسه، ووجهات نظره، واستقامته الخلقية، ومواقفه المعلنة، الأكثر أهمية. ولأن قراءة شهادات “الإله الذي فشل” من أولها إلى آخرها أمر محزن لي – يقول إدوارد - أريد أن أسأل: لماذا آمنت، وأنت المثقف، بإله ما، على أية حال؟

وأنا ضد مبدأ التحول إلى معبود سياسي من أي نوع كان – يعبر إدوارد -، وضد الإيمان بمثل هذا الإله، وأعتبر الحالتين كلتيهما سلوكاً لا يليق بالمثقف. لكن هذا لا يعني أن على المثقف البقاء على الشاطئ يستكشف بحذر درجة حرارة المياه من حين لآخر ويظل معظم الوقت بعيداً عن البلل، ويؤكد كل ما كتبته في هذه المحاضرات على أهمية الارتباط العاطفي والمجازفة والتكشف والالتزام بالمبادئ، والقابلية للانجراح لدى مناقشة قضايا الحياة والناس والتورط فيها، بالنسبة إلى المثقف.ومثالاً على ذلك أن ما استنتجته سابقاً عن الفرق بين مثقف محترف وآخر هاو قائم بالتحديد على هذا الأمر، وهو أن المحترف يدعي حق عدم الاكتراث بداعي المهنة، ويتظاهر بالموضوعية، في حين أن ما يحرك الهاوي ليس المكافآت ولا إنجاح التخطيط العاجل لمهنة العمر، وإنما ارتباط تعهدي بأفكار وقيم في المجال العام

وطبيعي أن يتحول المثقف مع الوقت باتجاه العالم السياسي، ومرد ذلك جزئياً أن ذاك العالم بخلاف الأكاديمية أو المختبر مفعم بالحيوية الناجمة عن اعتبارات للقوة والمصلحة أوسع نطاقاً، تُسيّر مجتمعاً برمته أو أمة بأسرها؛ وأن أيا من هذين كما قال ماركس- بتنبؤ مصيب - يحول المثقف عن مسائل التفسير الجزئي إلى مسائل أكثر كلية تتعلق بالتغيير والتحول على الصعيد الاجتماعي. ولا يمكن أن يتجنب المثقف الدخول في عالم السياسية، وقديما قال جان جينيه، إنك (( تدخل الحياة السياسية لحظة نشرك مقالاً في مجتمع ما، وبالتالي، إذا أردت أن تبتعد عن السياسة تماماً، فلا تكتب مقالات ولا تجهر بقول. ))

وعمل المثقف في حقيقته هو ممارسة للسياسة من حيث إنه تحدث في الشأن العام، لكن ما يجب أن يكون عليه المثقف هو الانحياز للوقوف ضد عذابات الإنسان، والتوحد مع المستضعفين، وألا يتحول إلى عابد للآلهة، يتحول من إله إلى آخر تبعا لمغرياتها، فيكون المثقف الأمريكي مع سلطة بلاده ضد الاتحاد السوفيتي ثم يتحول معها ضد الخطر الأصولي، ويبرر عدوانها على فيتنام والعراق، ويدور المثقف العربي مع آلهته فيكون عروبيا ضد دول الخليج الرجعية ثم يتحول مع حرب الخليج 1991م إلى ترس في ميكنة الإعلام الخليجي بعد أن ساهمت العطايا المادية بهذا التحول الجذري في المواقف.

إن التبعية العمياء للسلطة في عالم اليوم هي أحد أفدح الأخطار التي تهدد كينونة حياة فكرية أخلاقية نشطة، لكن تصدي المرء لهذا الخطر بمفرده أمر صعب، والأصعب حتى من ذلك هو إيجاد طريقة لتكون متمشياً مع معتقداتك، وتبقى في الوقت ذاته طليقاً بما فيه الكفاية كي تنمو أو تغير رأيك أو تكتشف أموراً جديدة، أو تعيد اكتشاف ما وضعته ذات يوم جانباً. والجانب الأصعب لكونك مثقفاً هو أن تمثل بعملك وتدخلاتك ما تجاهر به، من دون أن تتحول إلى مدرسة، أو إلى ما يشبه آلة ذاتية الحركة تعمل بإمرة نظام أو منهج ما. وأي إنسان يشعر ببهجة النجاح في هذا المجال، والنجاح أيضاً في البقاء يقظاً وحصيفاً، لابد من أن يقدّر ندرة هذا الالتقاء. لكن الوسيلة الوحيدة لتحقيق هذا الإنجاز على الإطلاق تكمن في تذكير نفسك دوماً بأنك أنت القادر، كمثقف على الاختيار بين أن تمثل الحقيقة بفعالية على خير ما تستطيع، وبين أن تسمح بإذعان لولي أمر أو سلطة بتوجيهك. و وفقاً للمثقف لعلماني، فإن هذه الآلة تفشل دوماً.

* إضاءات ومناقشة للكتاب:

أولا- الفكرة الأساسية التي يخرج بها قاريء الكتاب أن الصفة الحقيقة التي يجب أن يتصف بها المثقف – حسب رؤية إدوارد – هي صفة ( نزعة الهواية ) لدى المثقف والبعد عن ( الاحترافية )، وكل الصفات التي يجب أن يتحلى بها المثقف، والأدوار التي يجب أن يلعبها هي فرعية عن الاتصاف بنزعة الهواية، وهذ ما جعل التكرار يظهر في كثير من فصول الكتاب ؛ فموقف المثقف من السلطة مثلا لا يمكن أن يتم - حسب رؤية إدوارد - إلا إذا كان المثقف هاويا غير محترف، ومثله موقفه من الأعراف والتقاليد، وكذلك صفة الثبات في الولاء وعدم التحول هي في الحقيقة فرعية عن نزعة الهواية التي يجب أن يتصف بها المثقف.

ثانيا:

من خلال الكتاب يمكن نختصر ما يعانيه المثقف في تأدية دوره بشيء واحد فقط و هو ( مواجهة السلطة )، ونعني بالسلطة هنا كل تنظيم مادي أو معنوي له نفوذ مادي أو معنوي كالسلطة الساسية، وسلطة الشركات، والمؤسسات، وسلطة الأمة، والوطن، والق...ومية، وسلطة العادات، والتقاليد والأعراف، ولهذا فهو محترف إذا انحاز لسلطة من هذه السلطات، وهاو إذا لستطاع أن يستقل عنها، ويمارس دوره دون الرضوح لأي سلطة من تلك السلطات.

ثالثا:

اختار إدوارد سعيد تعريف غرامشي للمثقف فهو يقول ((هو أقرب بكثير إلى الواقع من أي صفات يعطينا إياها بندا، وبخاصة في أواخر القرن العشرين )) لكن بقراءة الصفات والأدوار التي ذكرها إدوارد للمثقف نجد أنها لا تنطبق إلا على مفهوم بندا للمثقف، إذ إن مفهوم غرامشي يدخل في مفهوم المثقف المثقف المنضوي تحت سلطة من السلطات إذا كان له أثر في الواقع ويسميه ( المثقف العضوي )، وهذا من يسميه إدوارد ( المثقف المحترف )، ويخرجه حقيقة من زمرة المثقفين.

رابعا:

نلحظ من نص إدوارد سعيد في كتابه ( صور المثقف ) أن منطلقاته في تحديد ماهية المثقف ودوره علمانية صرفه، وقد صرح بذلك في قوله: ((المثقف الحقيقي كائن علماني. ومهما بالغ المثقفون في تظاهرهم بأنهم يمثلون شؤوناً علوية أو قيماً جوهرية، فإن الأخلاقية تبدأ بنشاطهم في دنيانا العلمانية هذه – إذ فيها يحدث هذا النشاط ومصالحها هي التي يخدمها، وفيها ينسجم نشاط المثقفين مع مبدأ أخلاقي راسخ وكلي من الإنسانية، وفيها يميز بين القوة والعدل، ويكشف عن خيارات المرء وأولوياته. أما تلك الآلهة التي تفشل دائما،ً فتتطلب من المثقف في نهاية الأمر نوعاً من اليقين المطلق ونظرة إلى الواقع، كاملة ومتناسقة، لا تتعرف إلا إلى الأتباع أو الأعداء. ))

وفي موضع آخر يقول: ((كيف يقول المرء الحق ؟ وأي حق؟ ولمن ؟ وأين ؟

لسوء الحظ علينا أن نبدأ الرد بالقول إن ليس ثمة نظام أو منهج رحب وأكيد بما فيه الكفاية لتزويد المثقف بإجابات مباشرة عن هذه الأسئلة. ففي العالم العلماني – عالمنا نحن ذاك العالم التاريخي والاجتماعي الذي صنعه الجهد البشري- لا تتوافر للمثقف سوى وسائل علمانية ليعمل بها. أما الوحي والإلهام، برغم كونهما معقولين تماماً كأسلوبين للفهم في الحياة الخاصة، فإنهما كارثتان إذا ما سعى المثقف إلى التنظير بموجبهما. وبالفعل، فأنا مستعد لأذهب أبعد من ذلك وأقول إن على المثقف الانهماك في نزاع مستمر مدى الحياة مع جميع الأوصياء على الرؤيا المقدسة أو النص المقدس، الذين مغانمهم غفيرة وظلمهم لا يطيق أي اختلاف في الرأي، وبالتأكيد أي تنوع. إن حرية الرأي والتعبير المتصلبة هي المعقل الرئيسي للمثقف العلماني، فالتخلي عن حمايته أو تحمل العبث بأي من أساساته هو في الواقع خيانة لرسالة المثقف ))

ومجال نشاط المثقف هو المشترك الإنساني الجامع، وبهذا فهو يخرج المثقف الأيدلوجي ) بجميع صوره كـ( المثقف الديني )، و( المثقف القومي )، من زمرة المثقفين، وذلك لأن المثقف الأيدلوجي لا يتحلى بنزعة الهواية وهي أهم صفات المثقف التي ذكرها إدوارد

وهذا الرأي لإدوارد يخالفه فيه كثير من المفكرين كالجابري مثلا الذي ألف كتابه ( المثقفون في الحضارة الإسلامية ) وذكر نماذج لهم الفقهين الإمام ابن حنبل، وابن رشد.

خامسا:

واضح من نص إدوارد أنه يجهل حركة الثقافة العربية ومثقفيها، فإذا كان من الطبعي أن تكون نماذجه، ومراجعه في أطروحته هذه نماذج غربية سواء، باعتبار أن هذا النص موجه للمستمع الغربي حينما طرحه باللغة الإنجلينزية /ن أكثر منابر الثقافة الغربية رصانة وهي ( محاضرات ريث )، لكن من غير الطبيعي أن تكون نماذجه للمثقف العربي تقتصر على إدونيس وكمال أو ديب، فكمال لا يعرف عنه أي نشاط ثقافي – حسب مواصفات المثقف التي طرحها إدوارد – فهو مثقف محترف لا يتعدى نشاطه مجال انقد الأدبي.

سادسا:

واضح من نص إدوارد أن تصنيفه ونظرته للمثقف تنطلق من نظرته للدور الذي يقوم به المثقف في واقعه، أي أن مسمى المثقف لا يحوزه إلا من أدى دور المثقف وناضل من أجلها، وبهذا يخرج قطاعا كبيرا جدا من المثقفين الذي لا يقومون بأدوار التبشير والنضال في سبيل التوعية أو التغيير أو المراقبة لسلوك السلطة، ويذهب بعض الباحثين إلى إدخال مثل هؤلاء في زمرة المثقفين، ويطرحون تفريقا بين نوعين من المثقفين، الأول: مثقف مجند، والثاني: مثقف مجمَّد، فـ( المجند ) هو من يؤدي رسالة المثقف في النضال والتغيير والتثقيف، ومراقبة السلطة، و الدفاع عن المحرومين، والمسحوقين والمهمشين، و( المجمد ) هو من كانت ثقافته قاصرة عليه، غير متعدية فليس له أي دور في واقعه.

 


* ورقة قدمت لحلقة النقاش التي تعقدها جماعة ( الفكر ) في نادي القصيم الأدبي في تاريخ 06/11/2010


blog comments powered by Disqus